العملية السياسية في العراق تواجه أكبر تحد منذ سنة 2003

أغلب القوى السياسية العراقية، وإن تفاوت مقدار الضرر الذي سيلحقها بفعل أيّ تغيير حقيقي لطبيعة العملية السياسية والنظام القائم في البلاد، تشترك في الخوف من الإصلاح، ما يجعلها في حالة من الفصام بين إظهار الحماس للتغيير، والعمل في الخفاء على تعطيله وإفراغه من محتواه.
الأربعاء 2016/03/30
كتل سياسية لا تستطيع ممانعة الإصلاح

بغداد - دخلت مختلف القوى السياسية العراقية في سباق محموم ضدّ الساعة لترتيب الأوضاع في ما بينها، مع اقتراب موعد انتهاء المهلة الممنوحة من مجلس النواب لرئيس الوزراء حيدر العبادي حتى الخميس لتقديم تشكيلته الوزارية الجديدة والتي يفترض -نظريا- أن تتكون من وزراء تكنوقراط.

وأكّدت مصادر سياسية عراقية أنّ الاتصالات والمشاورات لم تنقطع بين مختلف الأحزاب المشاركة في العملية السياسية، كون الجميع باتوا يستشعرون مخاطر على مواقعهم التي يحتلّونها بفضل نظام المحاصصة في نطاق العملية السياسية التي أطلقها الاحتلال الأميركي للعراق سنة 2003.

وباتت جهات عراقية تشير علنا إلى استحالة استمرار تلك العملية السياسية بشكلها الحالي اعتبارا للوضع الكارثي الذي أنتجته على مختلف الصعد الاجتماعية والاقتصادية والأمنية وأصبحت الدولة العراقية معه تواجه محاذير الانهيار.

وعبّر بشكل واضح عن تلك الاستحالة، القيادي في الجبهة العراقية للحوار الوطني حيدر الملا بالقول إنّ “من يعتقد أن العملية السياسية الآن سوف تستمر على ذات النسق الذي سارت عليه طيلة السنوات الماضية، واهم”، مضيفا في بيان أعلن خلاله مساندة الجبهة لحركة الاحتجاج في بغداد وعدّة محافظات “نحن أمام منعطف ومتغير كبير وكي نتعامل مع الواقع الجديد علينا أن ندرك حقيقة مفادها أن الإسلام السياسي الشيعي والتطرف المقابل له وما أنتجاه من سياسات ضيقة الأفق وانتقامية كانت السبب المباشر فيما وصلنا إليه”.

وتواجه الكتل السياسية العراقية معضلة تتمثل في كونها لا تستطيع ممانعة الإصلاح علنا فتكون بذلك في مواجهة مباشرة مع الشارع الغاضب والمطالب بالتغيير، ولا تستطيع مسايرة الإصلاح بشكل فعلي على اعتباره يستهدفها هي بالذات، ويهدّد العملية السياسية التي جاءت بها إلى السطلة ومنحتها مواقع فيها.

فرقتهم المكاسب وتجمعهم الخسائر

والمهلة الممنوحة لرئيس الوزراء من قبل البرلمان بحدّ ذاتها، مظهر لتخبّط القوى السياسية العراقية أمام “خطر” التغيير الذي يداهمها، فالقوى السياسية الحاضرة تحت قبة مجلس النواب والمعلنة لدعمها للتغيير، هي ذاتها الممانعة له في اجتماعاتها الحزبية خلف الكواليس وخلال اتصالاتها التي نشطت بشكل لافت هذه الأيام.

وتتفاوت القوى السياسية العراقية في الخوف من الإصلاح بحسب مقدار الأضرار التي ستلحقها منه. وأكبر المتضرّرين الأحزاب الشيعية الممسكة عمليا بزمام السلطة.

ومن المفارقات أن الضرر يلحق أيضا تيار الزعيم الشيعي مقتدى الصدر الذي يقدّم نفسه زعيما للإصلاح بقيادته حركة الاحتجاج في الشارع ومن ضمنه الاعتصام الذي بدأه الأحد داخل المنطقة الخضراء. ومن هذا المنطلق يعمل الصدر على إنجاز تغيير سياسي متحكم فيه بحيث لا يخرج السلطة من أيدي الأحزاب الشيعية، وإن كان لا يستثني العمل على إعادة ترتيب مكانة تلك الأحزاب ومواقعها في الحكم، من خلال الحدّ من نفوذ حزب خصمه وغريمه نوري المالكي زعيم حزب الدعوة الإسلامية وقائد الكتلة البرلمانية الأكبر دولة القانون.

