العمل الجمعياتي في تونس بديل ناجع أم «بزنس» سياسي

سليم بن حسن رئيس جمعية "عيش تونسي" يرى أن الانقسام في تونس ليس مناطقيا بقدر ماهو انقسام بين مجتمع يشعر بالظلم وبين نخبة لا تتوفر فيها شروط النخبة.
الاثنين 2019/07/15
ورقة حمراء لجميع السياسيين

يلعب المجتمع المدني في تونس منذ اندلاع ثورة يناير دورا فاعلا في حماية المسار الانتقالي وإنجاح العملية الديمقراطية بعد أن تخلص من قيود النظام السابق، غير أن قرار جمعية حديثة العهد مثل “عيش تونسي” في المشاركة في الانتخابات أثار جدلا واسعا في تونس أمام اتهامات لأعضائها باستغلال العمل الجمعياتي لدخول عالم السياسة. وفي حواره مع “العرب” شرح رئيس جمعية “عيش تونسي” سليم بن حسن أهداف الجمعية وحقيقة طموحها السياسي واللغط الذي أثير حولها.

تونس – أثار إقرار تعديلات على قانون الانتخابات التونسي جدلا سياسيا واسعا في البلاد وسط اتهامات بأنه يؤدي إلى إقصاء مرشحين بعينهم للرئاسة أو في السباق التشريعي ممن وضعتهم نتائج سبر الآراء الأخيرة في مراتب متقدمة، قبل خمسة أشهر من موعد الانتخابات.

وتُقر التعديلات الجديدة، التي زكتها الثلاثاء لجنة مراقبة دستورية القوانين، عتبة انتخابية بـ3 بالمئة في الانتخابات التشريعية، ومنع ترشّح كل من ثبتت استفادته من استعمال جمعية أو قناة تلفزيونية للإشهار السياسي (الدعاية السياسية) أو كل من مجّد الدكتاتورية أو توجّه بخطاب يدعو للكراهية والعنف.

ومن ضمن المستهدفين في التعديلات، جمعية “عيش تونسي”، التي فاجأت الطيف السياسي والحزبي باحتلالها المرتبة السادسة بـ5.4 بالمئة في نوايا التصويت للانتخابات التشريعية، فالجمعية التي ظهرت في فترة قصيرة (منذ عام تقريبا)، أفصحت عن نواياها خوض السباق التشريعي ولم لا الرئاسي، حال حظيت بتأييد الشارع.

اتهمت شخصيات سياسية وإعلامية في تونس جمعية “عيش تونسي” بالتحايل على التونسيين وبمحاولات التلاعب بعقولهم بهدف تحقيق مآرب انتخابية وسياسية

هذا الطموح الانتخابي يراه مؤيدو التعديلات انحرافا عن مسار العمل المدني الموكلة إليه مهمة القرب من المواطن وتوعيته بحقوقه وواجباته التي يضمنها له الدستور ومراقبة سير العملية الديمقراطية، إذ لم يتقبل هؤلاء إقحام جمعية مثل “عيش تونسي” بالعمل السياسي خاصة وأن الشكوك تحيط بمصادر تمويلها.

وفي حواره مع “العرب” أوضح سليم بن حسن رئيس جمعية “عيش تونسي” أن الفكرة انطلقت من واقع التونسيين ومن حجم الانقسامات التي لاحظها على مدى خمس سنوات في تونس. ويعتقد بن حسن أن الانقسام في تونس ليس مناطقيا بقدر ماهو انقسام بين مجتمع يشعر بالظلم وبين نخبة لا تتوفر فيها شروط النخبة، لذلك يشعر التونسيون أنهم مهمشون.

 أمام هذا الواقع كانت فكرة جمعية “عيش تونسي” التي تقول إن هدفها الرئيسي هو استرجاع البلاد من السياسيين الذين أساؤوا إدارة شؤونها وفشلوا في الإيفاء بوعودهم للشعب.

