العمالة الفلبينية في الخليج.. قوة الحفاظ على التوازن العرقي للوافدين

حملت الزيارة الخليجية التي قام بها الرئيس الفلبيني رودريغو دوتيرتي إلى السعودية والبحرين وقطر أبعادا اقتصادية أكثر منها سياسية. وركّزت على تحسين العلاقات الخليجية الفلبينية من خلال بوابة العمالة الفلبينية المطلوبة في سوق العمل الخليجية. واعتمدت دول الخليج سياسة خارجية تقوم على كسر نمطية المشهد العمّالي الأجنبي الذي سيطرت عليه لعقود العمالة القادمة من شبه القارة الهندية. فيما تسعى الفلبين، الدولة الآسيوية الصاعدة، إلى رفد اقتصادها بمليارات الدولارات التي يحولها أبناؤها من العاملين في الخليج العربي.
السبت 2017/04/15
خطوات إيجابية

الدوحة - في سوق واقف المليء بالحركة في العاصمة القطرية الدوحة، أشعلت زيارة رئيس الفلبين رودريغو دوتيرتي جوا من الحماس. ففي أمسية قاربت فيها الحرارة 30 درجة مئوية تركز الحديث أمام سوبر ماركت مانيلا المكتظ على زيارة الرئيس دوتيرتي.

يقول المهندس المدني راي (38 عاما) إنه يريد لقاء دوتيرتي شخصيا، وهو أمر مستحيل في وطنه؛ فيما يؤكد هاري راموس المهندس الميكانيكي الذي يعمل في الدوحة منذ 12 عاما “أقول بكل سرور إنني من أنصار دوتيرتي القوي”. وأضاف أن “أجندته في الحكومة بسيطة وهو يمتلك الإرادة السياسية لتنفيذها”.

ويعوّل أكثر من مليون فلبيني في السعودية والبحرين وقطر على هذا “الرئيس القوي” وزيارته الخليجية، التي كانت محطتها الأولى الرياض، (12 أبريل)، وتوقف في المنامة قبل أن تكون محطة الختام الدوحة، من أجل مصالحهم أثناء محادثاته مع قادة المنطقة.

تجاوز الصعوبات

يأتي هؤلاء العمال الأجانب إلى المنطقة لعدة أسباب بينها الخوف من جرائم المخدرات والفساد المستشرية في بلادهم، وفرص العمل والرواتب المجزية التي يحصلون عليها في دول الخليج. لكن يواجه العاملون الفلبينيون عددا من الصعوبات في منطقة الخليج.

فمثلا، أدى انهيار عائدات السعودية النفطية منذ 2014 إلى خفض الإنفاق وتأخير مشاريع كبرى. وتمت إعادة أكثر من خمسة آلاف عامل فلبيني من السعودية، حيث يعيش نحو 760 ألفا منهم، إلى بلادهم العام الماضي، دون أن يحصلوا على معظمهم أجورهم.

سيلفستر بيلو: السعودية بحاجة إلى عدد من العمال الفلبينيين رغم تبنيها سياسة التوطين

وتعتبر السعودية أكبر مستقطب للعمالة الفلبينية على مستوى العالم، إذ كشفت إحصائيات رسمية في عام 2014 أن السعودية تستحوذ على نحو ربع العمالة الفلبينية. وأجرى دوتيرتي محادثات مع العاهل السعودي الملك سلمان بن عبدالعزيز الثلاثاء، تطرقت إلى هذا الملف وتوّجت بتوقيع اتفاقية تعاون لتنظيم استقدام وتوظيف العمالة من الفئة العامة، بهدف تعزيز المصالح المشتركة بحماية حقوق كل من أصحاب العمل والعمال من الفئة العامة، وتنظيم العلاقة التعاقدية بينهما.

وتنص الاتفاقية التي تستمر لمدة خمس سنوات على ضبط تكاليف الاستقدام في كلا البلدين للعمالة من الفئة العامة، وضمان تبسيط نظام الاستقدام بما في ذلك أتمتة العمليات، وضمان استقدام العمالة عبر وكالات أو مكاتب أو شركات الاستقدام المرخصة (المسجلة) من قبل حكوماتها.

وتم الاتفاق على المراحل النهائية لنظام التوثيق الإلكتروني، والذي يربط مكاتب الاستقدام السعودية بالمكاتب الفلبينية، وذلك ضمن برنامج مساند، بحيث تصبح عملية التعاقد مع العمالة المنزلية إلكترونية.

وتم توقيع اتفاقيات تعاون مماثلة مع البحرين وقطر ضمن سياسة خليجية عاملة تهدف إلى الاستفادة من العمالة الفلبينية لتحقيق نوع من التوازن العرقي بالنسبة للعمالة الوافدة.

