العمالة الأجنبية تكتسح قطاعات مهنية عديدة في تونس

يطرح التزايد اللافت للأجانب من جنسيات أفريقية بتونس تساؤلات عن الدور الذي يلعبونه على الصعيد الاقتصادي، خاصة مع تصاعد نشاطهم في عدد من القطاعات المنتجة من بينها مهن صغرى وموسمية.
الأربعاء 2017/07/19
التطلع إلى حياة أفضل

تونس – تشهد السوق التونسية حضورا كثيفا للعديد من المواطنين من دول أفريقية خيروا الاستقرار في تونس بصورة دائمة أو مؤقتة، خاصة على مستوى القطاعات التجارية والخدمات مثل المطاعم والمقاهي إلى جانب ورشات البناء والأشغال اليدوية وكذلك العمل الزراعي الموسمي.

ويرجع مراقبون أسباب الظاهرة إلى عوامل عدة أبرزها تراجع إقبال الشباب التونسيين على العمل في مهن يرونها مرهقة ولا تستجيب لطموحاتهم، إذ يرفضون البعض من المهن باعتبارها “مهينة” بالنسبة إليهم رغم ارتفاع معدلات بطالتهم.

ويفسر المتابعون للمشهد التونسي عزوف الشباب التونسي عن النشاط في المهن التي يرونها شاقة، على الرغم من اتساع التحركات والاحتجاجات الاجتماعية التي تطالب بالتشغيل، برغبة أغلب العاطلين في الحصول على وظائف في القطاع العام أو في مؤسسات خاصة تضمن لهم دخلا ماديا قارا بعيدا عن عناء “المهن الشاقة” وغير الثابتة.

ونتيجة هذا العزوف عرفت العديد من المجالات الإنتاجية نقصا حادا في اليد العاملة الماهرة في السنوات الأخيرة، إذ يؤكد المتابعون أن قطاع البناء على سبيل المثال يواجه صعوبات في تأمين احتياجاته من العمال المحليين نتيجة تراجع أعدادهم في مقابل التوسع الكبير للمشاريع الجديدة، ما يضطر المقاولين إلى قبول عدد كبير من العمال الأجانب من جنسيات أفريقية في ورشات أشغالهم.

ولا يقتصر الأمر على مجال البناء فقط بل يشمل أيضا الأعمال الزراعية سواء الموسمية أو الدائمة، حيث يضطر أصحاب المزارع إلى تشغيل الأفارقة في جني الزيتون أو خلال مواسم الحصاد بسبب رفض التونسيين لظروف العمل الصعبة والمرهقة بدنيا، على الرغم من عائدها المادي الجيد حيث تتراوح أجرة العمل اليومية بين 25 و30 دينارا (حوالي 10 و12 دولارا).

توقعات بأن الأعداد الحقيقية لعمل الأجانب الأفارقة في تونس تتجاوز الأرقام الرسمية لأن الكثير منهم إقامتهم غير قانونية

ويقول أصحاب مشاريع يشغلون عمالا أجانب من جنسيات أفريقية أنهم يستفيدون بدرجة أولى من مردوديتهم الكبيرة مقارنة بالعامل التونسي، إلى جانب حاجتهم الماسة للعمل خاصة إذا كانت إقامتهم غير قانونية بسبب عدم امتلاكهم لتصريح عمل أو انتهت صلاحية وثائق إقامتهم في تونس.

وتسبب مخالفة عدد كبير من الأفارقة لشروط الإقامة أو عدم حصولهم على تراخيص قانونية في تعرضهم للاستغلال المجحف من قبل أصحاب العمل الذين يتعمدون تشغيلهم لساعات تتجاوز المعايير القانونية، فضلا عن عدم توفير وثائق عمل قانونية وحرمانهم من أبسط الحقوق المهنية والاقتصادية مقارنة بالعامل التونسي.

ومثلت تونس خلال السنوات الأخيرة وجهة مفضلة للآلاف من الأفارقة الذين يخيرون القدوم إليها بحثا عن فرص عمل بديلة عن مخاطر الهجرة غير الشرعية إلى البلدان الأوروبية، بالإضافة إلى أوضاع اقتصادية أفضل مقارنة بما تعيشه بلدانهم الأصلية مما يشجعهم على الاستقرار في تونس.

وتفيد مصادر من المعهد الوطني للإحصاء (حكومي) في تونس، لـ”العرب”، أن عدد المواطنين الأفارقة المستقرين في تونس بلغ 7320 شخصا بحسب الإحصاء المنجز عام 2014، مع الإشارة إلى أن هذا الرقم يشمل كل المقيمين بشكل دائم بغض النظر عن وضعياتهم القانونية.

وتمثل نسبة الناشطين في الحياة الاقتصادية بتونس 21 بالمئة من مجموع الوافدين من بلدان أفريقية والذين يعملون في مجالات مختلفة. وتستقطب الأعمال المنزلية حوالي 7.9 بالمئة من الأجانب من جنسيات أفريقية، في حين تشغل المنظمات والجمعيات نسبة 17.7 بالمئة. كما يعمل في ميدان التجارة قرابة 6.6 بالمئة، أما بقية الناشطين فيعملون في قطاعات أخرى غير منظمة.

وبحسب نفس المصادر فإن نسبة العمال تبلغ 87.7 بالمئة من الناشطين من جنسيات أفريقية في تونس، فيما يحتل 9.6 بالمئة فقط منهم وظائف مرموقة.

ويؤكد المراقبون أن المعدلات الفعلية لعمل الأجانب الأفارقة في تونس تتجاوز الأرقام الرسمية باعتبار أن جانبا كبيرا من الوافدين للدراسة في الجامعات بتونس يمارسون عملا موازيا لتوفير البعض من المداخيل ولا يتم احتسابهم ضمن الدورة الاقتصادية.

ويرى مارك أرتير رئيس جمعية الطلبة والمتربصين الأفارقة بتونس، في حديثه لـ”العرب”، أن الإحصائيات المتعلقة بأعداد الأفارقة في تونس مبالغ بها. وقدر أن عددهم لا يتجاوز 4500 نسمة يتركزون خاصة في العاصمة التونسية والمدن الكبرى والبعض من المناطق الساحلية للدراسة أو العمل.

وبحسب أرتير فإن أغلب الناشطين الأفارقة أصبحوا يتجهون للعمل بكثرة في مراكز النداء باعتبار إتقانهم للغة الفرنسية، إلى جانب مجالات أخرى مثل المقاهي والمطاعم والمخابز.

ويلفت أرتير إلى أن أغلب الذين يقيمون في تونس بشكل غير قانوني يضطرون للعمل في ورشات البناء بعيدا عن الرقابة، على الرغم من الظروف الشاقة وخطر تعرضهم للحوادث المهنية والإصابة في ظل غياب أي ضمانات قانونية أو إمكانية العلاج بالمستشفيات العمومية.

وأوضح أرتير أن جانبا من الأفارقة يتحولون إلى تونس كمرحلة مؤقتة قبل الهجرة إلى أوروبا، ما يدفعهم للعمل بشكل غير قانوني ضمن مهن أو قطاعات غير مهيكلة. وبيّن ممثل جمعية الطلبة والمتربصين الأفارقة أن الدخول إلى سوق العمل في تونس معقد وصعب بسبب الوضع الاقتصادي، لذلك أصبح الكثير يبحث عن بدائل في بلدان أخرى.

4