العمانيون خلقوا من زنجبار جنة لتمازج الثقافات

لغة الضاد ساهمت في تطوير اللغة السواحلية وآدابها.
الأربعاء 2021/05/12
السلطان برغش بن سعيد ساهم في نهضة شرق أفريقيا

كان شرق أفريقيا من أول المناطق التي وصلت إليها هجرات المسلمين الوافدة من الجزيرة العربية، لكن لم يترسخ الوجود العربي في النسيج الاجتماعي والثقافي والحضاري للمنطقة إلا بالوجود العماني، حيث ساهم العمانيون في خلق بيئة ثقافية تلاقت فيها الحضارتان العربية والأفريقية بآدابهما ولغتهما وعاداتهما لتخلقا مجتمعا متماسكا ومتسامحا.

مسقط – تقدِّم الباحثة العمانية هدى الزدجالي قراءة مغايرة لوقائع التاريخ العماني في أفريقيا، من  خلال كتابها الجديد “العمانيون وأثرهم الثقافي والفكري في شرق أفريقيا 1870 ـ 1970”، الذي يتناول بشكل خاص منطقة شرق أفريقيا التي تمثل الثقافة العربية رافدا حضاريا هاما فيها.

في هذا الكتاب، الذي يأتي ضمن المشروع الثقافي لجمعية الكتّاب والأدباء العمانيين لدعم الكاتب والكتاب العماني لعام 2021، والصادر عن دار نثر للنشر، تذهب الزدجالي لتقدم العمانيين كرواد لساحل أفريقيا، وأكثرهم تأثيرا في النسيج الحضاري للمنطقة، فلم يكن تاريخ العمانيين بشرق أفريقيا حسب رؤيتها القائمة على التأريخ مرتبطا بالنشاط التجاري أو السياسي فقط، بل تعداه إلى تأثيرات حضارية وثقافية وفكرية ولغوية ودينية.

وتشدد الباحثة على أن العُمانيين أدوا أدوارا مهمة في تاريخ شرق أفريقيا، بما امتلكوه من مقومات وإرث حضاريين ساهمت في بنائهما الجغرافيا العمانية وموقعها الهام، وما تبوأته عُمان من مكانة تاريخية متقدمة ساعدتها على نقل الكثير من ملامحها إلى مناطق شرق أفريقيا، فأثرت تأثيرا واضحا على مجتمعاتها ونسيجها الثقافي وحضارتها ولغتها، حيث أصبحت الثقافة العربية جزءا من حضارة شرق أفريقيا خاصة بعد أن تأسست سلطنة زنجبار، ففي ركابها نمت الثقافة الإسلامية وازدهرت، واتسع التواجد العربي داخل القارة السمراء.

التأثير الثقافي

المتتبع لتفاصيل هذا الكتاب سيدرك أن التأثير العُماني في شرق أفريقيا لم يكن مقتصرا على الناحيتين السياسية والاقتصادية فقط، بل وجدت تأثيرات مهمة ما زالت ماثلة للعيان إلى يومنا هذا في المجالات الثقافية، الفكرية، الحضارية والاجتماعية، غفل عن ذكرها المؤرخون والباحثون.

وحول مبرر اختيار عام 1870 بوصفه بداية لهذه الدراسة تقول الزدجالي إن “هذا الاختيار نابع من كونه يمثل بداية عهد حكم السلطان برغش بن سعيد، الذي شهدت منطقة شرق أفريقيا في عهده نهضة واسعة في مختلف نواحي الحياة الحضارية والفكرية والدينية واللغوية والسياسية والاقتصادية والعلمية والثقافية، أما عام 1970، الذي اختتمت به هذه الدراسة، فقد مثل نقطة تحوّل مهمة في تاريخ عُمان بقيام نهضة 23 يوليو 1970 بعد تولي الراحل السلطان قابوس بن سعيد مقاليد الحكم في عُمان، وقيام نهضة عمانية شاملة”.

