العملية التعليمية في ظل عالم عربي مختل الموازين

الثلاثاء 2017/01/03
إبداع فردي في طرق التعليم

ظهرت العديد من الأطروحات والخيارات والبدائل التي تبحث في كيفية خروج الشرق العربي من واقعه المليء بالحروب والفقر والجهل والاستغلال، لكنها في الواقع جزأت اﻷسباب والبيئات التي أوصلت الحال إلى ما هو عليه اﻵن، وهناك جانب معين لا يحظى بالانتباه المطلوب ويتم التغاضي عنوة عن دوره وفاعليته في محاصرة ظواهر الفقر والاستبداد وقمع الحريات.

ولا يمكن استشراف المستقبل وما سيكون عليه حال اﻷجيال القادمة دون تسليط الضوء على الوضع التعليمي، وواقع المناهج التعليمية التي تغذي بها دوائر المعارف والعلوم والتربية ذلك النشء من اﻷجيال.

حقائق وأسباب

لا بد من مراجعة دورية وجادة لواقع المناهج التعليمية التي كانت آلة ضخ للكوادر الفكرية والسياسية التي تقود الحياة السياسية والاجتماعية والدينية في البلدان العربية.

لكن نوعا من التراخي من قبل الأطراف التي تضع تلك المناهج ينعكس بشكل واضح على أفق تطويرها، وتقف وراء ذلك التراخي العديد من الحقائق والأسباب، أولها جر الكادر التعليمي واﻷكاديمي إلى ساحة الصراعات السياسية والدينية الضحلة، بحيث أملت عليه أن يكون تابعا فكريا ومنهجيا للبيئة التي تحاصره بتفاصيلها المترهلة، وليست هي من تتبع مخرجات نتاجه الفكري والمعرفي وبذلك تم تقزيم وتحديد دوره المعرفي التفاعلي، والتأثير عليه من خلال إخضاعه لتلك القناعة، جبرا وقسرا عبر أدوات السلطة القمعية التي تتراوح بين تهديدات الترقية الوظيفية، أو عملية الفصل والتنحية عن مواصلة أي أدوار معرفية أو أكاديمية.

لا يمكن استشراف المستقبل وما سيكون عليه حال اﻷجيال القادمة دون تسليط الضوء على الوضع التعليمي، وواقع المناهج التعليمية التي تغذي بها دوائر المعارف والعلوم والتربية ذلك النشء من اﻷجيال

وثانيها تحديد أدوار الكوادر العلمية والمعرفية نتيجة الحصار المالي وحصار الموارد في مجتمعات تفتقر مؤسساتها إلى عناصر المساءلة والنزاهة والشفافية في تأدية اﻷدوار، باﻹضافة إلى تراجع القانون وراء مصالح السياسات التنفيذية في تلك المجتمعات، فأصبح باﻹمكان بسهولة فرض العقوبات الفردية والجماعية على طواقم المعلمين والمعلمات في المؤسسات التعليمية، وتحديد أدوارهم عبر التضييق المستمر عليهم في حال تم التفكير بأخذ المبادرة الفردية في سبيل تغيير الواقع اﻷكاديمي والمعرفي.

وأصبح المعلم والمعلمة أداة لدى دول الاستبداد، يُنتج الصم اﻵلي ولا يَخرج أبدا عن نص المناهج الذي وضعه “إله المعرفة” في بلد الاستبداد، وإلا ترتبت عليه عقوبات جسيمة وتم توجيه تهم التكفير والخيانة والخروج عن اﻷهداف التعليمية والتربوية التي ستنشئ تلك القطعان البشرية في مزرعة الحاكم المستبد، وهكذا أصبح المعلم مشغولا بلقمة عيشه والمحافظة على استقراره الوظيفي، مهما كلفه ذلك من إفراغ لنفسه ومهامه في تأدية رسالة معرفية سامية.

