العمر المتخيل ينعكس مباشرة على الصحة

هناك العلاقة متبادلة بين العمر المتخيل وصحة العقل والبدن، فالشعور بالاكتئاب وضعف الذاكرة والوهن يؤدي إلى الشعور بالكبر والشعور بالكبر يؤدي بدوره إلى الاكتئاب وضعف الذاكرة.
الاثنين 2018/07/30
ذوو العمر المتخيل الأصغر يعانون أقل من العصبية
 

نظرة المرء لنفسه تختلف من شخص إلى آخر؛ فهناك من يرى نفسه أكثر شبابا وحيوية من عمره الحقيقي، وهناك من تبدو عليه علامات التقدم في السن أكثر ممن هم في نفس سنه. هذه النظرة ترتبط، في الكثير من الأحيان، بتقييم المرء لشخصيته وما حققه طيلة مراحل حياته.

لندن- يتفاجأ البعض، أحيانا، حين يعجز من حولهم عن تخمين سنهم الحقيقي، ويسعدون لعبارات الإطراء من قبيل “تبدو أصغر سنا”.. أثبت العلم أن تأثير هذا الأمر أكثر بكثير من مجرد مجاملات اجتماعية وأن هناك فعلا من يصعب تحديد أعمارهم. يرجع العلماء ذلك إلى علاقة متكاملة ومترابطة بين الشباب الدائم والصحة المتوازنة، حيث يروا أن الشعور بالرضا والمزاج الجيد يؤخران علامات التقدم في السن. وكلما شعر المرء فعلا بأنه أصغر سنا ينعكس ذلك إيجابا على صحته البدنية والعقلية والنفسية، وتصبح مناعته أكثر قوة وقدرة على مقاومة الأمراض.

نقلت الصحيفة الألمانية “بيلد” عن الباحث مانول فولكله قوله “لتعبيرات الوجه تأثير جوهري على دقة تقدير العمر، فالعمر يمكن تقديره بشكل سليم في الغالب من خلال تعبيرات الوجه المحايدة، لكن تقدير عمر الأشخاص الذين تبدو عليهم السعادة، غالباً ما يأتي أقل من عمرهم الحقيقي”.

وبعد البحث عن العوامل التي من الممكن أن تؤثر على تقدير العمر الحقيقي للإنسان، خلص فريق من علماء النفس في جمعية “ماكس بلانك” للأبحاث العلمية في العاصمة الألمانية برلين إلى نتيجة مفادها أن الضحك لا يجعل المرء يبدو أصغر سناً فقط، لكنه يجعله أكثر صحة أيضاً لأنه يؤثر بشكل إيجابي على التنفس، كما يحسن أداء الدورة الدموية ويقوي المناعة ويسهل الهضم ويجعله سعيداً.

الشعور بالكبر بما بين ثمانية و13 عاما عن العمر الزمني يسفر عن احتمالات الوفاة والإصابة بالعلل والأمراض أكثر

وبرر العلماء النتيجة التي توصلوا إليها بأن الخطوط التي تظهر على الوجه خلال الضحك تجعل من الصعب تقدير عمر الشخص بشكل دقيق، “فالأشخاص الباسمون يتمتعون في تلك الحالة بميزة يتفوقون بها على الآخرين عندما يقوم شخص بتقدير أعمارهم، حيث سيأتي تقديرها في الغالب أقل من أعمارهم الحقيقية. كما أن الابتسامة يتم ربطها بالجاذبية وبالتالي تندرج تحت إطار الشباب”.

وفي إطار الدراسة قام العلماء بعرض أكثر من ألفي صورة لـ171 رجلاً وامرأة من أعمار مختلفة على 154 شخصاً، وطلبوا من هؤلاء الأشخاص تقدير عمر الرجال والنساء الموجودين في الصور. وتظهر الصور تعبيرات وجه مختلفة، مثل الغضب والخوف والفرح والحزن والحيادية. وتبين للعلماء من خلال الدراسة أن قدرة الخاضعين للتجربة على تقدير العمر بدقة تراجعت مع الوقت، كما أن كبار السن والبالغين الشباب كانوا أكثر دقة وأقل انحرافاً في تقدير الأعمار مقارنة بالفئات العمرية الأخرى. وبوجه عام وجد الخاضعون للتجربة صعوبة في تقدير عمر كبار السن في الصور بشكل دقيق، كما جاءت تقديراتهم لعمر الوجوه النسائية عموما أقل من الرجال بثلاثة أعوام.