ولمواجهة هذا التحدّي غير المسبوق، لجأ نوري المالكي لاستخدام نفوذه الحزبي، مستغلا ارتباك رئيس الوزراء الحالي حيدر العبادي وحاجته الشديدة لدعم حزب الدعوة الإسلامية الذي ينتمي إليه ويقوده المالكي، في مواجهة الورطة التي وقع فيها بفعل عجزه من جهة عن تمرير تعديل وزاري عميق مقنع للشارع الغاضب، وعجزه أيضا عن التراجع عن التعديل الذي أعلن عنه.

حيدر الملا: واهم من يعتقد أن العملية السياسية ستستمر على ذات النسق

وبحسب مراسل وكالة العباسية نيوز في بغداد، فإن المالكي نجح في كبح جموح العبادي والحدّ من طموحاته الإصلاحية وأعاده “نادما” إلى صفوف الحزب ليضع مرشحيه لتولي وزارات حكومته المرتقبة في “سلة المالكي” ليختار منهم ما يشاء.

وحتى لا يقال إن حزب الدعوة وحده صاحب القرار فقد طلب نوري المالكي من العبادي أن يعلن عن تشكيل لجنة ثلاثية يتولى أعضاؤها تقييم المرشحين للكابينة الوزارية الجديدة واختيار من يرونه مناسبا، والثلاثة هم فالح الفياض القيادي في حزب الدعوة ومستشار الأمن الوطني، وهادي العامري زعيم ميليشيا بدر الشيعية المتشددة، وحميد معلة القيادي في المجلس الإسلامي الأعلى.

ووفق هذه الصيغة التي اعتمدها العبادي تكون مهمة لجنة الخبراء التي شكلها في وقت سابق برئاسة النائب مهدي الحافظ لترشيح الوزراء الجدد قد انتهت ولم تعد لها صلاحية البتّ في هذا الأمر.

ويعتقد الناشط السياسي سالم الحميري أن مهدي الحافظ المعروف بنزعته اليسارية لم يضع في اعتباره، وهو يخوض مع زملائه أعضاء لجنة الخبراء في ترشيح أسماء لشخصيات أكاديمية وتكنوقراط، أن حزب الدعوة سيكون صاحب القرار الحاسم والنهائي في الاختيار.

ويضيف أن قادة الحزب لم تعجبهم الأسماء التي اقترحتها لجنة الحافظ لأن تلك الأسماء موسومة بالعلمية والاستقلالية السياسية وأغلبها من أساتذة الجامعات والأكاديميين والمتخصصين في مجالات عمل محدّدة، فيما حزب الدعوة لا يطيق مثل هذه النماذج المنفتحة، وقد وضح ذلك في حديث زعيم الحزب نوري المالكي الأحد الماضي عندما هاجم أولئك الذين يقولون إنّ حزبه خال من التكنوقراط مدّعيا أنه مليء بهم قائلا “لدينا المئات من الأطباء والمهندسين وأصحاب الشهادات العليا”.

ويشير سالم إلى أنّ مصطلح التكنوقراط ملتبس في منظور حزب الدعوة الذي يعتقد أن كل صاحب شهـادة عـالية هو تكنوقراط بغض النظر عـن خبرتـه وتجربته، والمهم عنده أن يكون من جماعة الحزب أو متعاطف معه.

ووفق مراقبين سياسيين فإنّ تقييمات اللجنة الثلاثية ستؤدّي إلى إفراغ التعديل الوزاري المرتقب من محتواه لأن أعضاءها معروفون بتشددهم الطائفي وخصوصا زعيم ميليشيا بدر هادي العامري الذي ظهر خلال اجتماع اللجنة مع رئيس مجلس النواب سليم الجبوري وكأنه رئيسها والمتحدث باسمها في حين كان الفياض ومعلة مجرد مستمعين.

3