العملية التركية توحّد خطاب أكراد سوريا

الجسد السياسي الكردي بدأ ينطق لغة واحدة يعبر عنها حزب الاتحاد الديمقراطي.
السبت 2019/10/19

دمشق – وحّدت الحرب التي شنتها تركيا ضد قوات سوريا الديمقراطية ووحدات حماية الشعب الكردية، ملامح المجتمع الكردي في سوريا، وأخفت التباين والخلافات التي تعصف، بحيث بدا أن الجسد السياسي الكردي ينطق لغة واحدة يعبر عنها حزب الاتحاد الديمقراطي.

وفيما تعتبر أنقرة أن هذا الحزب ووحداته القتالية هما امتداد سوري لحزب العمال الكردستاني في تركيا (بي كا كا)، فإن تيارات وشخصيات سياسية سورية كردية تأخذ على الحزب في سوريا تبعيته للحزب الكردي الذي أسسه عبدالله أوجلان في تركيا، كما تبعيته لقيادة الحزب في جبال قنديل شمال العراق.

ويرى عبدالباسط سيدا، وهو أكاديمي وسياسي سوري كردي يعيش حاليا في السويد، أن حزب العمال الكردستاني في تركيا ليس حزبا قوميا، بل حزب يدافع عن حقوق الأكراد في تركيا، بما ينزع عنه أيّ شرعية تمنحه حق رعاية أحزاب كردية غير تركية، بما في ذلك أكراد سوريا.

ويأخذ سيدا، الذي ترأس عام 2012 المجلس الوطني السوري المعارض، وبات ناطقا، من خلال هذا الموقع، باسم المعارضة السورية، على حزب الاتحاد الديمقراطي خياراته العابرة للحدود، كما تلك التي أبعدته عن الجسم السوري المعارض.

عبدالباسط سيدا: حزب العمال الكردستاني في تركيا ليس حزبا قوميا، بل حزب يدافع عن حقوق الأكراد في تركيا
عبدالباسط سيدا: حزب العمال الكردستاني في تركيا ليس حزبا قوميا، بل حزب يدافع عن حقوق الأكراد في تركيا

وتنقسم آراء الأكراد في سوريا داخل سياق تاريخي مرتبط بالحالة السورية العامة وبتلك المرتبطة بالخصوصية الكردية. ويصطدم الأكراد بأيديولوجيا قومية عربية حكمت سوريا، منذ سيطرة حزب البعث على مقاليد الحكم، وفرضت على الأكراد شروطا وقوانين لا تحترم الثقافة الكردية، وتسعى لتجاهل القومية الكردية المتجذرة في المنطقة، والتي تمتد، إضافة إلى سوريا، باتجاه العراق وإيران وتركيا.

ويشعر الأكراد في سوريا، كما كل أكراد المنطقة، أن المنظومة الدولية أهملت حقهم في إقامة دولة لهم، وأن تقسيمات اتفاقية سيكس بيكو في بداية القرن الماضي لم تلحظ لهم كيانا، وشُتت حضورهم داخل 4 دول، وأن هذه الدول التي اختلفت وتناقضت وتقاتلت في ما بينها، اتفقت، للمفارقة، على منع الأكراد من تحقيق أي إنجاز سياسي قد يؤدي يوما ما إلى قيام دولة مستقلة لهم.

وباستثناء تمكّن الأكراد في العراق من إقامة إقليم لهم يضم ثلاث محافظات تم الاعتراف به في الدستور العراقي الذي صدر بعد الغزو الأميركي عام 2003، فإن هامش المرونة بالنسبة إلى إيران وتركيا وسوريا بقي محدودا، ويكاد يكون محرما منع الأكراد من تحقيق الحد المقبول من مطالبهم.

وحتى حين ينخرط حزب كردي في تركيا (حزب الشعوب الديمقراطي) في العملية السياسية، فإن المنظومة السياسية التركية تضيق به وتزجا بقياداته في السجون. حتى أن نضالات الأكراد في سوريا ذهبت إلى المطالبة بالاعتراف بهم مواطنين سوريين وتجنيس المئات من الآلاف منهم قبل الحديث عن العروبة والقومية، وقبل الحديث عن أي شكل استقلالي لهم.

ويقول الباحث في الشأن الكردي  زارا صالح إن التعددية الكردية هي شأن جيد وصحي، إلا أن جميع التيارات الكردية متفقة على النضال من أجل قيام حكم ذاتي للأكراد في سوريا.