رأينا البلدان العربية بدأت تتصدر قوائم أكثر الدول إنفاقا على التعليم الخاص والدروس الخصوصية وبذلك تم قطع الجزء اﻷيسر من مهمة الحاكم المستبد بجعل التعليم عملية أقل من عادية، تشبه إلى حد بعيد التجارة الفاسدة وتتصدر واجهة تلك العملية الطبقات الاجتماعية القادرة على الصرف وإهدار اﻷموال في شراء أكبر كم علمي بعيدا عن النوعية الجيدة.

تسييس المناهج

السبب الثالث هو عملية تسييس المناهج، وجعل الرقابة على محتواها إما بيد سلطة الحاكم المستبد المعني بمحاربة قيم العدالة والحرية والتحرر، وإما في أيادي سلطات الاحتلال كما هو الحال في فلسطين المحتلة، حيث لم يعن انتهاء زمن اﻹدارة المدنية اﻹسرائيلية انتهاء دور دولة الاحتلال في بث سمومها في المناهج التعليمية الفلسطينية، ويتم ذلك عبر الحصار العلمي والمعرفي واﻷكاديمي وملاحقة اﻷكاديميين وتقييد المحتوى المعرفي الذي يتلقاه الطالب خلال سنوات تعلمه، وتجد سلطات الاحتلال وسائل لنفاذ رقابتها على المناهج التعليمية، كونها تحدد وتتحكم في مصادر الاقتصاد والدعم الذي يوجه لقطاعات التعليم والتربية.

كذلك رأينا عبر الكثير من اﻷمثلة في المناهج التعليمية للدول العربية التي تقع تحت حكم الاستبداد، الكثير من المحتويات التي تؤله القائد الخالد وترفعه إلى منزلة إله العلوم والمعارف ومنتهاها، وقامت أجيال بترديد اﻷناشيد والقصائد التي تسير في هذا الاتجاه وحفظتها حتى باتت تتلى منهم وعليهم آناء الدراسة وأطراف التعليم.

نموذج رفع مستوى التنافسية للمؤسسات التعليمية واﻷكاديمية في الدول العربية، أتى عبر مبادرات ذاتية من أكاديميين ومعلمين، قرروا ابتكار نماذجهم الخاصة للارتقاء بأدوارهم مهما كلفهم ذلك من عداء للسلطة

إن الواقع العلمي والمعرفي الذي يعاني من بسط سلطة ونفوذ الحاكم المستبد وسلطات الاحتلال لا يعول عليه في إفراز منتجات فكرية ومخرجات معرفية وعلمية تنهض بالبلاد والعباد، هذا إن لم تتم ممارسة درجة من الاستقلالية للقطاع التربوي والتعليمي واﻷكاديمي بعيدا عن سياسات الدول وتسلط حكامها على محتويات ومجريات تلك العملية. وهنا لا بد من اﻹشارة إلى قوة مجموع طواقم المعلمين واﻷكاديميين في مواجهة هذا الخنق والحصار، عبر نقابات مستقلة أو تشكيل جماعات ضاغطة من أجل انتزاع حقوقها في الاستقلالية ورفع جودة المحتوى اﻷكاديمي ومستوياته كي ترقى للحركة التعليمية والتربوية العالمية في دول النهوض الفكري والحضاري.

إن نموذج رفع مستوى التنافسية للمؤسسات التعليمية واﻷكاديمية في الدول العربية، أتى عبر مبادرات ذاتية من أكاديميين ومعلمين، قرروا ابتكار نماذجهم الخاصة للارتقاء بأدوارهم مهما كلفهم ذلك من عداء للسلطة السياسية والدينية والمجتمعية، إلا أن تلك الحركة يمكن رفع مستوى تأثيرها ومساحتها عبر النهوض بمستويات المسؤولية الذاتية لدى الشخصيات والمؤسسات الحقوقية والقانونية والتشريعية وضرورة خوضها المعركة جنبا إلى جنب مع مدخلات العملية التعليمية في مواجهة سلطات الاستبداد أو الاحتلال.

كاتبة وباحثة من فلسطين

17