العمانيون ساهموا في نشر اللغة العربية وظهور اللغة السواحلية في شرق أفريقيا وانتشارها بآدابها المختلفة

وتمهد الزدجالي لمباحث كتابها بمقدمة حول “العلاقات العمانية الثقافية والفكرية مع شرق أفريقيا قبل عام  1870”، ومن خلالها تلقي الضوء على فترة تاريخية مهمة بدأ فيها التلاقح العربي الأفريقي، من خلال العلاقات التجارية التي ربطت عمان بشرق أفريقيا منذ فجر الإسلام، وما عقبها من أهم الهجرات العربية مثل هجرات الحضارمة والعمانيين، وأثرها في ساحل شرق أفريقيا، حيث كان لهذه الهجرات دور سياسي وديني وتعليمي، كما ساهمت في انتشار اللغة العربية وتطوُّر اللغة السواحلية في شرق أفريقيا.

وتنتقل الباحثة بعدها إلى ذكر أبرز القبائل العمانية، ودورها الثقافي كبني الجلندي والحرث والنباهنة والمزارعة، ودورها الثقافي، انتهاء بدولة البوسعيد في عهد السيد سعيد بن سلطان (1804-1856) وما صاحب ذلك من تأثيرات سياسية وإدارية وثقافية واجتماعية في إطار الإمبراطورية العمانية وسقوطها وانقسامها بين أبناء السيد سعيد.

وفي بداية بحثها تتناول الزدجالي في فصل بعنوان “دور العمانيين في انتشار الإسلام في شرق أفريقيا”، أبرز طرق انتشار الإسلام ومعه اللغة العربية وثقافتها في شرق أفريقيا في العهد البوسعيدي، مبيّنة أساليب العُمانيين في نشر الدعوة الإسلامية، مع التطرق لأشهر العلماء والفقهاء العُمانيين وغير العمانيين ونتاجهم الفكري في تلك الفترة، الذي اتسم بالتسامح وقبول تعدد المذاهب الفقهية والطوائف الدينية والعادات والمعتقدات السائدة في شرق أفريقيا، ولا تغفل الباحثة عن ذكر أهم الصعوبات الداخلية والخارجية التي واجهت العُمانيين في شرق أفريقيا، وفي مقدمتها الاستعمار بكافة أشكاله.

وتحت عنوان “الدور العماني الثقافي، وأهم المؤسسات العلمية، والثقافية العمانية في شرق أفريقيا” تبحث الزدجالي في دور العمانيين في نشر اللغة العربية، وظهور اللغة السواحلية في شرق أفريقيا، إذ بدأت بالحديث عن انتشار اللغة العربية، ودور العُمانيين في انتشارها، متطرقة لأثر الاستعمار في اضمحلالها من بعد، لتنتقل إثرها إلى موضوع انتشار اللغة السواحلية، وظهورها، وتأثرها بلغة الضاد، مشيرة في ذات الوقت إلى أثر اللغة العربية في الأدب السواحلي، ودور العُمانيين في انتشار اللغة السواحلية بآدابها المختلفة.

وتكشف الباحثة عن ملامح الاستعمار والتبشير وأثرهما في اللغة السواحلية، مبرزة الأدوار الهامة التي لعبتها المؤسسات الثقافية في شرق أفريقيا، بداية بالمساجد ودورها الثقافي، ثم الكتاتيب والمدارس والمعاهد العلمية ودورها في نشر مظلة التعليم والثقافة، مرورا بالمجالس العامة والخاصة، ودور العلماء، وإسهامها الثقافي في مختلف مناحي الحياة، لتنتهي بالحديث عن أهم الجمعيات الإصلاحية ودورها الثقافي، وما تمخض عنها من متغيرات.

