العمارة المتوحشة.. يوتوبيا كونكريتية تشق عنان السماء

الأحد 2016/08/28
مبنى مكاتب مقاطعة أورانج في نيويورك

في “جمال كل الأشياء الذي لا يقاوَم”، يذكر الشاعر الأسباني غارثيا لوركا بأنّ المعماري السويسري لو كوربوزيي قال ذات مرة، وأمام حشد حميم في بيت الطلبة، إنّ أكثر شيء أحبه في أسبانيا كان التعبير “أن تقوم بقتل نظيف”؛ لأنه “يعبّر عن نيّة الذهاب إلى الموضوع مباشرة، وتوق البراعة في ذلك سريعًا، دون التوقف عند ما هو ثانوي وزخرفيّ”.

لم يكن كوربوزيي في مقولته هذه، ولا لوركا في إشارته إليها، إلّا باحثين مخلصين عن “حقيقة” جماليّة ما، “عن الثور الرابض أمامنا، والذي يتوجب علينا قتله”. فبينما تنقضّ مخيّلة لوركا، في بحثه عن “الحقيقة الشعريّة”، على “الفكرة، بضراوة، من الجهات جميعها”، على شاكلة “الزهرة الكبيرة آكلة اللحوم التي تغلف النحلة المرتشعة، ثم تذيبها في النسغ الحرّيف الذي يتفصّد من بتلاتها عديمة الرحمة”، فإنّ مخيلة كوربوزيي تنقضّ، في بحثها عن حقيقة “الروح الجديدة”، على الكتلة الخرسانية المسلّحة، خالقة تحفًا معمارية ذات بنى عنقودية، يعكس نقاء شكلها الخارجي الحياة التي تدبّ في أعماقها. هنا، لا فرق بين الشاعر والمعمّاري؛ فكلاهما يسعى إلى أن ينفخ في الأشياء حيوات جديدة، بالمخيّلة التي هي “وسيلة روحيّة، تحوّل هذه الأشياء، وتمنحها معناها الخالص”.

وعلى الرغم من أنّ “العمارة الوحشيّة” قد راجت في خمسينات القرن العشرين وفي ستيناته، إلّا أن الصحافة ووسائل الإعلام عادت في الآونة الأخيرة لتسلط الضوء على أبرز نماذجها، وأهم الصفات التي امتازت بها، خاصة بعد ظهور كتب تتناول هذه الفلسفة التي سعت إلى إيجاد يوتوبيا تشق شوارعها الكونكريتية عنان السماء. ومن هذه الكتب؛ “هذا العالم المتوحش” لبيتر تشادويك، والذي هو عبارة عن مسح عالمي لهذا الأسلوب، متناولًا أعمالًا لأبرز رواده المعاصرين، كزها حديد وديفيد تشيبرفيلد، إضافة إلى أعمال رواده الأوائل ككوربوزيي وفرانك لويد رايت وبول رودلف. والكتاب الآخر الذي حظي بمراجعات نقدية هو “أشكال معاصرة: أطلس ذاتي لعمارة القرن العشرين”، والذي قدم فيه مؤلفه نيكولاس غروسبيير تغطية واسعة للمدرسة الوحشيّة من خلال تسليط الضوء على نحو مئتي نموذج من كنوزها الباهرة.

وعلى رأس أجمل النماذج التي عرضها تشادويك في كتابه، وفقًا للبريطاني جوناثان غلانسي، ناقد العمارة والتصميم السابق لدى صحيفة الغارديان، يأتي صرح كلية الفنون والتصميم في بازل السويسرية والذي شيّده هيرمان بور في العام 1961 بكتلة عنقودية من أربع بنايات كونكريتية حول باحة تقوم على منحوتة للشاعر الألماني/الفرنسي هانز آرب، واصفًا الصرح بأنه ذو “شعرية منفعيّة”. ثم يأتي البرج الذي شيّده تاكاميتسو آزوما، كمنزل عائليّ، في طوكيو سنة 1966، بكتلة خرسانية من ستة طوابق، مستلهمًا البنية العفوية لقصيدة الهايكو اليابانيّة، واصفًا إيّاه بأنه “غرفة عمودية متواصلة”.

