العلوم الإنسانية

السبت 2014/09/27

منذ القرن التاسع عشر، لم يفتأ المؤرخون وعلماء الإناسة والإثنيات والنفس يطالبون بموقع في معبد العلوم ظل يتمنّع عليهم. فمجالات بحوثهم ودراساتهم لا تزال توصف بـ”الرخوة” في مقابل العلوم “الصلبة” ، لأنها تهتم بكل ما يتعلق بالإنسان، وهو كائن متحوّل، فيما الأخرى تختص بالطبيعة، المتسمة بالثبات، وتوصف أيضا بـ”الذاتية” لأن أفعال البشر التي تهتمّ بها مرهونة بالتصوّر الذي يحمله عنها كل واحد. ولا يزال الخلاف قائما بين مناصر ورافض.

فريق يرى أن العلوم الإنسانية لها صبغة علمية صارمة، كما بيّن دوركايم في “قواعد المنهجية السوسيولوجية”، فهي تستجيب للأنموذج العلمي الذي حدّده في الستينات توماس كون في “بنية الثورات العلمية” بكونه جماع ملاحظات وأفعال مؤكدة، وأسئلة ذات علاقة بموضوع ما وحلولها، وتوجيهات منهجية، إلى جانب الكيفية التي ستؤوَّل بها الأحداث المطروحة للدرس. وبالتالي فالعلوم الإنسانية لا تختلف عن العلوم الصحيحة من حيث شروطها، فهي تحلل الأحداث والظواهر، وتؤوّلها وتستنتج منها قوانين.

وفريق يذهب مذهبا آخر، فينكر على العلوم الإنسانية صفة العلم لكونها متحركة على رأي هايك، ولا يمكن أن تكون صالحة لكل زمان ومكان، على غرار علوم الطبيعة لأنها تدرس مجموعات بشرية في تغيّر مستمر، وتحلل ظواهر في مجتمعات متحوّلة، ولا نستطيع أن نُنتج قوانين كونية تنطبق على البشر. وبالتالي فإن منظومة التصورات المشتركة هي من السعة ما يجعلها بعيدة عن العقلانية العلمية.

فريق ثالث يحاول التوفيق بين الرأيين، يرى أن الفتوحات العلمية الحديثة، وتطوّر فلسفة العلوم تسمح بتجديد دراسة تلك الأسئلة وتجاوز الشقاق القديم بين علوم الإنسان وعلوم الطبيعة دون إنكار تميّز المعرفة العلمية عن سلوك البشر، والإجابة عن تلك الأسئلة تستوجب حشد قوى فلسفية ورياضية ومنطقية واقتصادية.

ورغم ذلك لا يزال الخلاف قائما حتى داخل الفريق الواحد، هذا مثلا مارسيل غوشيه مدير معهد الدراسات العليا للعلوم الاجتماعية ورئيس تحرير مجلة “جدل” يقول عن فرويد: "التحليل النفسي ليس علما، تماما كالسوسيولوجيا والإثنولوجيا واللسانيات، فهي تأويل للظاهرة الإنسانية، تجهد في إثبات الأفعال والحقائق بكل الصرامة الممكنة، ولكن استنتاجاتها تعزى بالضرورة إلى الهرمينوطيقا: نؤوّل، دون أن نستفيد بالضمانات التي يوفرها التجريب والممارسة واستعمال الرياضيات، كما هو الشأن في العلوم الصحيحة".


كاتب من تونس مقيم في باريس

17