العمارة الكويتية من البيوت الطينية إلى التصاميم الحديثة

تعكس الهندسة المعمارية وعي الشعوب وثقافتها وتطورها الاقتصادي، فقد انتقلت عمليات الإعمار والبناء في الكويت من البيوت الطينية إلى الفيلات والقصور ثم الأبراج والمولات بعد طفرة البترول ودخول الخرسانة المسلحة إلى البلاد، وصارت البنايات تعتمد على الهندسة والتصاميم بعد أن كانت تشيّد وفق معرفة وخبرة البنائين
الاثنين 2018/01/22
البنايات المعاصرة روعة التصميمات وجمال المنظر

الكويت - انعكس ظهور النفط في الكويت والنهضة التنموية الشاملة على فن العمارة الكويتية فتحولت البيوت الطينية التي عمّت البلاد في خمسينات القرن الماضي إلى فيلات ضخمة وقصور من الطابوق والخرسانة المسلحة وبآخر التصاميم الحديثة.

غالبا ما تزخر مجالس الكويتيين ودواوينهم بأحاديث الأجداد العامرة بالمشاعر عن البيوت الطينية ودفئها ورحابتها وحتى برودتها صيفا وأنماط المعيشة حينها والتي بقيت منها أطلال دالة على تلك الحقبة من كويت الأمس.

وللإضاءة أكثر على هذا الموضوع التقت وكالة الأنباء الكويتية (كونا) أمس الأحد باحثين ومتخصصين في تاريخ الكويت الحديث، إذ قال الباحث ومؤلف كتاب “لمحات عن تاريخ الكويت المعاصر” فهد العبدالجليل إن أقدم وصف للمعمار موثق في الكويت عائد للرحالة الحاج مرتضى ابن علوان عام 1709.

وأضاف أن ابن علوان نزل حينها إلى الكويت بعد عودته من الحجاز، فقال “دخلنا بلدا يقال له الكويت بالتصغير بلد لا بأس بها تشابه الإحساء في عماراتها وأبراجها ولكن دونها”.

وأوضح الباحث العبدالجليل أن فن العمارة في الكويت بدأ في القرن السابع عشر في حي الوسط (منطقة بهيته) على ساحل البحر حيث المنطقة مرتفعة ويقابلها “قصر السيف” وميناء الكويت القديم.

وذكر أن البيوت كانت تختلف حسب الإمكانيات المادية، فعلى سبيل المثال كانت الأسر الميسورة الحال تبني بيوتها من صخور البحر، أما أصحاب الدخل المحدود فكانوا يبنون بيوتهم من الطين، غير أن الأمطار الغزيرة كانت تهدم هذه البيوت الطينية، ويدل على ذلك ما حدث في سنة 1872 التي سميت “الرجبية” وفي “الهدامتين” (الأولى 1934 والثانية 1954).

وعن البيوت الصخرية بيّن أن أصحاب هذه البيوت كانوا يجلبون الصخور من منطقة “عشيرج” لبناء البيوت وتسوير “النقع” ، أي الميناء الصغير للسفن. ومن فوائد الصخر أنه يعمل على تبريد الهواء الحار صيفا ويصمد عند هطول الأمطار.

ولفت إلى أن أشهر البنائين الكويتيين آنذاك كانوا من عائلات الرباح والبحوه والبناي والفرحان، وكانوا يمتازون بالمهارة، وأشاد بهم الكثير من الرحالة، مثال ذلك ديوان “عائلة البدر” ومسجد السوق.

من جانبه قال الباحث في التراث الكويتي صالح المذن إن الاستاد (البناي) يتولى تقييم حاجة صاحب البيت وعمل المخطط، ومن ثم يبدأ الحفر لتشييد الجدار بعمق متر وعرض 60 سم وهذا السمك يؤدي إلى الاحتفاظ بالبرودة صيفا والحرارة شتاء على أن يكون ارتفاع جدار الغرف 3 أمتار ونصف المتر.