ويعتبر صالح أن المشروع الكردي هو المشروع الوحدوي الوحيد في سوريا من جهة أن الأكراد، وعلى عكس بقية أكراد المنطقة، لم يطالبوا يوما بالانفصال عن سوريا. ويضيف أن موضوع الاستقلال غير واقعي، بحكم أن المناطق المحسوبة كردية في سوريا محاصرة، ولا تمتلك قيام دولة مستقلة قابلة للحياة في جغرافيتها وفي منافذها.

ويعترف خورشيد دلي، وهو باحث في الشأن الكردي، بوجود خلافات بين الأكراد حول المقاربة المثلى لتحقيق تطلعاتهم الجماعية. ويعتبر أن هذه الخلافات قد أضرت بالقضية الكردية في سوريا وشتّتت قوة الأكراد بين خيارات متنافرة.

ويدور خلاف الأكراد السوريين في ما بينهم حول مسائل متعددة. أولى هذه المسائل ترتبط بالنهج الذي يجب أن يتبع في التحرك كسوريين يناضلون مع بقية السوريين لإصلاح المنظومة السياسية في بلدهم، أو بالتحرك كأكراد لهم مطالب تختلف عن مطالب بقية مكونات الشعب السوري.

وكان للأكراد حراكهم الخاص و”ربيعهم” الخاص في مارس 2004، وهو سابق على موجة “الربيع العربي” في سوريا (والمنطقة)، والتي تمّ قمعها من قبل النظام دون أن يظهر تضامن بالمستوى المطلوب من قبل بقية قطاعات الشعب في سوريا.

المنظومة الدولية أهملت حقوقهم
المنظومة الدولية أهملت حقوقهم 

وفيما يشكو الأكراد من أن عروبية نظام البعث استهدف خصوصيتهم، فقد أفرج النقاش حول المسألة الكردية لدى منابر المعارضة عن مزاج لا يبتعد في الجوهر عن عقلية النظام في التعامل مع الأكراد، وإن كانت هذه المعارضة اعترفت للأكراد ببعض الحقوق. حتى أن الجدل الذي يفترض أن تناقشه اللجنة الدستورية المشكّلة حديثا، كواحدة من أدوات التسوية في سوريا، قد يحتدم حول الاسم الرسمي للبلد ما بين “الجمهورية السورية” و”الجمهورية العربية السورية”، بما قد يتطور أو يجمد نظرة سوريا المستقبل إلى غير العرب من مواطنيها.

ويعترف كادار بيري، وهو رئيس منظمة أكراد بلا حدود” في باريس، بأن العالم مازال لا يسمح بإقامة دولة للأكراد، ولا يحبذ تقسيمات جديدة للمنطقة.

ويرى مراقبون أن تخلي الولايات المتحدة عن الأكراد في سوريا لصالح ضبط مصالح واشنطن وأنقرة، سواء بسحب القوات الأميركية من أمام تقدّم الجيش التركي أو بالاتفاق الذي عقده نائب الرئيس الأميركي مايك بنس مع الأتراك، الخميس، يطيح بالكثير من الأحلام والأوهام التي راودت أكراد سوريا.

واتهم دلي واشنطن بأنها خانت القضية الكردية في سوريا، واعتبر أن الولايات المتحدة تستمر في تسليم الشأن السوري إلى روسيا. ومن جهته استبعد بيري عمل الأكراد من داخل صفوف المعارضة، معتبرا أنه لم يعد هناك وجود للمعارضة السورية، وأنهم تحولوا إلى مجرد مرتزقة يعملون لصالح الأجندة التركية.

وقال بيري إن الأكراد لا يعولون على واشنطن ولا يعولون على موسكو بعد الموقف الأميركي الأخير، مشيدا بالموقف الفرنسي، الذي اعتبره أكثر تطورا في أوروبا كما في العالم لدعم الأكراد في سوريا.

وتنشط بين أكراد سوريا دعوات لرأب الصدع الداخلي على قاعدة أن كافة الخيارات، سواء تلك المعولة على النظام والمعارضة، أو تلك المعولة على الخارج، قد فشلت. وتسعى بعض المبادرات إلى توحيد صفوف الأكراد في سوريا لرفع الصوت الكردي داخل أي تسويات تعد لإنهاء الحرب في هذا البلد.