العماد جان قهوجي مرشّح إيران وأميركا لرئاسة لبنان

الأحد 2014/08/10
تحالف قهوجي مع حزب الله أفقد الجيش اللبناني عقيدته

بيروت - صعد الرئيس ميشيل سليمان على أنقاض معركة نهر البارد ضد تنظيم “فتح الإسلام”، ليتحول من قائد للجيش إلى رئيس للجمهورية بالتوافق، وليزيح جانباً المتنافسين على الرئاسة من السياسيين الموارنة الكبار، سبقه في هذا الخيار السوري لرئاسة الجمهورية اللبنانية إيميل لحود، واليوم يبدو المشهد قريباً من ذلك العهد، بعد أن تم إشعال جبهة عرسال بسبب تدخل أقل من أربعمئة جهادي سوري مجهولي الانتماء، استنفرت على إثر ذلك أجهزة الدولة اللبنانية التي هرعت لمقاتلة الإرهاب، وليعلن الجميع وقوفهم خلف الجيش اللبناني في معركته ضد الإرهاب.


قهوجي وتخصص مكافحة الإرهاب


الأسهل على ما يبدو بالنسبة إلى الشعوب العربية، أن يجري اختيار عسكري لحسم الصراعات السياسية، والأفضل كذلك بالنسبة إلى الدول المراقبة والمهتمة بالمنطقة، والتي تفضّل إبقاء الشعوب في قبضة قوية بدلاً عن الخلل الذي أحدثه، وفق تصوراتهم، التغيير الكبير في بنية الدولة بعد محاولة المدنيين من السياسيين الصعود إلى درجات عليا في القيادة، وقهوجي الذي ولد في عين إبل ببنت جبيل في العام 1953، وتطوّع في الجيش برتبة تلميذ ضابط ملتحقاً بالمدرسة الحربية وهو في سن العشرين، وقضى خدمته العسكرية الطويلة مترفعاً من رتبة إلى أخرى من الشرطة العسكرية إلى تخصص المشاة إلى التدريب العسكري، قبل أن يسافر إلى الولايات المتحدة بدءاً من العام 1980 للخضوع لدورات تدريبية مكثفة في عديد الجيش الأميركي، ثم بدأ في الانخراط في سلسلة من الدورات والدراسات قادته إلى إيطاليا وبريطانيا وألمانيا، وفي تخصص محدّد في العام 2006 لم يكن سوى “مكافحة الإرهاب”، ليصبح في العام 2008 قائداً للجيش اللبناني.


مرشح حزب الله وأميركا


يعتقد كثيرون أن حزب الله ومن خلفه إيران ونظام بشار الأسد، يفضّلون وصول جان قهوجي إلى كرسي الرئاسة، ولكن المفارقة أن الولايات المتحدة أيضاً ترغب بحسم الاستعصاء السياسي في لبنان بمكسر جان قهوجي، رغم إظهار الأميركيين في العلن رغبتهم بتوافق مع إيران حول ميشيل عون، الذي يعتبره الأميركيون شخصية بعيدة عن طموحات المسيحيين في المنطقة، لا سيما في لبنان، على الرغم من تصريحات عون بأنه ممثل مسيحيي المشرق.

ولعلّ التنسيق العسكري والأمني الذي شهده عهد قائد الجيش اللبناني ما بين المؤسسة العسكرية الرسمية في لبنان من جهة وحزب الله من جهة أخرى، سيكون هو القاعدة التي تبنى عليها احتمالات أن يكون قهوجي هو رأس حربة حزب الله في الساحة، فكثيراً ما كان الجيش اللبناني يضرب هنا أوهناك بناء على ترتيبات مع حزب الله، أو بالقيام بعمليات مشتركة، سواء في الشمال أو ضد الشيخ أحمد الأسير أو في مناطق مختلفة تزعزع استقرارها لأسباب مختلفة.

وينتقد كثيرٌ من اللبنانيين الذين يظهرون انحيازاً لمؤسسات الدولة، جان قهوجي بسبب ذلك التنسيق، الذي يرهن عقيدة الجيش اللبناني القتالي بعقيدة حزب ديني تابع لإيران، ولكن هذا لم يمنع السفير الأميركي ديفيد هيل في لبنان من وصف سياسة قهوجي في هذا الصدد بأنها كانت “الاستراتيجية الصائبة” وأضاف أن الولايات المتحدة تنظر إلى تلك الشراكة ما بين حزب الله والجيش اللبناني على أنها “ضمان لاستقرار لبنان”.

في العام 2013 نقلت جريدة الأخبار اللبنانية المقربة من حزب الله تصريحات غاضبة للعماد جان قهوجي قال فيها: من يريد مني اقتحام عرسال فليأت وليجلس في مكاني وليرني ماذا سيفعل؟


بين السياسيين


اضطر وليد جنبلاط الذي طرح اسم جان عبيد مرشحاً للرئاسة من قبل، إلى القول إنه: “لا يمانع من طرح اسم جان قهوجي كمرشح توافقي لرئاسة لبنان”، وكذلك عون وجعجع اللذان سيجدان نفسيهما في ورطة “ِشرف” مع مسيحي قوي لن يفضلهما أحدٌ في الشارع عليه في هذه الظروف.

خطاب قهوجي السياسي قائم على فكرة الاستقرار والعقد الاجتماعي والعيش المشترك، ولطالما قدّم نفسه كحامٍ لكل تلك المفاهيم في ظل الظروف الحالية، ولكنه لم ينتقد تدخل حزب الله في سوريا الذي جرّ على لبنان التصدعات التي يشهدها في مناطقه المختلفة بين الوقت والآخر.


