العمل الخدمي لا السياسة عنوان نتائج انتخابات الصحافيين المصريين

تركيبة مجلس النقابة الجديد تمهّد لتناغم غير مسبوق مع الحكومة المصرية.
الاثنين 2021/04/05
تحت السيطرة

أفرزت انتخابات نقابة الصحافيين في مصر التي أجريت الجمعة جملة من المعاني والدلالات التي يمكن البناء عليها لاستشراف علاقة المجلس بالحكومة خلال الفترة المقبلة، بعدما تركزت اختيارات أغلب المصوتين على مرشحي الخدمات، وليس أصحاب الشعارات والمواقف السياسية.

القاهرة – أعلنت اللجنة المشرفة على انتخابات نقابة الصحافيين في مصر فوز ضياء رشوان بمنصب نقيب الصحافيين لفترة ثانية، وهو الذي تربطه علاقات قوية بدوائر صناعة القرار، ويرأس الهيئة العامة للاستعلامات التابعة لمؤسسة الرئاسة، ما يعني أن أغلب أبناء المهنة رفضوا المغامرة والتصويت لمرشح آخر قد يورطهم في صدام مع الحكومة مستقبلا.

ونجح ضياء رشوان قبيل انعقاد الانتخابات بأيام قليلة، في تقديم نفسه كمفاوض جيد مع الحكومة باسم الجماعة الصحافية، حيث وافقت على تحسين الأوضاع الاقتصادية لأبناء المهنة من خلال زيادة البدل النقدي الذي يحصلون عليه شهريا بنحو 20 في المئة.

وجرت العادة أن تفرز الانتخابات مجلس نقابة يكون رئيسه أقرب إلى التناغم مع الحكومة على أن يحتضن المجلس شخصيات تضم تنوعا سياسيا لتحقيق التوازن وتكون النقابة ممثلة لكل الأطياف والتوجهات، لكن هذه المرة تغلبت الخدمات بما يمهد الطريق لموت واحدة من الجبهات الحيوية في الحياة السياسية بمصر.

يحيي قلاش: التأميم الذي تتعرض له المهنة كان السبب في اختيار الخدميين
يحيي قلاش: التأميم الذي تتعرض له المهنة كان السبب في اختيار الخدميين

وأصبح لدى الصحافيين مجلس يتألف من 12 عضوا، بينهم اثنان فقط لديهم توجهات سياسية معارضة نسبيا، مقابل عشرة أعضاء معروف عنهم التناغم مع السلطة، وأغلبهم رؤساء تحرير صحف قومية أو ينتمون إليها.

إذا كانت الأغلبية اختارت مرشحين مقربين للحكومة على رأسهم النقيب ضياء رشوان، فإن ذلك لا ينفي وجود كتلة كبيرة من الصحافيين علديها تحفظات على التقارب بين النقابة والحكومة، حيث حصل رفعت رشاد أقوى منافسي رشوان على 1506 أصوات، مقابل 1965 صوتا للأخير، وهو ليس معارضا، لكن الأصوات التي حصدها تعبر بشكل أساسي عن رفض لمرشح الحكومة.

وعكست النتائج أن أغلب أبناء الجماعة الصحافية فقدوا الثقة بنسبة كبيرة في الدور النقابي لقلعة الحريات، ولم تعد كما كانت في الماضي القريب، تخوض معارك مع الحكومة لانتزاع الحقوق والوقوف بشجاعة ضد أي خطوة من شأنها التأثير سلبا على المهنة والعاملين فيها.

ويصعب فصل اختيارات الصحافيين للأعضاء الخدميين أكثر من السياسيين عن هشاشة الأوضاع الاقتصادية لأغلب أبناء المهنة، وهذه الشريحة لا يعنيها الدور النقابي للكيان على المستوى السياسي بقدر ما تهتم بتحسين ظروفها وانتشالها من دوامة الأزمات المعيشية التي تتعرض لها باستمرار.

وتحول الكثير من أبناء المهنة إلى عاطلين بعدما تعرضوا للفصل التعسفي من بعض المؤسسات الصحافية بدعوى ترشيد النفقات، وأغلقت بعض الصحف التي كانوا يعملون فيها، وهؤلاء لهم حق التصويت في الانتخابات، أيّ أن علاقتهم بالمهنة انقطعت تقريبا إلا من خدماتها الاجتماعية والاقتصادية، في صورة بدل نقدي شهري، أو قروض ميسرة أو علاج بمبالغ رمزية لهم ولأسرهم.

وتدرك هذه الشريحة العريضة أن المهنة تحتضر، وبالتالي لا أهمية تذكر لاختيار مناضلين أو أصحاب توجهات سياسية بعينها، وحتى لو نجح بعضهم فلن يقدموا خدمات أو يجلبوا مكتسبات، لأن علاقاتهم بالحكومة مضطربة، في حين أن العضو القريب من السلطة سيفعل ذلك بسهولة.