ويبرز الفصل الثالث بعنوان “دور العمانيين التعليمي في شرق أفريقيا” الاهتمام بمجال التعليم في المنطقة بداية من ظهور المدارس وانتشارها وتطورها، ولم تغفل الزدجالي عن ذكر مدارس الجاليات الهندية والقمرية والإسلامية، ومدارس الإرساليات التبشيرية وأثرها التربوي، كما تناقش أهم المناهج الدراسية آنذاك، مشيرة إلى أبرز المعلمين في مدارس زنجبار وشرق أفريقيا من مختلف الفئات السكانية، وأهم البعثات العلمية الخارجية في تلك الفترة سواء أكانت لدول عربية كمصر والعراق أم أوروبية، وتنتهي بذكر أهم العقبات التي واجهت النظام التعليمي.

أما الفصل الرابع فوسمته الزدجالي بـ“المطابع والصحافة العمانية في شرق أفريقيا”، وتطرقت فيه إلى ظهور المطابع، ودورها في الحركة العلمية، وذكرت دور الصحافة العُمانية في شرق أفريقيا، وظهورها لأول مرة هناك، وأبرز الصحف العُمانية كالفلق والنهضة والإصلاح والنجاح، وغيرها، وغير العُمانية الصادرة في المنطقة، متطرقة أيضا إلى انتشارها وتطوُّرها وأهميتها، كما تعرج على علاقتها بالصحف العربية الأخرى الصادرة في الفترة نفسها، وعلاقة العُمانيين برواد حركة الإصلاح في العالم الإسلامي أمثال جمال الدين الأفغاني، ومحمد عبده، ومحمد رشيد رضا، ومدى تأثرهم بهم، وتناقش كذلك علاقة العُمانيين بالعلماء المغاربة في زنجبار، والصلات التي ربطت بين الطرفين دينيا وثقافيا وإصلاحيا، وتختتم الفصل بذكر موضوع البريد والبرق، ودورهما الثقافي في تلك الفترة.

دراسة مختلفة

عُمان لها دور بارز في ظهور المطابع والبريد شرق أفريقيا بما لهما من إسهام في الحركة الثقافية والعلمية
عُمان لها دور بارز في ظهور المطابع والبريد شرق أفريقيا بما لهما من إسهام في الحركة الثقافية والعلمية

بعنوان “دور العمانيين في التصدي لحركة التنصير والاستعمار الأوروبي”، تشير الزدجالي  إلى الدور العماني في التصدي لحركة التنصير، والاستعمار الأوروبي في منطقة شرقي أفريقيا، وتتطرق كذلك إلى دور المؤسسات، والجمعيات التنصيرية، وأثرها في المنطقة، كاشفة عن موقف الغرب من السلطات العربية والإسلامية في ظل ظهور حركات المقاومة، والجهاد ضد القوى الأوروبية التي تصدى لها العُمانيون، وتذكر أمثلة لتلك الحركات العُمانية المقاومة للاستعمار والتنصير.

وتتناول الباحثة إثر ذلك ملامح العلاقات العُمانية مع شرق أفريقيا منذ عام 1964 وحتى نهضة 23 يوليو 1970 مع حكم السلطان قابوس بن سعيد.

وترى الزدجالي أن الدراسات السابقة المتعلقة بتاريخ زنجبار وشرق أفريقيا والتأثير العُماني فيها قد ركزت بشكل ملحوظ على الجانب السياسي، ولم تتطرق بشكل موسع، ومفصل لجوانب مهمة، كدور العُمانيين في نشر الإسلام واللغة العربية والجوانب الاجتماعية والثقافية والفكرية والدينية.

وقد اعتمدت الباحثة في دراستها هذه على مجموعة من المصادر والمراجع العربية، والمؤلفات والدراسات القيمة في هذا المضمار، كما استعانت حسب حديثها كذلك بمجموعة من الجرائد الصادرة في زنجبار، وعلى رأسها الأعداد المتوفرة من جريدتي الفلق والنهضة، اللتين كانتا لسان حال ناطق باسم مجتمع سكان شرق أفريقيا، وأحداثه السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية والعلمية، وعلى الرغم من كونها تمثل توجهات الأحزاب السياسية العربية العُمانية التابعة لها؛ فإنها جاءت لتعطينا دلالات تاريخية لم نجدها في كتب معاصرة.

16