تصميم جارح وعدائي مع الفضاء

وفي المرتبة الثالثة، جاء مجمّع مكاتب مقاطعة أورانج ومحكمتها بغوشن في نيويورك، والذي شيّده بول رودلف من ثلاثة سرادقات كونكريتية. ومن التحف الوحشيّة أيضًا، يأتي برج تريليك الذي شيده إيرنو غولدفنغر سنة 1972 في شمال كينسنغتون بلندن. وفي المرتبة الخامسة، حلّ مركز المعارض الذي شيّده جواو ليما بباهيا في البرازيل سنة 1974، وهو مبنى خرساني معلق على ارتفاع خمسة أمتار عن الأرض ترفعه دعامات حديدية. ثم يأتي مبنى وزارة الأشغال والطرق الذي صمّمه جورج تشاكافا في العالم 1975 بتبليسي في جورجيا، واصفًا إيّاه بأنه متجذّر في الطبيعة، حيث تنتصب طوابقه المختلفة كأنها أغصان تتفرع من شجرة. وفي المرتبة السابعة، نعثر على مبنى إدارة الضمان الاجتماعي الذي شيّده ألبيرتو لينر دياز في العام 1976 بسان خوزيه في كوستاريكا، مستوحيًا فكرته الأساسية من أشجار النخيل المتمايلة والنباتات الملوّنة. ثم ينوّه جوناثان غلانسي بمبنى السفارة الروسية بهافانا في كوبا والذي صممه ألكسندر روشيغوف في العام 1985، والذي يعلو فوق الجادة الخامسة كسيف كونكريتي مغروز بقوّة في الأرض الكوبيّة.

وبما أنّ “الوحشيّة”، في الأساس، هي نزعة فنيّة، أرسى دعائمها الرسام الفرنسيّ سيزان، فإنها لم تقتصر على العمارة فحسب، بل تعدتها إلى الأشغال اليدويّة وصناعة الأثاث والثياب، طاولات قهوة منحوتة كالأخطبوط، أو في هيئة ذئب يتربّص، ومصابيح جدران كأنها أقنعة محاربين قدماء، وشمعدانات تتدلى من السقوف كرؤوس حيوانات تتفرس في الفراغ، وحاملات شموع من حديد كأنها أجساد بترت أضلاعها، ومرايا من فسيفساء زجاج غائم في التفاصيل، ومقاعد خشبية كأنها أشجار تتنفّس، وأسرّة تعلوها قرون من العاج وأسراب طيور من صلب مدقوقة فوقها، ومعطف من جلد أسود كأن المرء حين يرتديه يحمل الكرة الأرضيّة على ظهره، وقمصان قطنية بأكمام طويلة وواسعة تتدلّى كأنها أعناق طيور فزعة، وأثواب من الصوف بأذناب قصيرة متوتّرة، وأخرى قدّت من دبر فتهدّلت كالمشانق، وأحذية كأنها لكائنات فضائيّة، وقبّعات كأنها ثعالب حيّة، ونعال مستطيلة كأنها قوارب تمشي على الماء، وسراويل منفوخة كأنها هالات من النور، وقلنسوات بقرون استشعار كبيرة، وثياب داخلية من سيور جلود شدّت على بعضها، وحقائب من حشائش وأوراق أشجار، ومن عظام حيوانات نفقت، وحمالات صدور من سلاسل معدنيّة، وستر مشقوقة الظهور، محزّزة كالقفص الصدريّ، أو كرأس دبّ نائم.

وليس هذا فحسب، بل بتنا نرى الوجه البشريّ نفسه، وقد صار قناعًا كاملًا، أو جزءًا منه. وبتنا نراه، أيضًا، وقد أحاطت برقبته دوائر معدنيّة غليظة وشقّت شفتيه وأذنيه أقراط القراصنة الذين لا يرحمون. يخرج الجسد/الوجه من العتمة إلى الضوء الوهّاج، وقد تقلّد تاجَ الأشواك وأنشب أظافره الطويلة في لحم ثيابه التي تنوس، بوحشيّة، عليه.

إنها الوحشيّة، الباحثة عن الروح الجديدة، عن “طبيعة صامتة” تعجّ بالحركة، شاهرة سيفها الرشيق من أجل “قتل نظيف”!

كاتب من الأردن

15