العمل الإعلامي بمزاج

الأربعاء 2016/03/02

وافقت بسرعة على طلب مدير أحد المراكز الإعلامية الخاصة، أن أستقبل عددا من طلبة دورة تدريبية مدفوعة الثمن تنظم للراغبين في تعلم إحدى المهن الإعلامية، تستغرق أربعة أسابيع تتضمن دروسا نظرية يلقيها محترفون ترافقها ممارسات عملية تطبيقية.

وقد زارني عشرة من أولئك المتمرنين، من الجنسين، يرغبون في الاطلاع على بعض ممارساتي الإعلامية وتجاربي التي قد تنفعهم في ما هم مقدمون عليه. وقد تحول لقاؤنا إلى سؤال وجواب بيننا، وكنت أنا أسأل أكثر لأعرف من هم؟ وماذا يدرسون؟ وكيف؟ ولماذا التحقوا بهذه الدورة التي تكلفهم نصف مدخولهم الشهري؟ وهل يريدون تطوير مهاراتهم الإعلامية للعمل في مجال الإعلام؟

وقد أدهشني أن أكتشف أنهم أصلا ليسوا إعلاميين، فجميعهم يعملون في مهن خاصة بعيدة كل البعد عن الإعلام، فأحدهم محلل كيمياوي في مختبر طبي، واثنتان مساعدتان في مستوصف خاص وواحدة صيدلانية، وأحدهم حرفي يصنع الستائر المنزلية وأكد لي أن دخله جيد جدا، وواحدة مدرسة لغة إنكليزية، وأخرى سكرتيرة في شركة خاصة نشطة، وآخر يعمل في شركة سفريات يملك حصة فيها، وهكذا.

وأردت أن أعرف منهم دوافعهم للالتحاق بدورة متخصصة بالمهن الإعلامية مقابل أجور غير قليلة؟ فكان جوابهم شبه موحد: الإعلام حلو .. نحب الإعلام … لدينا شيء نريد أن نقوله … نريد الشهرة … يعجبني أن أكون محررة …. أريد أن أكون مقدم برامج …. أنا شكلي حلو وماما قالت أصلح مذيعة … وأخرى قالت: في الحقيقة أنا أريد أن أكون ممثلة ولكن أهلي لم يوافقوا فقررت أن أصير مذيعة … !

بعدها عرضوا عليّ بعض ما أنجزوه في دورتهم من تطبيقات عملية ـ ليس فقط نصوص الأخبار وتقارير ومقالات مكتوبة على الورق، وإنما أيضا مقاطع مرئية، على شكل استطلاعات في الشارع أو مقابلات مع مواطنين أمام الكاميرا وفي الطريق العام، وينبغي أن أعترف بأن بعض تلك المقابلات والحوارات “التدريبية” أمام الكاميرات كانت موفقة إلى حد كبير مقارنة مع بعض ما نراه على شاشات فضائيات تلفزيونية ترفدنا بأشباه المحترفات اللواتي لا يملكن حضورا ولا لباقة، ولا لغة، ولا مخارج ألفاظ، ولا ثقافة، ولا حسن إدارة للحوار ولا حتى في اختيار المواضيع!

تلك الإعلاميات الهاويات اللواتي تحت التدريب حرصن على اختيار موضوعات من واقعهن المعيش، فإحداهن أجرت استطلاع رأي حول جدية العقاقير البديلة، والثانية استطلعت إشكالية عقبة السكن أمام زواج الشباب ـ فكان حوارهن ناضجا وحثيثا للوصول إلى مقولة مفيدة ـ وكان تعاملهن مع الكاميرا والميكرفون والضيوف مقنعا وواعيا، حتى أنني عرضت عليهن العمل في إحدى الفضائيات!

وقد فاجأني رفضهن واكتشفت أن هذه المجموعة لا تبحث عن فرصة عمل في أي مؤسسة إعلامية بعد إنهاء الدورة التدريبية في خصائص العمل الإعلامي … فما الهدف إذن من الانخراط في دورة إعلامية؟

علمت من الفتيات أنهن أقارب وصديقات يعشن في منطقة واحدة ويعملن في أماكن متقاربة، ويعشقن العمل الإعلامي، فهو جذاب وممتع حسب رأيهن، ولكن لديهن مهن ووظائف مقبولة ومحترمة لا يرغبن في التخلي عنها، فابتكرن نشاطا إعلاميا يشبع رغبتهن وهوايتهن، وهو أن يقنعن أصحاب الشركات والمراكز التجارية أو الصحية التي يعملن بها بإنشاء “ملحقيات إعلامية” للإرشاد والترويج والمعلومات دون أجور إضافية على مرتباتهن.

وتطور طموحهن إلى تأسيس مشروعهن الإعلامي الخاص، وهو إطلاق موقع إعلامي على الإنترنت، قناة إعلامية إلكترونية، تنطلق من أحد بيوتهن، يحررن أخبارها ومواضيعها وينشرن عليها الصور والمعلومات والشؤون الاجتماعية والصحية المفيدة والطرائف والنصائح المنزلية والتربوية، ويقدمن الاستشارة لمن يرغب، وينشرن حتى مقابلات وفقرات بالصورة والصوت!

وقد أسعدهن النجاح المتنامي الذي حققه الموقع الإلكتروني بعد أن انضم إليهن بعض الشباب. ولزيادة التأهيل قررن الانضمام إلى دورة تدريبية إعلامية متقدمة، بالرغم من أنهن لا يعتبرن أنفسهن محترفات وإنما إعلاميات “بمزاج”.

18