القانون الانتخابي

سليم بن حسن: القانون الانتخابي استهداف للأشخاص الذين احتلوا مراتب متقدمة في سبر الآراء، وانقلاب على المسار الديمقراطي
سليم بن حسن: القانون الانتخابي استهداف للأشخاص الذين احتلوا مراتب متقدمة في سبر الآراء، وانقلاب على المسار الديمقراطي

تطرح تعديلات القانون الانتخابي شروطا جديدة على المرشح بينها عدم قيامه بتوزيع مساعدة مباشرة لمواطنين أو استفادته من دعاية سياسية أو من ثبتت استفادته من استعمال جمعية بشكل فردي خلال الـ12 شهرا التي سبقت الانتخابات. والنص الجديد يمكن أن يحول بشكل خاص دون ترشيح قطب الإعلام نبيل القروي، إضافة إلى امرأة الأعمال ألفة التراس رامبورغ وهي العضو المؤسس لجمعية عيش تونسي.

ويرى سليم بن حسن أن الهدف من وراء تعديل القانون الانتخابي إقصاء جمعية “عيش تونسي” ومنافسين آخرين من خارج السلطة. ويقول “هذا قانون رجعي وضد المعايير القانونية والتاريخية وكان الأجدر المحاسبة على المستقبل وليس على ما مضى”.                           

ويتساءل بن حسن كيف بإمكان الأحزاب، التي عجزت عن سن محكمة دستورية، حماية الديمقراطية وفق ما بررته حين اختارت المضي في التعديلات، ويؤكد أن الأهم بالنسبة للمسار الانتقالي في تونس هو دستورية القوانين، لكن في الواقع لا تريد النخب الحاكمة حماية الديمقراطية ولا ترغب أصلا في الذهاب إلى الانتخابات، بل الوصول إلى الحكم بسهولة ودون الاكتراث لصوت الشارع. ويذهب بعض المراقبين إلى القول إن التشكيلات الجديدة بالمشهد الانتخابي في تونس قد أربكت الأحزاب الحاكمة أمام انقلاب لافت أظهرته نوايا تصويت التونسيين للانتخابات التشريعية والرئاسية المقررة بالبلاد نهاية العام الجاري، وهي توجهات قد تنذر حال تجسدها، بتراجع الأحزاب والشخصيات التقليدية. ويستنتج هؤلاء أن القانون الانتخابي والتوقيت الذي سن فيه، هدفهما أساسا إزاحة خصوم سياسيين.

ويعتبر بن حسن أن القانون الانتخابي هو استهداف مباشر للأشخاص الذين احتلوا مراتب متقدمة في سبر الآراء. ووصفه بمثابة انقلاب على المسار الديمقراطي وعلى إرادة التونسيين الذين سئموا الوعود الحزبية والخطابات السياسية الفضفاضة.

ولن تثني التعديلات جمعية “عيش تونسي” عن المشاركة في الاستحقاقات الانتخابية القادمة. ويؤكد بن حسن أن الجمعية ستخوض غمار السباق التشريعي حيث معركتها الحقيقية، لكن اشترط كسب تأييد وثقة الشارع للإقدام على هذه الخطوة.. وفي حال رفض الشارع ستتراجع الجمعية عن هذا الطموح.

وبالنسبة للرئاسية، أوضح بن حسن أن ألفة التراس، العضو بالجمعية، لم تعلن بعد نيتها الترشح على عكس ما راج في وسائل إعلام محلية، لافتا إلى أن هناك أعضاء داخل الجمعية لديهم نفس الطموح، وستخضع عملية اختيار المرشح المناسب إلى منافسة سليمة والأهم إلى تصويت المصادقين على وثيقة توانسة.

حسب بن حسن، كان ظهور جمعية عيش تونسي مع إعلانها عن وثيقة توانسة بمثابة أكبر استشارة في تاريخ تونس قامت بها الجمعية منذ أشهر. وتتضمن 12 إجراء استعجاليا وقع تحريرها بعد الرجوع إلى مطالب 400 ألف تونسي. وتشمل إجراءات لمحاربة الفساد وغلاء المعيشة والصحة العمومية وحماية المتقاعدين إضافة إلى الحد من العنف (السطو والسرقة) والتحرش. وتعد مقترحاتها بمثابة بديل عن برامج الأحزاب السياسية التي يتهمها التونسيون بالفشل.

