العلويون يواجهون مشاكل في تركيا "السنية"

في تركيا، يُعتبر الإسلام السني واحدا من العناصر الرئيسية التي تحدد شكل العلاقة بين الدولة ومواطنيها.
الاثنين 2020/02/03
دولة تنبذ مكوناتها

برزت مشاكل العلويين في تركيا، أكبر طائفة دينية في البلاد بعد المسلمين السنة الذين يشكلون الأغلبية، من جديد بعدما اقترحت بلدية إسطنبول الاعتراف رسميا بدور العبادة الخاصة بالأقلية العلوية.

فهذا الاقتراح قوبل بالرفض، الأسبوع الماضي، من الإسلاميين في حزب العدالة والتنمية الحاكم وحلفائهم باليمين المتطرف في حزب الحركة القومية، والذين يملكون 180 مقعدا من بين 312 مقعدا في مجلس البلدية.

ينبغي أن يكون حل هذه المشكلة مباشرا. هذا النوع من القضايا يجب حله على أساس المساواة في المواطنة. ففي الدولة الحديثة، تمنع الحقوق والمسؤوليات أي شكل من أشكال التمييز على أساس العرق أو الهوية الدينية.

أولا وقبل كل شيء، لا يمكن للدولة أن تدعم أو تنبذ أي هوية دينية. ثانيا يجب على الدولة أن تكفل المساواة في الحقوق القانونية والوضع القانوني لكل الطوائف الدينية.

ولكن في تركيا، يُعتبر الإسلام السني في الواقع واحدا من العناصر الرئيسية التي تحدد شكل العلاقة بين الدولة ومواطنيها. وما وجود مديرية الشؤون الدينية التي يعمل بها ما يربو على 100 ألف موظف وتتمتع بمخصصات كبيرة من الأموال العامة إلا أبرز دليل ملموس على هذا الواقع.

هذه المديرية، التي يتم تمويلها ببذخ من أموال جميع دافعي الضرائب، لا تخدم بأي شكل من الأشكال المسلمين العلويين الذين يشكلون ما يتراوح بين 10 و20 في المئة من سكان البلاد، فيما عدا تعيين أئمة سنة في المساجد التي تمولها الدولة في القرى العلوية والتي لا يرتادها أحد. وبسبب تلك العلاقة بين الدولة والإسلام السني، لا يمكن توصيف تركيا بأنها دولة علمانية.

يسعى صناع القرار لإيجاد حلول لمشاكل العلويين من منظور الإسلام السني. ففي الدولة العلمانية الحديثة، لا يوجد فرق بين المسجد ودار عبادة العلويين التي تعرف باسم بيت الجمع. ولكن من منظور المذهب السني، لا يمكن التعامل معهما أبدا على قدم المساواة. صحيح أن الإسلام السني يعترف بدور العبادة الأخرى مثل الكنائس والمعابد اليهودية، ولكن من المستحيل أن يقبل الإسلام السني ببيوت الجمع.

إن المعارضة الرسمية للاعتراف ببيوت الجمع كدور للعبادة تستند إلى أسس قوية من منظور المذهب السني.  والمشكلة في تركيا تتمثل في حقيقة أن هذا المنطق الديني يشكل أيضا السياسة الرسمية المتبعة.

فالمذهب السني يعتبر معتقدات العلويين بمثابة تفسير خاطئ للإسلام. الكثير من علماء السنة يصفون معتقدات العلويين بأنها نسخة بدائية متخلفة من الإسلام. وشعائر العلويين مثل العزف على الآلات الموسيقية والرقص والسجود للزعماء الدينيين تُعتبر من المحرمات في العقيدة الدينية السنية.

ونتيجة لذلك، يسعى الإسلام السني عادة إلى تحويل و”تسنين” العلويين. والشعارات الرسمية مثل “كلنا جميعا أخوة وأخوات” أو “المساجد وبيوت الجمع كلاهما يخصنا” ليست سوى توطئة لدمجهم، فهي لا تعني الاعتراف بالعلويين باعتبارهم أفراد طائفة مسلمة شرعية.

هذا هو السبب في أن استراتيجيات “الانفتاح العلوي” السابقة التي تبنتها الحكومة لم تؤت ثمارها على الإطلاق. وفي خطوة تكتيكية، تعهد حزب العدالة والتنمية بالاعتراف الرسمي ببيوت الجمع قبل الانتخابات الرئاسية والبرلمانية في شهر يونيو من العام 2018، ولكن منذ الفوز في الانتخابات لم يفعل الحزب شيئا للوفاء بوعده.

إن معاملة الدولة للعلويين مأسوية، بالنظر إلى أن العقيدة العلوية لعبت دورا حيويا في تحول الأتراك إلى الإسلام في الأناضول. لكن الإسلام السني، الذي يعتبر مذهب المسلمين الأوائل بمثابة النسخة النهائية من الدين غير القابلة للتغيير، لم يدرك الأبعاد العالمية والمحلية للعقيدة. وذلك هو السبب في أن الكثير من السنة العاديين في تركيا يفضلون تسمية أطفالهم بالأسماء العربية عن الأسماء التركية، اعتقادا منهم بأنها أكثر توافقا مع الدين الإسلامي.

غير أنه من الطبيعي أن تفسر الثقافات المحلية المختلفة الدين الإسلامي تفسيرات مختلفة. وهذا هو السبب في أنه لا يوجد إسلام عربي فحسب، بل هناك إسلام تركي وفارسي أيضا.

أود أيضا التأكيد على نقطة أخرى، ألا وهي أن تركيا اليوم تشهد أزمة واضحة في الإسلام السني، والتي نتجت عن العلاقة الوثيقة بينه وبين الدولة. ومن هذا المنظور، ينبغي للعلويين أن ينظروا إلى نبذ الدولة لهم على أنه نعمة في ثوب نقمة.

13