العمر الحقيقي إحساس داخلي لا يعترف بعدد السنوات

يقال بأن عدد سنوات عمر الفرد يقاس بمدى إحساسه الداخلي، فبعض الناس يحالفهم الحظ حتى مع تقدمهم في السن لا يشعرون بوطأته عليهم ويعيشون كما لو كانوا في سن أصغر بكثير أو قليل، لكن الغالبية -للأسف- يشعرون بالضجر والتعب النفسي المستمر فيضيفون أعمارا إلى أعمارهم الحقيقية دون أن يدركوا ذلك، وهم إنما يعبّرون عن نظرة سوداوية تجاه الحياة.
الأربعاء 2015/05/20
الإحساس بالشباب الدائم يعني التمتع بصحة أحسن بسبب العناية بالمظهر العام

أكدت دراسة حديثة على أن البعض يتملكه شعور بشباب دائم وأن 2 من بين عشرين شخصا يراودهم شعور داخلي بأنهم أقل سنا من أعمارهم الحقيقية، فهذه الفئة من الناس لا تشغلها كثيرا مسألة السن وبدلا من ذلك فإنهم يستمتعون بصحبة الآخرين أيا كانت أعمارهم.

وترى سنغول كوبيلي هولت، وهي باحثة في علم النفس من جامعة ساوثهامبتون البريطانية، أن الدراسة التي شاركت في إعدادها كشفت اللثام عن أن المقولة السائدة، والتي مفادها أن السن الحقيقية هي ما يحسه الفرد في داخله، صائبة إلى حد ما، كما أن النتائج التي خرجت بها الدراسة الحديثة جاءت على العكس تماما من قناعات باحثين في أبحاث سابقة، أشاروا فيها إلى غياب الدليل الواضح على أن العمر الافتراضي هو إحساس ينبع من داخل الفرد ولا علاقة له بالضرورة بالسن الحقيقية، فيما يتخذ غالبية الناس سنهم الحقيقية كهوية ذاتية ويتصرفون على أساس ذلك.

وتكونت عينة الدراسة التي عرضت نتائجها مؤخرا في مؤتمر جمعية علم النفس البريطانية في ليفربول، من أكثر من 1100 رجل وامرأة، طلب منهم تحديدا دقيقا لأعمارهم حسب ما يتصورونه في وصفهم لذواتهم، فوجدت نتائج تحليل بيانات أفراد العينة بأن قرابة 6.5 بالمئة منهم لم يستطيعوا تعريف أو تحديد سن معينة يمكن أن تصف أعمارهم الزمنية، بل عبّر معظمهم عن شعور داخلي بشباب دائم لا يأخذ المرحلة الزمنية في الاعتبار دون تحديد رقم معين.

2من بين عشرين شخصا يراودهم شعور داخلي بأنهم أقل سنا من أعمارهم الحقيقية

في حين أشار 10 بالمئة منهم إلى أن شعورهم الداخلي توقف عند سن الثامنة عشرة من العمر، وتم تصنيفهم في طرفي النقيض على مقياس مجموعة “متلازمة العمر” المتدرج، فيما توزع بقية المشاركين في المنطقة الواقعة بين هاتين الفئتين على المقياس ذاته.

ووجدت كوبيلي بأن المجموعتين، اللتين صنفتا بـ“دائمة الشباب” و“المرتبطة بسن محددة”، كانتا موزعتين بصورة متوازنة إلى حد ما بين مجموع أفراد العينة الإجمالية بصرف النظر عن السن الحقيقية والجنس ومستوى التحصيل العلمي.

إلا أن النتائج سلطت الضوء على فئة معينة من الذين يؤمنون بارتباطهم بسن معينة لا تتغير أو بمعنى آخر، الذين لا يعترفون بحقيقة دوران عجلة الزمن وحذرتهم من الآثار السلبية المترتبة عن ذلك، فالانفصال عن الواقع من شأنه أن يؤدي إلى إجهاد وتوتر نفسي كبيرين، حيث يجعل المرء حساسا بصورة مفرطة فيما يتعلق بالإفصاح عن سنه الحقيقية ويرفض التأقلم ومواجهة حقيقة تقدمه في السن، وقد يؤدي ذلك إلى إفساد علاقاته مع الآخرين وخلق أجواء من التوتر في محيط الأسرة والعمل والعلاقات الاجتماعية عموما.

من ناحية أخرى، يمكن لهذه الفئة من الناس تخطي حساسيتها المفرطة وذلك بتوظيف قناعاتها وفق منظور أكثر إيجابية، فالإحساس بالشباب الدائم يعني من وجهة نظرهم التمتع بصحة أكبر بسبب العناية بالمظهر العام -من دون مغالاة- والحرص على تناول الطعام الصحي ومحاولة تخطي الأحزان الذاتية قدر المستطاع.

عدد من الناس لا يرغبون في العيش حتى سن الثمانين أو التسعين، بسبب عدم تحملهم فكرة أن يكونوا مسنين

فيما يميل البعض منهم إلى الاهتمام بالآخرين والمقربين، كما يحرصون على لعب أدوار مهمة في حياة هؤلاء، فيميلون إلى التصالح مع الجميع وإلى تطوير علاقات اجتماعية ناجحة مع أفراد من جميع الأعمار.

ويرى الدكتور هاوارد فريدمان، أستاذ علم النفس في جامعة كاليفورنيا الأميركية، أن عددا لا بأس به من الناس لا يرغبون في العيش حتى سن الثمانين أو التسعين من العمر، بسبب عدم تحملهم فكرة أن يكونوا مسنين، واهين، شرسي الطباع ومكتئبين، إلا أن الحقيقة التي تقف خلف شعورهم هذا مردها قناعتهم بأن الوصول إلى هذه السن ليس إلا أقصى ما يتيحه متوسط العمر المتعارف عليه، أي أنهم يقرّون بالأمر الواقع ليس إلا، إذ كل ما نعتقده عن أعمارنا لا علاقة له بالمنطق والوصف قد يصبح فرضية حين يذهب البعض إلى أن التقدم المفرط في العمر عموما أمر غير محمود من وجهة نظر أخلاقية، ففيه تهديد لمصادر العيش على هذه الأرض وفيه غبن واضح لجيل الشباب.

من جهة أخرى، إذا كان السؤال ذاته موجها إلى شخص مسن في الثمانين من عمره مثلا، تربطه بالحياة علاقات اجتماعية وأسرية متينة ولديه عمل هادف يقدمه لمجتمعه، سواء أكان تطوعيا أو مدفوع الأجر، فإن الإجابة التي سنحصل عليها تكون مختلفة تماما، حيث يرى في بلوغه هذه السن ما يستوجب شعوره بالسعادة والتطلع إلى كل يوم جديد على أنه فرصة جديدة ينبغي أن تعاش، فالسعادة في منطق هؤلاء الناس تتناسب مع التقدم في السن إذا ما توفرت لها شروط الاستقرار الحقيقية.

21