ويعتقد بن حسن أنه بوسع “عيش تونسي” أن تكون بديلا ناجحا يقنع التونسيين، خاصة وأن الجمعية لها طريقة عمل مختلفة مقارنة بالأحزاب فهي أكثر تواصلا مع الشباب وتتنقل بشكل ميداني إلى الجهات المهمشة طيلة الأشهر الأخيرة الماضية لإقناع المواطنين بالتوقيع على الوثيقة، فيما كانت خطوات الأحزاب الحاكمة هناك محدودة.

ويرى أن أول خطوة لتجاوز الأزمة هي القطع مع عقلية “الراعي والرعية” وتقديم وعود زائفة وشعارات فضفاضة. فقد تبين مع الوقت أن هذه السياسة فاشلة بل دخل التونسيون في قطيعة مع المؤسسات. وعليه استنتج أن “الوقت قد حان ليمسك المجتمع بزمام الأمور ويتحمل المسؤولية، لذلك نقول إن حل الأزمات بيد التونسيين أنفسهم، ووفق هذا المبدأ تعمل جمعية ‘عيش تونسي'”.

لكنّ منتقدي “عيش تونسي” والمشككين في مصداقيتها اتهموا الوثيقة بالشعبوية والسطحية وبمحاولة استقطاب الشباب لتحقيق مكاسب انتخابية وبالتحيل على التونسيين تحت يافطة العمل الجمعياتي، خاصة بعد أن أبانت عن رغبتها في التحول من النشاط الجمعياتي التطوعي إلى مشروع سياسي.

اتهامات بالجملة

نبيل القروي أحد المعنيين بالقانون الجديد
نبيل القروي أحد المعنيين بالقانون الجديد

اتهمت شخصيات سياسية وإعلامية في تونس جمعية “عيش تونسي” بالتحايل على التونسيين وبمحاولات التلاعب بعقولهم بهدف تحقيق مآرب انتخابية وسياسية. وانتقد هؤلاء الدعاية الكبيرة لحملة “عيش تونسي” وهي دعاية غزت محطات التلفزيون المحلية و على يافطات الشوارع، متسائلين عن مصادر تمويلها.

وردا على هذه الانتقادات يقول بن حسن إن هناك قضاء وهناك قانونا ونيابة عمومية، من له أدلة وحجج فليقدمها بل من واجبه كمواطن أن يقدمها. ويتابع “نحن لا نتلقى تمويلات أجنبية، تمويلاتنا تونسية ونعي ما نفعل ونريد المحافظة وحريصون على سيادة بلدنا.. من يشكك في ذلك نحن نؤمن بدولة القانون”.

 وتحيط بالجمعية شكوك حول ارتباطها بمصالح أطراف خارجية في إشارة إلى النفوذ الفرنسي والتبعية له، خاصة وأن ألفة التراس، وهي شخصية غير معروفة وغامضة بالنسبة للتونسيين، هي زوجة لفرنسي ساهم في حملة الدعاية الانتخابية للرئيس الفرنسي الحالي إيمانويل ماكرون.

وينفي بن حسن هذه الاتهامات رغم الجدل المثير حول التراس، ويؤكد أن الجمعية لا تخضع إلى إملاءات خارجية.

وأردف بقوله “أنا مواطن تونسي ورئيس هذه الحركة وأعضاؤها كذلك تونسيون. ولدينا عضو هي ألفة التراس تعرفت عليها عام 2016 أشادت بفكرة ‘عيش تونسي’ واقترحت دعم المشروع ماليا”. وتابع “هي متزوجة من فرنسي وحسب تقاليد بلده ساهم في الحملة الانتخابية للرئيس الفرنسي الحالي، لكنهم اتهمونا بالتبعية وهذا لا صحة له”. ورغم الانتقادات يؤكد بن حسن أن “عيش تونسي” ستمضي في مشروعها وهدفها القائم على إزاحة السياسيين. ويختم حواره مع “العرب” قائلا “نحتاج إلى شجاعة. ولدينا الثقة بأن الحل لا يكون دون التونسيين”.

6