العملات المشفرة تتحدى سيادة المصارف المركزية

الخميس 2017/05/11

تتراكم يوما بعد يوم الأسئلة والتحديات الكبيرة التي تطرحها العملات الالكترونية المشفرة بشأن مستقبل النظام المالي العالمي والتهديد الذي تمثله لسيادة المصارف المركزية في العالم.

وتشير البيانات في الأشهر الأخيرة إلى فورة هائلة في ميدان أسعار وانتشار تلك العملات بعد أن تمكنت من التغلب على الكثير من المخاوف والشكوك وتهديدات السلطات المالية بمحاربتها وفرض قيود على استخدامها.

ويتضح ذلك في القفزة الصاروخية التي سجلتها العملة الأولى التي أطلقت عصر العملات المشفرة وهي بيتكوين، التي تضاعف سعرها أكثر من 4 مرات عن المستويات التي كان عليها قبل عام.

هذه العملة تستأثر لوحدها اليوم بأكثر من 60 بالمئة من القيمة الإجمالية لجميع العملات المشفرة المتداولة في العالم، والتي تصل إلى نحو 50 مليار دولار، بعد أن تضاعفت هي الأخرى بنحو أربعة مرات خلال عام.

ذلك المبلغ يبدو ضئيلا جدا مقارنة بمئات تريليونات الدولارات المتداولة في النظام المالي العالمي، لكن عدد المستخدمين وعدد العملات المشفرة الجديدة ورضوخ بعض المصارف والدول لحتمية التعامل بها في المستقبل يمكن أن يقلب المعادلة على المدى البعيد.

هذه العملات الخارجة عن جميع وصايات السلطات المالية، لديها قوعد ومـرجعيـات للإصـدار لكنهـا خـارج الجهـات التنظيميـة الرسمية، وهي تحتـاج إلى درايـة عالية لمعرفة مدى مصداقية كل منها.

جميع العملات في العالم تستند إلى الجمهور الذي يعترف بها، بل حتى السلع النادرة مثل اللوحات الفنية والمجوهرات تستند إلى ذلك. ولهذا فإن ارتفاع مستخدمي العملات المشفرة يعد بزيادة قيمتها وانتشـارها، خاصة أنها خارج نطاق الرسوم والضرائب والوسطاء.

يوجد اليوم عشرات العملات في التـداول وهنـاك مئـات العمـلات الأخـرى فـي مـراحل متباينـة من الإصـدار والانتشـار. وبالتـأكيد فـإن الكثيـر منهـا لا يستند إلى أسس راسخـة وقـد تكـون مرتبطـة بعمليات نصب واحتيال ونشاطات إجرامية.

في السنوات الماضية ومنذ صدور بيتكوين في عام 2009 كان الاعتقاد الشائع بأن المصارف المركزية ستحاربها عاجلا أم آجلا وستقضي عليها ذات يوم لأنها تهدد سيادتها. وقد صدرت بالفعل الكثير من التهديدات لكنها انحسرت حين أدركت السلطات المالية أنها لن تتمكن من تحقيق ذلك الهدف.

عوبة محاربة العملات المشفرة تكمن في استحالة منع أشخاص أو مؤسسات من مقايضة ما يملكون فيما بينهم دون وسيط، حتى لو تم استخدام أقسى إجراءات القمع في تاريخ العالم.

لو اتحدت جميع المصارف المركزية والمؤسسات المـالية في جبهة واحدة وأعلنت حربا عالمية ضد العملات المشفرة فإنها لن تتمكن من القضاء عليها. لذلك فمن المرجح عاجلا أم آجلا أن تعترف بها، بل وقد تتسابق للتعامل بها وقد بدأ ذلك بالفعل.

التقارير تشير إلى أن اليابان أصبحت أكثر دول العالم قبولا للعملات المشفرة، وأن تداولات بيتكوين مقابل الين تستأثر حاليا بنصف تداولاتها مع جميع العملات العالمية.

وقد لوحت روسيا التي تعاني من وطأة العقوبات المالية الغربية التي تعزلها عن النظام المصرفي، بأنها يمكن أن تدخل العملات الالكترونية المشفرة في التداول، لأنها لا يمكـن رصـدها مـن قبـل النظام المالي العالمي ويمكن أن تخفف وطأة العقوبات عليها.

كما سمحت الهند في يناير الماضي بإنشاء أول منصة لتبادل عملات بتكوين، الأمر الذي يفتح سوقا هائلة لانتشارها.

بل إن تضييق السلطات الصينية على استخدامها أصبح يؤدي إلى نتائج عكسية. فقد أدى إلى تزايد تعامل الصينيين بها وخاصة للالتفاف على قيود هجرة رؤوس الأموال إلى الخارج.

عملة بيتكوين التي صدرت في عام 2009 ارتفع سعرها منذ ذلك الحين بنحو 1.8 مليون مرة لتصل أمس إلى نحو 1800 دولار بعد أن كان الدولار يساوي ألف وحدة بيتكوين.

لن تستطيع السلطات المالية والمصارف المركزية العالمية أن تبقى متفرجة على هذه التحولات العاصفة وسوف تلتحق عاجلا أم آجلا، وقد بدأت تلوح بوادر ذلك.

وقد كشفت عشرات المصارف العالمية مثل يو.بي.أس ودويتشه بنك وسانتاندير أنها تخطـط لطـرح عمـلات الكترونية مشفرة في العام المقبل. وهذا يعني أن استخدامها سيتضاعف عشرات وربما آلاف المرات في السنوات المقبلة، ليقتطع تريليونات الدولارات من سيادة المصارف المركزية.

مستقبل العمـلات الرقمية يمكـن أن يفتح آفـاقا لا تخطـر ببال أحد بمجرد تحديد آلية إصدار محكمة تحظى بقبول وثقة جمهور واسع من المستخدمين، لأنها توفر حرية لا تعرف الحدود والرسوم والضرائب ولا يمكن اكتشافها من قبل السلطات المالية إلا عند بيعها بالعملات الرسمية.

على سبيل المثال، في 2 مايو الحالي أعلن أوغناسيو أوزكاريز المدير التنفيذي لشركة آر.فينتك ومقرها لندن عن إصدار عملة مشفرة باسم “بيلور” وقال إنها تسعى لمنافسة بيتكوين. وذكر أن قيمتها سترتبط بحسابات رقمية مرتبطة بأصول قطاع النفط العالمي، وهي الأولى من نوعها في ميدان العملات المشفرة.

لا بد أن المصارف الكبرى منهمكة حاليا في غرف سرية بدراسة سبل مواجهة هذه العاصفة وإيجاد حلول تمنع انهيار سلطات الحكومات المالية. وقد تحمل الأشهر أو السنوات المقبلة مفاجآت أكبر من كل تكشف حتى الآن.

كاتب عراقي

10