واتهم متحفظون على النتيجة دوائر صحافية بأنها حشدت للتصويت لمرشحين بعينهم وإسقاط مناوئين للحكومة، وهي تلميحات تفتقد الواقعية، لأن هناك لجنة قضائية مستقلة أشرفت على الانتخابات، وطريقة التصويت وفرز الأصوات لا تسمح بالتلاعب، أيّ أن اختيارات الصحافيين وحدها كانت الفيصل في مجيء مجلس نقابة بهذه التركيبة.

غاب عن المشاركة في التصويت قرابة 1700 صحافي من المصنفين بأنهم رمانة الميزان للنقابة، وتحجج بعضهم بالخوف من الإصابة بفايروس كورونا، وآخرون برروا المقاطعة بأن الحضور والعدم سواء، لأن المرشحين القريبين من الحكومة سوف تكون حظوظهم أفضل لانغلاق المجال العام واختفاء السياسة واستمرار التضييق على الحريات.

وأكد يحيى قلاش نقيب الصحافيين السابق أن حالة التأميم التي تتعرض لها مهنة الإعلام بشكل عام كانت سببا رئيسيا في تبدل توجهات الجماعة الصحافية، وتركيزهم على اختيار خدميين أكثر من مدافعين عن المهنة، ومقياس تراجع دور قلعة الحريات من عدمه، يرتبط برقابة الجمعية العمومية للأداء النقابي طوال الوقت والضغط على المجلس لتصحيح مساره.

ولفت في تصريحات لـ”العرب” إلى أن العمل الخدمي يفترض أن يكون مفردة في الأداء النقابي، لكن المشكلة الحقيقية أن كل عضو مجلس ينعزل بنفسه ويرأس لجنة أنشطة وينفذ برنامجه بشكل مستقل، ومع الوقت تحولت النقابة إلى مبنى اجتماع، والأخطر عدم اتفاق النقيب والأعضاء على سياسة وبرنامج واحد للدفاع عن المهنة.

Thumbnail

ويرى بعض الصحافيين تحدثت معهم “العرب”، أن برامج أغلب المرشحين هي التي مهدت الطريق لانحياز الجمعية العمومية لمن يقدمون الخدمات، حيث خلت الشعارات السياسية من الدعاية، وأصبحت خيارات أبناء المهنة محصورة في المقارنة بين هذا أو ذاك، حسب الخدمة التي يعد بتقديمها ورصيده السابق في هذا المجال.

وتنوعت الخدمات بين خصومات على وحدات سكنية وسيارات وقروض ميسرة واشتراكات بأسعار رمزية في نواد اجتماعية وتوسيع قاعدة التعاقد مع الأطباء والمستشفيات، ولم تتضمن غالبية برامج المرشحين أي شيء يتعلق بالحريات والوقوف ضد الحبس الاحتياطي للصحافيين في قضايا الرأي.

وقال محمد (ع)، وهو صحافي يعمل بمؤسسة صحافية حكومية كبرى، إن أغلب أبناء المهنة صاروا على قناعة بأن انتخاب أعضاء مجلس لديهم توجهات سياسية مناهضة لن يجلب سوى المزيد من المشكلات، “ومن الجنون التصويت لهذه الفئة للدفاع عن مهنة فقدت بريقها واصطفت أغلب مؤسساتها الصحافية خلف الحكومة”.

وأضاف لـ”العرب”، أن الصحافي الذي صار يعمل في مهنة أخرى لتلبية احتياجات أسرته لا يعنيه بقاء النقابة قلعة للحريات أم لا، بل مصدرا ثابتا للدخل والرعاية الاجتماعية، والصحافي الذي يخشى حبسه قد يصوّت لمرشح متناغم مع الحكومة لتكون لديه فرصة للتفاوض معها للإفراج عن المحبوس، “وهذا واقع لا يمكن إنكاره”.

ويرى مراقبون أن نتيجة انتخابات الصحافيين في مجملها تعكس حالة اليأس والاستسلام التي تسللت لأغلب أبناء المهنة، من إمكانية حدوث تغيير إيجابي في المستقبل القريب من خلال ضغط النقابة لتوسيع هامش الحرية أو وقف استهداف المنتمين إلى المهنة، والأمل الوحيد يتوقف على تحرك الحكومة لتحسين الوضع الراهن.

ويعتقد هؤلاء أن الحسنة الوحيدة التي أفرزتها الانتخابات تصويت الجمعية العمومية للنقابة على سرعة تفاوض المجلس الجديد مع الحكومة لتغيير قانون الصحافة وإلغاء الحبس الاحتياطي في قضايا الرأي والنشر، وإعادة النظر في كل التشريعات الحالية المنظمة للعمل الصحافي، والتحرك نحو التفاوض مع مجلس النواب في أقرب وقت.

ولفت يحيى قلاش إلى أن التصويت على تغيير قوانين الصحافة وإلغاء الحبس، يحمل تكليفا واضحا لمجلس النقابة الجديد، بدلا من التحرك بشكل عشوائي في ملفات أقل أهمية، لكن استمرار انشغال أبناء المهنة بالخدمات وإرهاق أعضاء المجلس لأنفسهم في تنفيذ برامج شخصية، فسوف تكون الفجوة شاسعة بين الحريات والمدافعين عنها.

18