الدستور والصعوبات


يتمسك الزعماء اللبنانيون بحرفية الدستور في غالب الأحيان، ولكسر تلك الحرفية، لا بدّ من خلق مناخ طوارئ مناسب لتعديلات دستورية يمكنها أن تأتي بقهوجي إلى سدّة الرئاسة في قصر بعبدا، فلا يمكن لعسكري على رأس عمله تولي منصب الرئاسة، ولكنه يمكن أن يستقيل من منصبه ويقدّم نفسه للمنصب المدني الأعلى في لبنان، أما التعديل الدستوري فيجب أن يصب في شرط “التوقف عن ممارسة المهام العسكرية لمدة سنتين على الأقل” وهو ما لا يتوافر في قهوجي الذي لم يترشّح للرئاسة ولم يبد أي رغبة فيها، رغم أن تحالفه مع حزب الله، تسبب في خلق حاجز كبير بينه وبين قوى الرابع عشر من آذار مجتمعة، ولم يترك مجالاً لزرع الثقة من جديد بعد أن سهّل على مدى السنوات الثلاث الماضيات جميع العمليات العسكرية لحزب الله لتقديم كافة أشكال الدعم اللوجستي لنظام بشار الأسد بحجة حماية المزارات والأضرحة الشيعية في سوريا، وهذا ما سيجعل إمكانية التعديلات الدستورية بالإجماع أو الغالبية أمراً معقدا للغاية.

وهناك أهل السنة في لبنان، الذين لم ينسوا بعد لقهوجي أنه امتنع عن دخول جبل محسن وتركه لحزب الله، ولم يفعل ما فعله في عبرا وصيدا، حتى أنه هدّد بتقديم استقالته إلى رئيس الجمهورية إن لم يتم إعطاؤه الإذن باقتحام مسجد بلال، ولذلك فإن نظرية قهوجي عن تدخل حزب الله في سوريا من أنه لا علاقة له بما يحدث في لبنان من اضطرابات لم تكن مجدية ولا مقنعة لـ”هيئة علماء المسلمين” التي أعلنت في بيانها أن مطلبها هو “إبعاد المقاتلين الغرباء من داخل الأراضي اللبنانية في مقابل عودة المقاتلين اللبنانيين الأغراب من سوريا” وهذا يعني حزب الله تحديداً.

سيجد الزعماء المسيحيون في لبنان أنفسهم في حرج كبير إذا عارضوا ترشح قهوجي لمنصب الرئاسة سيما في ظروف "مكافحة الإرهاب" وحال الطوارئ التي يعيشها لبنان


لبنان مفتوح أم لبنان مستقر


الإجراء الذي اتبعه حزب الله في تدخله في سوريا أولاً ثم في تدخله في العراق، جعل من الحدود اللبنانية حدوداً مفتوحة تماماً، يريد حزب الله وقهوجي لها أن تكون مفتوحة باتجاه واحد، ولكن هذا لا يمكن ضبطه في ظل استمرار الأوضاع في سوريا، وعدم قدرة جيش الأسد وحزب الله معا على ضبط نطاق الحدود اللبنانية في القلمون على سبيل المثال التي شهدت قتل أعداد كبيرة من القادة الميدانيين لحزب الله خلال الشهر الماضي وحده، وعلى الرغم من التأييد العربي والغربي لقهوجي في حربه ضد عرسال، إلا أن هذا لن يكون متواصلاً في حال توقفت الأعمال العسكرية تماماً في تلك المنطقة، ليعود الصراع من جديد دون أن يتمكن جنرال الجيش اللبناني من استثماره لصالحه.

ولا يبدو أن قهوجي ذاته يدرك هذا، فحين أعلنت السعودية عن دعمها قبل شهور للجيش اللبناني، سارع قهوجي لزيارة دمشق للتنسيق مع نظام الأسد حول تلك المساعدات، ونقلت صحيفة السفير اللبنانية أنباء زيارته تلك بالتفصيل.


تهديدات وابتزاز ورئاسة


اختلفت مواقف العماد قهوجي خلال السنوات الماضية كثيراً، فتراوحت ما بين الاستجابة القصوى لمطالب الأسد وحزب الله، إلى الرفض المطلق لأي من تلك المطالب، فقد نقلت صحيفة الأخبار اللبنانية المقربة من حزب الله في العام 2013 قوله: “من يريد مني التدخل في عرسال ليأتي ويجلس في مكاني وليرني ماذا سيفعل؟” ولكن الضغوطات المستمرة على ما يبدو أجبرت قهوجي على تغيير استراتيجياته وفقاً لدراسة موازين القوى، فحين يجري تسريب تهديدات الأسد لميشال سليمان بضرورة وضع حد لتصرفات قهوجي أو أنه سيقوم بقصف الأراضي اللبنانية في عرسال، وذلك من خلال المواقع الاستخباراتية الإسرائيلية مثل “ديبكا فايل” فإن قهوجي سيكون أقرب أكثر فأكثر إلى الانصياع مع الوقت إلى كل تلك الإشارات التي تصله مرة من دمشق ومرة من طهران ومرة من واشنطن نفسها.

لا شك أن العماد جان قهوجي هدف مباشر واستراتيجي لكل تلك القوى التي ترسم مصالحها في المنطقة، بما فيها حزب الله وإيران ومعهما الأسد وكذلك المحور العربي وحلفاؤه في لبنان، وقد تمكّن حتى الآن من إرضاء الجميع بدرجات متفاوتة وقد حانت الساعة التي عليه أن يحسم فيها انحيازه ضد من ومع من؟

7