العمارة الأناركيّة وسيلة لتحرير المدن

معرض باريسي ينتقد مفاهيم العمارة الحديثة وعدوانيتها نحو السكان.
الأحد 2018/09/02
الفراغات كمساحة فنيّة

اشتهر الفنان الأميركي غوردون ماتا كلارك بدمجه للمفاهيم المعماريّة مع تلك الاجتماعيّة والسياسيّة، محاولا تقديم رؤية نقديّة للمدينة الحداثيّة، بوصفها شديدة العقلانيّة، تعمل على “نفي” ما لا يتناسب مع الربح، لتتحول العمارة إلى نشاط سياسي موجه ضد الأفراد، ليأتي هنا دوره كفنان يعيد تكوين الفضاء الخارجي، ويخالف الشروط الرسميّة، ليكشف السياسات المعماريّة التي يتحكم بها المال لا الحاجة البشريّة، إذ يوظّف الحفر والفتحات والشقوق، فاضحا قسوة العقلانيّة والوظيفية التي تتبناها العمارة الحديثة.

يقدم متحف jeu de paume  في العاصمة الفرنسيّة باريس معرضا استرجاعيا لكلارك، بعنوان “العمارة الأناركية-Anarchitecture”، وهو مفهوم يدمج بين كلمتي العمارة والأناركيّة، لفضح تقنيات العمارة الحديثة، عبر الإضاءة على جوانب فشلها، وكيف تساهم بتصنيف الأفراد وتدجين حركتهم وعزلهم، لتأتي “العمارة الأناركيّة” بوصفها استثمارا في مساحات الفراغ، كاحتجاج على “التعليب” الممنهج للأفراد والتحكم بمساحات بصرهم.

يحتوي المعرض ما يتجاوز مئة وثيقة أنتجها كلارك لحفظ نشاطه الفني الذي يمتد بين عامي 1943-1978، إذ اعتمد على العمارة وفن الأداء والنحت، والغرافيتي واستخدام الأدوات الثقيلة لتكوين الفضاء الفنيّ، موثقاً ذلك إما بالصور أو الفيديوهات المسجلة، فأعماله لا يمكن نقلها أو تكرارها، كون جهده الفني يتم ضمن الفضاء المعماري للمدن، كنيويورك، وأحيائها الفقيرة كالبرونكس، ما جعله أقرب لمن يشرّح هذا الفضاء ويكتشف مكوناته ويعيد ترتيبها، فاضحاً الخراب الذي سببته الحركة الصناعية، فكلارك شهد إفلاس مدينة نيويورك
 في السبعينات، والعنف الذي اجتاحها، لتكون أعماله كرد فعل على المئات من الأبنية غير المكتملة التي كانت منتشرة في أنحائها.

جدران نيويرك شاهدة على الخراب
جدران نيويرك شاهدة على الخراب

نشاهد في المعرض أول أعمال كلارك في نيويورك، إذ قام في مطلع السبعينات بالتقاط صور لجدران الأبنيّة المهدمة والمهجورة والتي يمكن مشاهدة داخلها من الخارج، ثم قام بتحويل هذه الصور إلى ورق جدران، وكأنه يحاول التقاط وتوثيق آثار “المنزل” الذي يتلاشى تدريجياً، ثم قام بتحويل هذه الصور إلى عمل ضخم، عبر تجميعها وتعديلها، وإلصاقها على جدار كبير، لتبقى شاهدة لا تمحيها عمليات التجديد وإعادة البناء.

عام 1974، أسس كلارك مع مجموعة من الفنانين والناشطين مجموعة “العمارة الأناركية”، موظفاً المصطلح الذي يعود لبدايات القرن، ثم عملوا سويّة على سلسلة أعمال باسم “أرضيات البرونكس”، إذ قام مع زملائه بصناعة مربعات ودوائر في الأبنية المهدمة، ما يجعل التنقل بين فضاءاتها شبه مستحيل، معززاً بذلك خطورة المكان الذي يوشك على الانهيار، كاشفاً في ذات الوقت عيوبه، ومتهكماً من “الدقة” التي تدعيها العمارة المعاصرة عبر محاكاتها مرة أخرى، خصوصا أنها حولت نيويورك وسكانها حينها إلى ضحية للسياسات الاقتصاديّة.

انتقل كلارك إلى باريس العام 1975 وشارك في الدورة التاسعة من بينالي باريس الفني، وأنجز منحوتة ضخمة بعنوان “تقاطع مخروطي”، وهي عبارة عن فتحة مخروطية بين بناءين متطابقين يعودان للقرن السابع عشر، في تعليق على السياسات الفرنسية التي كانت تعمل على إزالة البناءين وما حولهما، لبناء مركز بامبيدو الفنيّ، بوصفه صرحاً لانتصار الحداثة. يشبه كلارك حينها هذين البناءين بأنهما آخر عجوزين شاهدين على ما تبقى من تاريخ المنطقة، وتمت إزالتهما بحجة تحسين المنطقة، لتدخل في العصر الجديد، عصر الربح والآلة، إلا أن الحفرة المخروطية التي صنعها، تتيح للمشاهد أن يرى بدايات تعمير مركز بامبيدو بوصفه المستقبل، والأبنية القديمة المتبقية بوصفها الماضي، والحياة اليومية بينهما بوصفها الحاضر، وكأنه يجعل من الفراغ إطارا فنيا، مكوناته الجهود السياسيّة والاقتصادية، مغيرا خط النظر والعلاقة البصريّة مع الفضاء.

توفي كلارك عن عمر لا يتجاوز الـ35 عاما، إلا أن أعماله نالت شهرة عالمية، وحفظت في المجموعة الدائمة في متحف الفن المعاصر في نيويورك، المدينة التي فارق فيها الحياة، وأعاد تكوين فضائها، منتصرا للعنصر البشري، الذي تسحقه وتهدد حياته غابات الأسمنت.

Thumbnail
14