العمليات الإرهابية في مصر.. ذعر الداعمين للمشروع الإسلامي المتطرف

هل يمكن الحديث عن علاقة تصل العمليات الإرهابية الأخيرة في مصر، من ناحية توقيتها وكثافتها، بتزايد الضغوط على دول طالما عرفت بدعمها للتنظيمات الإرهابية؟ ألا يمكن تصور أن التنظيمات الإرهابية، بمختلف مذاهبها، تحاول إثبات أنها مازالت على قيد الحياة وتسعى لإقناع داعميها بأن المشروع لم يتلاش؟
الاثنين 2017/07/10
العمليات الإرهابية عززت الإحساس بالانتماء للوطن

أثارت العملية الإرهابية النوعية الجمعة الماضي، والتي أدت إلى مقتل عدد كبير من العسكريين المصريين عند حاجز أمني بمدينة رفح في سيناء، علامات استفهام حول مغزاها وتوقيتها وكثافة الهجوم. بالتزامن مع هجوم رفح أطلق مجهولون النيران تجاه أحد التمركزات الأمنية على محور 26 يوليو بالقاهرة، كما استشهد 3 ضباط في هجوم مسلح على كمين أمنى بمنطقة العياط بالجيزة (المجاورة للقاهرة)، وتم اغتيال النقيب إبراهيم العزازي الضابط بالأمن الوطني أثناء توجهه لأداء صلاة الجمعة في منطقة الجبل الأصفر بمحافظة القليوبية.

محللون ذهبوا إلى أن المنظمات الإرهابية لن تقف تتفرج على قافلة المشهد الدولي والإقليمي وهى تمضي دون مسارات تضعها في الاعتبار، لذلك تسعى لاستهداف الدول التي تسعى لعزل الإرهاب وداعميه بعمليات إرهابية مكثفة للضغط عليها.

فرض العزلة على داعش والتعامل معه كتنظيم منبوذ عالميا هو التفسير الأول لتلك الهجمات الإرهابية التي توقعها الكثيرون، والتي تعد ردا مثاليا من جانب القوى الداعمة للتنظيم للحد من قوة الدول العربية المناهضة للإرهاب، ولإعاقة ارتقائها إلى مستوى تحدي قوى دعم الإرهاب في الإقليم.

لفت محللون إلى أنه بمجرد تسليم الدوحة ردها على قائمة المطالب العربية إلى الكويت، وجدت الدول الداعمة للإرهاب في اللجوء لأدواتها التقليدية عبر هجمات إرهابية مكثفة وسيلة لإضعاف الموقف السياسي، ولشغل الواقع العربي بهذه الاعتداءات التي قُصد منها أن تكون ضخمة ونوعية. المعنى هو أن الجماعات المدعومة ترفض هذا المصير، ومن ثم تضرب بقوة وغزارة لإبقاء الدول الداعمة لها على مواقفها، ولإقناعها بجدوى مواصلة الدعم وبأنها تستطيع بعملياتها الفتّ في عضد الدول العربية المناوئة لها.

داعش منذ بداية تأسيسه يحاول فرض نفسه كقوة إقليمية مهابة تحت عناوين أيديولوجية لا تقبل التجاوز أو التعامل معها باستخفاف، لذا بدأ التنظيم بإيعاز من داعميه أو بمبادرة منه في تنفيذ عدة هجمات إرهابية تطال بعض الدول المناوئة للتنظيمات الإرهابية.

الكيانات التكفيرية وجماعة الإخوان حريصة على ألا تصل القوى والدول التي تدعمها وترعاها إلى مرحلة اليأس والإحباط

أيضا فإن تيار الإسلام السياسي وجماعة الإخوان، التي صارت أضعف محليا داخل الدول العربية، والتي بات مصدر قوتها الوحيد ارتباطها بقطر وتركيا وعلاقتها بإيران، فقدت أي أمل في العودة للعب دور محلي داخل المظلة الوطنية، وتحولت بامتياز إلى أداة للضغط الإقليمي على الأنظمة والدول العربية، وترى أن العام الأخير من فترة حكم الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي الفرصة الوحيدة لمحاولة إبعاده عن المشهد والضغط عليه شعبيا لمنع ترشحه مرة ثانية العام المقبل.

العمليات الأخيرة التي توزع منفذوها بين منتمين لخلايا داعش والإخوان المسلحة، تعكس ذعر الداعمين والمشتغلين في المشروع التوسعي الإقليمي الأيديولوجي.

ومن ناحية تتحسر الدول الداعمة للإرهاب على المليارات التي أنفقت في هذا المشروع الذي راهنت عليه ووضعت كل آمالها عليه لتحقيق طموحاتها، ومن ناحية أخرى فإن الوكلاء المهددين بوقف الدعم المادي لا بد وأنهم سيلجأون إلى فعل المستحيل لإثبات أن المشروع لا يزال بإمكانه النجاح.

قطر بدأت على استحياء في نفي صلتها بالإرهاب، وربما تقدم على خطوات مؤلمة مثل التخفيف من حدة خطاب قناة الجزيرة، وتغيير إستراتيجيتها الإعلامية، وترحيل قيادات الإخوان للتخفيف من ضغوط الدول المقاطعة ومن آثار المقاطعة على الداخل القطري.

وبالتالي فإن التنظيمات الإرهابية- في وضع كهذا- ستسعى لإثبات كونها لم تتأثر بالإجراءات ضد قطر، وأن لديها البدائل الكفيلة بتمويل نشاطاتها، وأن القضية أكبر من تصور النجاح في القضاء على الإرهاب بمجرد وقف الدعم القطري.