بساطة المعمار لها سحرها ومزاياها

وأضاف المذن أنه بعد تحديد مكان النوافذ والأبواب و”الرواشن” لعمل دراوند (عتب من الخشب يوضع فوق الفتحات) يوضع الجندل، وتبعد الوحدة عن الأخرى مقدار 20-25 سم، وبعدها يصف الباسكيل الذي يكون عرضه 3-4 سم ويثبت بالمسامير ويكون مطليا بالسيالي الأسود للمحافظة عليه من التآكل. الرواشن مفردها روشنة، وهي فتحة في الحائط غير نافذة لوضع الأغراض والزينة والمباخر والمراشة والرمامين والمشكاة التي فيها المصباح وغيره، أما “الباسكيل” فعبارة عن سلايت من خشب البامبو كان يجلب من الهند ويستخدم للأسقف بعد وضع الجندل والبواري والطين.

وأوضح المذن أنه بعد ذلك توضع البواري ثم الطين الصلبي الذي يكون سمكه 15 سم وبعد ذلك الرماد، يليه الطين الصلبي المخلوط بالتبن. ثم توضع المرازيم (جمع مرزام ويستخدم لتحويل الماء من السطح إلى الخارج وله عدة أنواع من الخشب والتنك) واللحية ثم يمسح الطين بالتساوي مع الميل على المرازيم.

وللإشارة، فإن النقلة النوعية لفن العمارة كانت في زمن الأمير الراحل الشيخ عبدالله السالم الصباح، حيث تم تثمين البيوت في مدينة الكويت القديمة وانتقل بعدها أهل الكويت إلى المناطق النموذجية وسميت حسب الأحرف الأبجدية وكان أساس العمارة من الحجر.

وبشأن النقلة النوعية وبداية العمارة الحديثة، قال عميد كلية العمارة في جامعة الكويت الدكتور عمر خطاب إن بداية دخول العمارة الحديثة في الكويت كانت في خمسينات القرن الماضي مع دخول الخرسانة المسلحة في بناء المساكن مثل “بيت السدو” في المنطقة القبلية و”بيوت بهبهاني” في منطقة الوطية لتحل محل الأحجار البحرية والطمي المصنوع من التربة وأخشاب الجندل وأغصان النخيل، والتي كانت تمثل مواد البناء الأساسية آنذاك.

وأوضح أن العمارة الحديثة بالمعنى المتعارف عليه بدأت في ستينات القرن الماضي مع بداية أعمال بناء المساكن الحديثة خارج السور، مثال ذلك ما يوجد في المناطق السكنية الواقعة على شارع السور والطريق الدائري الأول مثل ضاحية عبدالله السالم والشويخ والشامية.

وذكر خطاب أن أساسيات العمارة الحديثة اعتمدت في تلك الفترة على تلافي أخطاء نظام البناء التقليدي والبعد عن المواد البيئية مثل الطمي والحجر البحري (كورال ستون) المستخرج من مياه الخليج العربي، وأيضا البعد عن بناء الأحواش كما في البيت العربي التقليدي، حتى وصل الأمر إلى وضع قواعد للبناء من قبل البلدية تمنع بناء المسكن ذي الحوش.

وبيّن أن نظام البناء الحديث اختلف عن نظام البناء التقليدي الذي كان سائدا في الكويت من حيث المسؤولين عن تصميمه وتنفيذه؛ إذ اعتمد النظام التقليدي على بنّاء رئيسي مع عمال محليين يساعدونه على إتمام بناء المسكن.

وتابع أن النظام الحديث اعتمد على المتخصصين في علوم العمران والهندسة المعمارية من المعماريين والمهندسين الإنشائيين في عملية التصميم والإشراف على التنفيذ، وهؤلاء لم يكونوا جميعهم من الكويتيين، بل أتى بعضهم من دول عربية، مثل مصر ولبنان والأردن، والآخرون من دول أوروبية مثل بريطانيا وبولندا والتشيك.

وأشار إلى أن معظم البنائين جاؤوا من الدول المجاورة والقريبة مثل مصر وسوريا وإيران وباكستان، وذلك في جميع مراحل عملية البناء مثل وضع الخرسانة المسلحة والبناء باستخدام الطابوق والمساح والصبغ وباقي أعمال التشطيبات.

20