وتعتبر العمالة الهندية الأكبر بين تجمعات العمالة المهاجرة في جميع دول مجلس التعاون الخليجي. وحسب دراسة أعدها المحلِّل الاقتصادي الخليجي، جاسم حسين، وحملت عنوان “العمالة الوافدة في دول الخليج.. واقعها ومستقبلها”، ارتفع حجم العمالة الهندية في دول الخليج إلى قرابة 8 ملايين؛ كما تستقطب السعودية والإمارات معا نحو 40 بالمئة من العمالة الفلبينية.

وقال وزير العمل الفلبيني سيلفستر بيلو، عقب اللقاء بين دوتيرتي والملك سلمان، إن السعودية لا تزال بحاجة إلى عدد إضافي من العمال الفلبينيين رغم تبنيها سياسة تشغيل سعوديين.

وصرح أن المسؤولين السعوديين أبلغوه أنهم ما زالوا بحاجة إلى العمال الفلبينيين الذين يعملون في مختلف المجالات بالمملكة ومن بينها البناء والخدمة المنزلية والرعاية الصحية والتجزئة والهندسة والاتصالات والنقل وقطاع النفط.

وأضاف أن السعوديين “شرحوا نوع النمو الذي يتحقق في السعودية، وقالوا إنهم سيحتاجون إلى المزيد من العمال في السنوات المقبلة”.

*700 ألف فلبيني يعملون في السعودية

*60 ألف عامل فلبيني في البحرين

*250 ألفا عدد الفلبينيين العاملين في قطر

وكان وزراء العمل في الدول الخليجية قد قرروا في وقت سابق ألا تتجاوز نسبة العمالة الوافدة 20 بالمئة من إجمالي عدد السكان، ولكن لم يتم العمل بهذه التوصيات، مع توسع المشروعات الاقتصادية الخليجية، وحاجة هذه الدول إلى الأيدي العاملة الأجنبية.

رغم تفعيل سياسة التوطين، مازالت دول الخليج العربي تحتاج إلى عدد كبير من العمالة الأجنبية، خصوصا في ظل سياستها الرامية إلى تنويع الاقتصاد وزيادة الاعتماد على قطاعات مدرة للنقد الأجنبي مثل الصناعة والصادرات غير البترولية والخدمات كالسياحة والنقل والصحة والمال وغيرها.

لكن الخارطة التقليدية للعمالة الوافدة تحتاج إلى تعديلات لإحداث توازن في التوزيع العرقي للعمالة الوافدة، والتي تميل كفتها نحو دول في شبه القارة الهندية أكثر من غيرها. ويتطلع المسؤولون الخليجيون إلى التنويع في تركيبة العمالة الوافدة ضمن سياسة “محاصصة” تتيح خلق توازن ديمغرافي لهذه التركيبة الهامة من المجتمعات الخليجية.وتأتي في سياق هذه السياسة الاتفاقيات التي جرى توقيعها بين دول الخليج العربي المستقبلة للعمالة والفلبين، وأيضا مع دول أخرى، ضمن إطار قانوني ينظم العملية عبر عقود تشرف عليها شركات توظيف تضمن حقوق كل الأطراف.

وكانت إحصائية صادرة عن مجلس التعاون الخليجي حذرت من وجود خلل في التركيبة السكانية في دول المجلس بسبب تزايد أعداد العمالة الوافدة.

توازن شامل

تشكل الفلبين العضو في تجمع آسيان حليفا استراتيجيا لدول الخليج العربي، على المستويين السياسي والاقتصادي، خصوصا في ظل ما بات يمثله هذا التجمع الآسيوي الصاعد من حضور إقليمي رئيسي يدعم السياسة الخليجية، والسعودية للانفتاح على الجانب الآسيوي. وحرص الرئيس دوتيرتي، المعروف بتصريحاته المعادية للولايات المتحدة الأميركية ويقف على طرف نقيض من الحليف الخليجي الرئيسي، على أن تكون زيارته الخليجية موفقة في ما يتعلق بمراجعة الملفات محل التوتر، خصوصا ملف المعينات المنزلية، وأزمة رواتب العمال الفلبينيين في السعودية، بالإضافة إلى تطوير العلاقات.

وقد أعرب الرئيس الفلبيني عن ارتياحه للتطور المستمر في العلاقات. وأكد أهمية مواصلة العمل لتوسيع نطاق التعاون المشترك بما يفتح آفاقا جديدة للمزيد من الازدهار والتطور والنمو في مختلف المجالات ويحقق التوازن الشامل الذي تسعى إليه الدول الخليجية، سياسيا واقتصاديا واستراتيجيا.

6