الكيانات الإرهابية المتمركزة في سيناء وبعض المحافظات المصرية وعلى الحدود الليبية المصرية تدرك أنها ستفقد الدولة الرئيسية التي ترعى نشاطاتها في العالم وفي العمق العربي، لذا فهي تنشط في دعمها قبل أن تطالها المقاطعة وتؤتي ثمارها على الأرض ما يضعف موقف قطر، وتاليا إضعاف المنظمات التي تمولها الدوحة.

هذه الكيانات التكفيرية وجماعة الإخوان حريصة على ألا تصل القوى والدول التي تدعمها وترعاها إلى مرحلة اليأس والإحباط، أو المراجعة السياسية والتفكير في خسائرها التي جنتها من وراء دعم الإرهاب. وذهب خبراء وسياسيون إلى أن درس خسائر دعم المنظمات الإرهابية طوال السنوات الماضية سيكون عبرة لمختلف الأطراف، حيث خصم هذا التأييد للإرهاب من تأثير الدول الداعمة له في المشهد السياسي، ومن قدرتها على المواءمة والمناورة السياسية في مختلف الملفات.

الكيانات الإرهابية المتمركزة في سيناء وبعض المحافظات المصرية وعلى الحدود الليبية المصرية تدرك أنها ستفقد الدولة الرئيسية التي ترعى نشاطاتها في العالم وفي العمق العربي

وفي المقابل أدى تحرك الدول العربية ضد الإرهاب وداعميه بهذا الحسم والإصرار إلى تغييرات ملموسة في معادلة القوة، وإلى سقوط الأقنعة عن قوى إقليمية مثل إيران التي تاجرت بالقضايا العربية لخدمة مشروع طائفي توسعي، والآن صار من المستبعد أن تعود قطر وتركيا وإيران بنفس النفوذ الذي كانت عليه قبل التكتل العربي ضد الإرهاب وضد الظاهرة الميليشياوية.

كلمة السر التي أوصلت لتلك النتائج المهمة هي أن هناك دولا تراهن على المصالح المتوازنة المشتركة وعلى دعم الاستقرار والسلم الدولي والإقليمي، ودولا أخرى تراهن على تحقيق مصالحها هي وحدها على حساب الآخرين عبر اللعب بالإرهاب ومعه، وستفرض الحرب الحقيقية- لا الزائفة- على الإرهاب والقوى الفاعلة في الإجهاز عليه بشكل كلي وتقليل خطره ونفوذه وانتشاره نفسها على أجندة النفوذ الجديدة في الشرق الأوسط.

الدول العربية ستحظى عالميا بواقع مختلف وحضور أقوى من قبل، لا فقط لدورها في محاربة داعش والإرهاب في العالم أو للدعم الدولي لها في هذا السياق، بل لكشف الأوضاع في العالم عبر تكتلات تعيد رسم التحالفات الدولية والإقليمية على أسس جديدة.

خرافة المعارضة العسكرية المدعومة من دول إقليمية والتي تقوم بدور مواز لمؤسسات الدول العسكرية والمدنية سوف تنتهي، ويصير للدول المقوضة للإرهاب في الشرق الأوسط الدور المحوري، في مقابل متاهات وكوارث التحالف مع المنظمات الإرهابية “المعولمة” العابرة للحدود. فرص ومصائر الدول المتحالفة مع المنظمات الإرهابية عبر العالم والتي لها علاقة بالجرائم الدموية الأخيرة صارت ضعيفة في تأسيس حضور مقنع، أو في تسويق خطاب سياسي مقبول، أو كسب حلفاء وموالين جُدد موثوق بهم.

قوة الموقف السياسي لمصر والسعودية والإمارات والبحرين، والسعي لفرض احترام المصلحة العربية، تسير بنجاح باتجاه إنهاء اللعبة القائمة على توظيف “الحالة الميليشياوية”- سواء السنية عبر دعم تركيا وقطر أو الشيعية عبر دعم إيران- وهو خبر بالغ السوء بالنسبة لهذه الدول الثلاث الداعمة للإرهاب. وطبعا يعز على تلك الدول الثلاث تراجع الحديث عن ميليشيات شيعية مقابل ميليشيات سنية، ليحل محله حديث عن رسوخ الحسم بجيوش دول وبتكتل عربي وبإجماع دولي وإقليمي على نبذ الإرهاب وتجفيف موارده المالية.

إيران باتت تستشعر الخطر على نفوذها وموقعها الإستراتيجي ومن حرق ورقة التحارب الأيديولوجي المذهبي، وقطر لن تستطيع الهرب إلى أحضان إيران لأن هذا يفقدها منطقية ترديد نغمة التحالف الإستراتيجي مع الولايات المتحدة.

أما تركيا فليست أمامها خيارات مريحة، إذ لا الحليف الأميركي ولا الصديق الروسي واضحان في شراكتهما معها، ومن ثم لا يمكن لأنقرة الاعتماد عليهما بشأن القيام بالمزيد من المغامرات بجانب هذا ضد ذاك.

تركيا جنت على نفسها بالتحالف مع جماعات على حساب مصالح المجتمعات، وبالرهان على مصالح تنظيمات على حساب أنظمة ومؤسسات الدول، وهذه المؤسسات وتلك الدول هي الآن أمل العالم لإعادة الاستقرار للمنطقة.

أصبح واضحا أن التركيبة الداخلية لجماعة الإخوان ووضعية تنظيمات داعش والقاعدة وجرائم التكفيريين المنطقة، علاوة على مواقف الدول الداعمة لتيار الإسلام السياسي، كل ذلك يلعب الدور الأكبر في مشاهد تنامي الإرهاب وازدياد وتيرة عملياته.

13