العمل الأدبي بين السيرة الذاتية والمخيال الإنساني

الأعمال الأدبية هي وليدة المخيلة بالضرورة، حيث لا يمكن لكاتب أن يقدم نصا أدبيا جيّدا دون مخيلة قادرة على ربط عناصر النص الذي يقدمه، وتحويلها إلى عالم أو عوالم أمام القراء أو المتلقين. وإقرارنا بأن العمل الأدبي هو ابن المخيلة بالضرورة، فإنه يمتزج كذلك في أغلب الأحيان بعناصر من حياة الكاتب الخاصة، سواء ممّا عاشه هو نفسه أو ممّا مرّ به وتأثر به من أحداث وتفاصيل من الواقع. بين الواقع الذاتي والخيال، نتساءل اليوم عن الروايات العربية التي تكتب بين هذين الضفتين إلى أي منهما تميل.
السبت 2016/10/08
صورة الروائي بين الواقع والخيال

ما إن تلمع فكرة الرواية في مخيال الكاتب حتى يبدأ بالبحث عن ارتكازات لها من خلال أحداث مرّ بها أو تفاعل معها في حياته الشخصية على الصعيد الخاص أو الجمعي، فتبدأ الدوائر السردية تتجه في انطلاقتها من الخاص إلى العام أو العكس، وصولا إلى المخيال التام.

دائما يمرر الكاتب ملامح من ذاته، إن لم تكن مساحات واسعة من حياته عبر شخوص أعماله، وقد يتفق مع تلك الشخوص أو يختلف، وهذا ما يمكن الوقوع عليه من قِبَل قارئ مهتم فيتم اكتشافه بسهولة بعد البحث والتمحيص في ثنايا سنوات حياة كاتب النص، ولذلك تبدو مهمة التفتيش بين التقاطعات التي يفصح عنها الكاتب من سيرته الذاتية عبر فصول عمل ما، مهمّة شاقة، لما تحتويه من ضرورات البحث والمعلومات التراكمية التي غالبا لا تكون متاحة بسهولة، خاصة عندما يتعلق الأمر باتجاهات فكرية دينية أو سياسية عميقة، أو عندما يتصل الموضوع بارتباكات جنسية معيّنة.

تفاصيل كاملة

هنا يبرز السؤال: إلى أيّ مدى تُشكِّل معرفة تلك التفاصيل أرضية صلبة لفهم النص الأدبي ومقولاته بين الدال والمدلول؟ للإجابة عن هذا السؤال يمكن استعراض البعض من التجارب الأدبية، من مشارب مختلفة ترك أصحابها -دون إعلان في البعض من الأحيان- جوانب من سيرهم الذاتية، فأنتجوا أعمالا أدبية كانت علامات فارقة في محيطهم السردي الخاص بالرواية العربية الحديثة.

الروائي والكاتب الأردني المقيم في الإمارات العربية المتحدة زياد أحمد محافظة، تبدو السيرة الذاتية عنده غائبة تماما في أعماله الأدبية، خلال إصداره الروائي الثالث “أنا وجدي وأفيرام”، وغياب السيرية عند محافظة مردُّه إلى لجوء الكاتب نحو عوالم غرائبية سحرية في الغالب؛ كأن تكون المقبرة مسرحا للأحداث وأبطال الحكاية هم الأموات كما في روايته “نزلاء العتمة” الفائزة بجائزة أفضل عمل روائي خلال فعاليات معرض الشارقة للكتاب عام 2015، أو أن يكون مقهى في جبل اللويبدة بالعاصمة الأردنية مكانا لتشابكات سردية يعلن من خلالها الأبطال قرب اندثار صورة المدينة التي عرفوها كما في عمله الأخير “أفرهول”.

بينما تظهر السيرة الذاتية بشكل واضح وجلي في رواية زياد محافظة “أنا وجدي وأفيرام”، العمل الذي يقرّ كاتبه في بدايته بأنه مخطوط لذاكرة قريب له، قرّر أخيرا أن يروي قصة عودته نحو فلسطين، الفردوس المفقود، أمام تلك الصدقية -ربما- لم يجد الروائي بدّا من تضمين فصول من طفولته الذاتية في مواجهة الوطن المحتل، ومشاهد أخرى من لقائه مع البطل أمام اتحاد كتاب وأدباء الإمارات في العاصمة أبوظبي، لكن بالرغم من هذا فإن الملامح الشخصية للكاتب لا تظهر بالقدر الذي يمكن توصيفه بالكشف الذي يمكن أن يؤدّي إلى رسم ملامح حياة الكاتب من خلال أعماله الأدبية.

على العكس من زياد محافظة يبدو الكاتب السوري المقيم في كندا، عبدالرحمن مطر، في عمله الروائي “سراب بري”، ضمن صورة خالصة عن حياته الشخصية بداية من مراحل الطفولة الأولى وانتهاء بفترات اعتقاله المختلفة في سوريا أو ليبيا، فالمكان عند مطر يتخذ بعدا جديدا بوصفه مساحة يتورط فيها البطل على مستويين، الأول ذاتي يتعلّق بالبدايات والثاني جمعي ينسجم مع علاقات الراوي ضمن مجتمع يخضع لسلطة الاستبداد.

