العمائم واللحى في رواية سعودية

الاثنين 2014/05/05
ماجد سليمان يرسم صورة الظلم بطريقة فنية

حين تصافح عيناك الغلاف الأمامي لرواية “دم يترقرق بين العمائم واللحى” للكاتب السعودي ماجد سليمان، الصادرة عن “مؤسسة الانتشار العربي”، ببيروت، تغرقان في بحر طافح بالسواد. ولا يكسر قتامة اللون سوى حمرة المفردات وعينين في لوحة الغلاف تنطقان حزنا وانكسارا. وعند التنقل بين ردهات النص ومفاصله يجلل مشاعرك سواد وقتامة تسيطر على الروح، منشؤها فعل الظلم الذي يسيطر على الرواية ويسمها بالعتمة.


رباب النمر



هناك استهلالان قبليان ضمن العتبات يؤسسان لهذا النص الروائي، أولهما: “إن الرواية عمل تحضيري يحظى بقوة إقناع أكثر من الوثيقة التاريخية والأرشيف، ولكنها حين تصبح مبالغا فيها تعطي نتائج منحرفة”، فهذا الاستهلال يصبّ في حقل إقناع المتلقي بإمكانية تحقق هدف الرواية على أرض الواقع وجعل كفتها راجحة على كفة الوثيقة التاريخية في مسألة الإقناع. وثانيهما “الحرية لا تعطى بل تنتزع انتزاعا” وهنا يتطلب الاستهلال ذكاء القارئ للربط بين الحرية وما ورد من أحداث في الرواية؛ ولكن بقي الاستهلالان مجهولي الهوية حيث لم ينسب ماجد سليمان الاستهلالين، ولذا فيحتمل أن يكون المؤلف هو ذاته صاحب الاستهلالين.


لون الشجن



يحمل الغلاف الخلفي للرواية شهادات بيضاء خطت فوق السواد لتكون أكثر إضاءة، وعلى غير المعتاد حيث الصفحات البيضاء والحروف السوداء. وهذا يرمز إلى إبداع مغاير وسرد يختلف عن المتوافر في ساحة المشهد الأدبي. وحريّ بهذه الشهادات أن تعطي المتلقي نبذة مختصرة عن الكاتب تحفزه على الاقتناء ومن ثمّ القراءة والمتابعة.

الكاتب قتل جميع شخوصه الذين ابتكرهم في مدينة نبتت على أرض الرواية في زمن اللازمن وسماها "مينار"

يترقرق فعل مضارع قابل للاستمرار والتجدّد لذلك فقد عبرت مفردة “يترقرق” التي وردت في العنوان عن حقيقة السفك المستمرّ والمتجدّد خلال أحداث الرواية. وكذلك الجمع بين كلمتي “العمائم” و”اللحى” فلن نبالغ عندما نقول بأن دم كل شخوص الرواية ترقرق، فكانت مينار مزرعة الدم ومستقرّ الأموات ومقبرة جماعية تتضاءل فيها الحياة لتتسع رقعة الموت وشبحه حيث أكل الأخضر واليابس. ويؤيد لون الشجن ذلك السواد الجاثم على الغلاف الأمامي والخلفي للدم، فلا يحدّ من تدفق السواد سوى المفردات الحمراء والصورة التي تنطق بالأسى والغموض وعينين تنطقان حزنا وانكسارا.


رسم سينمائي



ماجد سليمان قتل جميع شخوصه الذين ابتكرهم في مدينة نبتت على أرض الرواية في زمن اللازمن وسماها بـ”مينار” وليس بمستغرب على ماجد ابتكار المدن التي غالبا ما يخترعها في رواياته، ويبتكر أيضا في مدنه قصرا يرمز إلى سطوة وسيطرة الظلم في الغالب الأعمّ، قصر غامض يسكنه ملك.

مدينة مينار ليست كالمدن، لم يتطرق ماجد لشوارعها وحوانيتها وبيوتها، بل التفت إلى أماكن تنبت الخوف: قصر الملك، سجن مينار، الصحراء، وادي الذئاب، السوق باعتباره فضاء تسحل فيه الأجساد وتعلق فيه الرؤوس ويعرض فيه الأسرى ويعدمون، وهكذا يتحوّل السوق إلى ساحة إعدام ومعرض مرعب للعظة والعبرة؛ وكأنما الظلم لم يترك مجالا لعرض السلع أو تجاذب البيع والشراء.

الرواية تحظى بقوة إقناع أكثر من الوثيقة التاريخية والأرشيف

يتقن ماجد فن الرسم السينمائي لصورة الشخصية التي يقدمها فيبرز تفاصيلها حتى تصير وكأنها ماثلة أمام المتلقي، يذكر هيئة الشَعر وشكل الملابس ولونها، وكأنه يرسم بفرشاة الكلمات. ربما ميله للفن التشكيلي ساعده على تقديم صورة لفظية لشخوصه فترسم في ذهن المتلقي صورة متخيلة تكاد تكون مرئية. أذكر على سبيل المثال صورة غساق شاعر مينار حيث يكتب ماجد واصفا إياه: “وجه متقلب في جحيم الهموم، وشفتان دقيقتان تطوّقان فما واسعا، وأنف طويل واسع المنخرين، وبشرة ذات طراوة تحركها التجاعيد التي سكبها تقدّم العمر، يلبس ثوبا أبيض مرقعا بثلاث رقع صفراء خيطت بخيوط سوداء، ورقعة سوداء رقعت أربعتها من أوسط ثوبه إلى أسفله”.

ولم يكتف بوصف الثوب والملامح، بل أوغل في تفاصيل تثير شفقة المتلقي وبالتالي تفاعله إذ يكمل وصفه: “عينان معصوبتان بعصابة سوداء ليست بالعريضة حيث قطعت له حسب عينيه الصغيرتين اللتين طمسهما العمى حين كان ابن الثانية عشرة جرّاء المرض”. وصورة السجين السينمائية، فهو قصير الطول، أمسح العين اليسرى، ذو فم واسع تحيط به شفتان سمراوان، له جبهة قصيرة ينسدل عليها شعر رأسه الأشقر المتسخ، يلبس قميصا أزرق ذا أزرار كبيرة سوداء، ينتعل حذاءين بنيين ربط ظهريهما بخيطين باهتي السواد يحك بكعبيهما جانبي ساقيه المتأذيين من الشعور بالحكة المقرفة وشيء من الجرب الذي يسري كل ليلة في جسده أكثر من التي قبلها.

روعة في الرسم بالكلمات وكأنك تطالع لوحة الحذاء لفان جوخسوي.. اللوحة جامدة وهذه الصورة سينمائية متحركة.

وللإطار المكاني أهمية في النص الأدبي، فضمنه تدور الأحداث، وهو الذي يعطي للرواية رونقا ومعنى، والمكان الذي تترقرق فيه الدماء هو مدينة مينار.

وما قبل الغلاف الأخير أحسن الناشر أو الكاتب صنعا حيث قدّم السيرة الذاتية للمؤلف في سطور لتعريف المتلقي به، وليبقى هذا الأخير على تواصل مع الأول عبر مؤلفاته الأخرى.

14