كما توصل العلماء إلى أن “العمر المتخيل” ربما كان بالغ الأهمية لمعرفة السبب في ازدهار البعض مع تقدم العمر وذبول آخرين. يقول برايان نوزيك الباحث بجامعة فيرجينيا إنه “كلما اعتبر الأشخاص أنفسهم أصغر سنا، كان أثر ذلك إيجابيا على قراراتهم اليومية والحياتية”.

وأوردت هيئة الإذاعة البريطانية “بي.بي.سي” أن عدة دراسات أظهرت أن العمر المتخيل يؤثر في الصحة العامة بل وفي احتمالات الوفاة المبكرة. ومن ثم أخذ الباحثون يعملون على معرفة العوامل البيولوجية والنفسية والاجتماعية المختلفة التي تؤثر في اعتبار المرء لسنه بهدف الوصول بالأشخاص إلى عمر مديد وسعيد.ومن الدراسات المثيرة ما يتعلق بأثر العمر المتخيل على الشخصية. وقد بات معروفا أن الأشخاص يصيرون أقل حدة كلما كبروا، كما يعمدون للعزلة ولا يقبلون على تجربة الجديد. تلك التغيرات تكون أقل في الأشخاص الذين ينظرون إلى أنفسهم باعتبارهم أصغر سنا، وأبرز فيمن يعتبرون أنفسهم أكبر سنا.

والجديد أن ذوي العمر المتخيل الأصغر يتقنون عملهم أكثر ويعانون أقل من العصبية، وهي التغيرات الإيجابية التي تصاحب تقدم العمر عموما وتزداد خصوصا لدى من يعتبرون أنفسهم أقل عمرا. بمعنى آخر يستفيد هؤلاء من الحكمة التي تُكسبها لهم السن دون فقدان شبابهم، ودون أن يتصرفوا بطريقة أقل نضجا.

الضحك لا يجعل المرء يبدو أصغر سناً فقط، لكنه يجعله أكثر صحة أيضاً لأنه يؤثر بشكل إيجابي على التنفس، كما يحسن أداء الدورة الدموية

ويظهر أن شعور المرء بالشباب يقلل احتمالات الإصابة بالاكتئاب ويحمي الصحة العقلية مع تقدم العمر؛ ويترجم إلى صحة بدنية أفضل واحتمالات أقل للإصابة بالخرف وبالأمراض التي تتطلب المكوث بالمستشفى.

وقد أظهرت دراسة للباحث يانيك ستيفان بجامعة مونبلييه -تتبعت بيانات أكثر من 17 ألفا من منتصفي الأعمار والكهول آمادا طويلة- أن أغلب من شملتهم اعتبروا أنفسهم أصغر من عمرهم بنحو ثماني سنوات.

كما وجدت الدراسة أن البعض كانوا أكثر إدراكا للكبر ما أضرهم كثيرا، إذ وجدت أن الشعور بالكبر بما بين ثمانية و13 عاما عن العمر الزمني أسفر عن احتمالات الوفاة أكثر بنسبة تراوحت بين 18 و25 بالمئة على مدى الدراسة، فضلا عن الإصابة أكثر بالعلل والأمراض، حتى مع تحييد العوامل كالمستوى التعليمي والعرق والحالة الاجتماعية.

وثمة أسباب كثيرة تعلل أثر العمر المتخيل على الصحة منها التغيرات المصاحبة للشخصية؛ فالعمر المتخيل الأقل يعني نشاطا أكثر (من قبيل السفر والهوايات). ويشير ستيفان إلى “دراسات ربطت بين العمر المتخيل ومستويات النشاط البدني”.

والعلاقة متبادلة بين العمر المتخيل وصحة العقل والبدن، فالشعور بالاكتئاب وضعف الذاكرة والوهن يؤدي إلى الشعور بالكبر، والشعور بالكبر يؤدي بدوره إلى الاكتئاب وضعف الذاكرة، وهكذا في دائرة مفرغة تزيد من العمر المتخيل ومن تردي الصحة ومن ثمّ الكبر والوهن.

17