كذلك في الرواية الفائزة بجائزة ابن بطوطة للرحلة العربية في عام 2015، “أجنحة في زنزانة” للناقد والكاتب السوري المقيم في ألمانيا مفيد نجم، فهذا العمل لا يخص الراوي وحده بل يتّصل بمحيط متكامل يبدأ في خطوته الأولى من عائلة صغيرة ابتعد عنها مفيد لمدة عقدين من الزمان بسبب اعتقاله السياسي، والثاني يتمّ بناؤه مع المجتمع الصامت على بنية الفساد والاستبداد معا، يمكن التقاط مفاصل حياة مفيد نجم الشخصية وأبرز مراحلها بين فصول العمل الذي يسير أيضا على مستويات عدّة أبرزها تأريخ المكان المُغلَق للسجن وتأريخ الفضاء خارجه، ذلك الفضاء المُتمثِّل في الشام، وقد سألت الكاتب عقب مغادرته سوريا بسنوات قليلة قبل الثورة السورية عن آخر شيء فعله في الشام، بعد حصوله على الموافقة الأمنية لخروج نهائي دون عودة إلى البلاد، فقال إنه لم ينم على مدى يومين، فقد ظلّ يمشي في أحياء المدينة العتيقة ناهلا من صورها ما استطاع تخزينه زادا لسنوات عجاف ستمرّ في ما بعد، هكذا يمكن فهم تأخّر مفيد نجم لمدة عشرين عاما أخرى حتى كتابة فصول التجربة التي جاءت بلَبوس عمل أدبي.

ربما هو الخوف الدفين من مواجهة الذات لذلك نراه يلجأ في مطلع “أجنحة في زنزانة” إلى الفصل بينه وبين أناه بوصفها آخرا يحدثه، بالطبع لقد أغفل كل من مفيد نجم وعبدالرحمن مطر جوانب عديدة من حياتهما الشخصية العميقة عن أنظار القراء رغم ظهورها بين السطور بإشارات مررها العقل الباطن لكاتب لم يستطع أن يتخلص تماما من الذاكرة المتعبة.

السيرة المتخيلة

عبدالرحمن مطر وزياد محافظة وحازم كمال الدين ومفيد نجم: السيرة الذاتية تؤثر على العمل الروائي

على النقيض مما سبق يلجأ الكاتب العراقي المقيم في بلجيكا حازم كمال الدين إلى الإمساك بخيوط السيرة الذاتية دون إضاعتها، فالسيرة الذاتية عنده ليست خاصة بمعنى أنها عبارة عن تجارب متنوعة لأماكن ومدن وسجون وأشخاص قابلهم الكاتب في حياته التي امتدت عبر العديد من دول العالم، فبدءا من مجموعته العربية الأولى “عند مرقد السيدة” ومرورا بروايته “كبارهيت” وانتهاء بعمله الأخير “مياه متصحرة” الذي ظهر في القائمة الطويلة لجائزة البوكر العربية.

يلجأ كمال الدين إلى التكثيف والانشطار في آن معا على مستوى الشخصية الواحدة، ورغم وجود الذاكرة الشخصية له إلا أنه من الممكن اكتشاف آخرين من الأهل والأصحاب، يختبئون خلف عباءة البطل الرئيسي في العمل، وربما لهذا السبب يلجأ الكاتب إلى عوالم غرائبية سحرية تستند إلى سحر الشرق كما في حالة “ألف ليلة وليلة”، أو “رسالة الغفران” في الحديث عن مرحلة ما بعد الحياة التي نعرف.

ما يحكم تلك الأمثلة من الأعمال الأدبية التي أوردتها، هو الصدقية الواضحة في التعاطي، الصدقية على مستوى الحدث والعاطفة دون المساس ببنية الرواية الأدبية من حيث الحدث والتعاقب. نقيضا لهذا التوصيف هناك ما بات يُعرف بالسيرة المتخيلة، وهي ضرب من القصص التي تملك في البعض منها ارتكازات حقيقية من مسيرة الكاتب ولكن في معظمها لم تحدث، في هذا الإطار تبرز رواية “الفتنة” لكنعان مكية التي حاول من خلالها تقديم صك براءة لنفسه من جريمة احتلال العراق وتفتيته عام 2003.

في هذا النوع من الأعمال الأدبية تبرز اللغة الأدبية الفاتنة والحبكات الأدبية الممتدة من خلال خيوط درامية لا تتوقف إلا في نهاية الرواية التي غالبا ما يلجأ صاحبها إلى الكولاج باعتباره بابا يمكن من خلاله تضمين البعض من فصول السيرة الذاتية ضمن عمل متخيل بالكامل.

لا يمكن الجزم بصحة السيرة الذاتية الواردة في أي عمل أدبي ما لم يكن هناك إقرار واضح من الكاتب بأن كل ما هو وارد في النص حقيقي، وهذا سيضع الكاتب أمام مساءلات كثيرة نظرا إلى أن الروائي لا يعيش في عالم معزول عن محيطه، وفي السياق ذاته تمكن دراسة أيّ عمل أدبي وإخضاعه للمدارس النقدية ذات الصلة لاكتشاف الذاتي من المتخيل.

15