العمل الصحافي رهن تأييد النظرة السياسية للسلطة في تركيا

تحاول الصحف التركية التعامل مع أزمتها المتصاعدة بتأثير انخفاض أسعار صرف العملة، لكن هذه الأزمة تكشف وضعا أكثر صعوبة يتلخص في أن الأزمة الاقتصادية ما هي إلا سبب من بين أسباب عديدة أدَّت لتدهور وضع قطاع الصحافة في تركيا.
السبت 2018/08/25
الصحف التركية بعيدة تماما عن مناقشة أزمة الصحافة المطبوعة في العالم

أنقرة - تأثرت الصحافة التركية بشكل مباشر بالأزمة الاقتصادية التي تجتاح البلاد، وبدأت التداعيات تظهر منذ أشهر مع تحول صحيفة “خبر تورك” إلى النظام الرقمي بشكل كامل والاستغناء عن النسخة المطبوعة، تلتها صحف عديدة اتخذت تدابير أخرى برفع سعر الصحيفة لتستطيع الاستمرار في الصدور.

واضطرت صحيفتا “جمهورييت”، و”سوزجو”، الأسبوع الماضي، إلى رفع سعر النسخة الواحدة بسبب الأزمة الاقتصادية، التي يعاني منها قطاع الإعلام في تركيا بصفة عامة، واضطرت جريدة “آيدِنليك” إلى اتخاذ إجراء مماثل.

حلول آنية

وجَّهت صحيفة “آيدِنليك” في عنوانها الرئيسي رسالة إلى قرائها؛ أعلمتهم فيها أن الجريدة ستتوقف عن إصدار الأعداد المطبوعة حتى تاريخ 25 أغسطس 2018، وجاء في البيان: “سنضطر إلى التوقف عن إصدار الصحيفة بشكلها الورقي لمدة ثلاثة أيام؛ بسبب ارتفاع تكلفة الطباعة، ووجود أزمة في توفير الورق المستخدم في الطباعة. نَعِد قُرَّاءَنا بأننا سنخرج – بدعمهم لنا – من حصار الدولار. ويعمل طاقم العمل في الصحيفة في الوقت الراهن حتى تخرج ‘آيدنليك’ للنور مرة أخرى السبت المقبل الموافق 25 أغسطس بشكل أقوى من ذي قبل”. ولم تكتفِ الصحيفة بهذا الإعلان فقط؛ فقد كتب إيلكر يوجال – وهو من كبار الكُتاب في الجريدة – في عددها الصادر يومي 20 و21 أغسطس عن الأزمة الاقتصادية، التي يعاني منها قطاع الإعلام في تركيا في الوقت الحالي.

وقدّم يوجال بعض المقترحات للخروج من هذا المأزق؛ فذكر، على سبيل المثال، في مقاله المنشور تحت عنوان “اليوم بداية عهد جديد لآيدنليك” أن الصحيفة اضطرت إلى رفع سعر النسخة إلى 2 ليرة؛ بسبب ارتفاع أسعار الورق بنسبة وصلت إلى 300 بالمئة خلال عام واحد؛ الأمر الذي شكَّل عقبة كبيرة بالنسبة لها. وأوضح في مقال آخر بعنوان “لا مكان للصحافة القومية مع استمرار استيراد الورق من الخارج” أن ربط سعر الورق بالدولار كان السبب في ارتفاع الأسعار بمعدل ثلاثة أضعاف.

ولفت الانتباه إلى عدم قدرة الصحف التركية وحدها على حل المشكلة، عبر المساهمة في إنشاء مصنع للورق، وأن الحل يكمن في يد الدولة للقيام بهذا الأمر.

وأشارت صحيفة “آيدنليك”؛ أن من بين المقترحات المطروحة لحل هذه الأزمة أن يساهم ممثلون عن مجلس الصحافة ونقابة الصحافيين بتركيا وجمعية الصحافيين الأتراك في تيسير منح قروض بفوائد ميسرة للصحافة المكتوبة، بالإضافة إلى تجهيز مجموعة أخرى من الحزم التحفيزية لهذا القطاع المهم في الدولة.

وبهذا الإعلان، تكون صحيفة “آيدنليك” قد أعطت لهذه الأزمة بعداً آخر؛ لأنه ينظر إلى هذه الصحيفة بوصفها أحد أذرع الإعلام المؤيد للحكومة التركية. فمن المعروف أن فريق العمل في الصحيفة لم يختلق أي مشكلة في الماضي مع السلطة الحاكمة. وعند النظر إلى الدراسات، التي أجريت على الإعلام في تركيا، يمكن ملاحظة أن صحيفة “آيدنليك” كانت من الصحف التي يصعب تحديد موقفها بسهولة. ومع هذا، ظلت هذه الصحيفة تحافظ في خطابها على انتهاج أسلوب تتحاشى من خلاله الاصطدام بالسلطة، حتى وإن لم تُعَد من الصحف الموالية للنظام الحاكم بشكل صريح، وخاصة أنها واحدة من الصحف التي تستفيد من دعم مؤسسة الإعلام الصحافي.

مسؤولية الحكومة

وبإلقاء نظرة عامة على قطاع الصحافة في تركيا، باستثناء وضع صحيفة “آيدنليك” الخاص، لن يكون من المستغرب أن تستمر صحف مثل “أفرنسال” و”بيرغون” في الصدور؛ فليس لهاتين الصحيفتين دخل واضح، كما أنهما غير واسعتي الانتشار، ولا تحققان توزيعاً مناسبا؛ يُمَكِّنُهما من الاستمرار. أو بمعنى آخر أنهما لا تنتهجان أسلوباً ناقدًا تستطيعان به التأثير على قطاعات الشعب المختلفة.

قطاع الصحافة في تركيا أصبح يُحلِّق بعيداً عن تحقيق المنفعة المجتمعية، التي هي واحدة من أهم واجباته تجاه المجتمع

وما يحيّر في موضوع زيادة أسعار النسخ لصحف “آيدنليك” و”سوزجو” و”جمهورييت” هو أن لدى البعض من السذاجة ما تجعلهم يظنون أن ما يحدث لا يتعدى مجرد أزمة “اقتصادية”، وأن الحل يكمن في مبادرة تأتي من الحكومة التركية، في حين أن الواقع يقول إن الأزمة الاقتصادية ما هي إلا سبب من بين أسباب عديدة أدَّت لحدوث أزمة في قطاع الصحافة في تركيا.

ولا يمكن نفي أنّ جزءاً من المشكلة نتج عن أزمة اقتصادية وعالمية موجودة بالفعل، ولكن السبب الرئيسي يكمن في أن مثل هذه الصحف كانت بعيدة تماماً عن مناقشة أزمة الصحافة المطبوعة في العالم الحديث؛ لأن البناء القانوني والهيكلي الموجود في تركيا في الوقت الحالي لم يعد يواكب النظام “الرقمي” المعمول به حول العالم، وأنه قد أصيب بالوهن؛ لدرجة أصبح معها بعيداً عن مناقشة المشكلات اليومية بشكل واقعي؛ ومن ثم فإن حالة الانكماش التي تتعرض لها صحيفة “سوزجو” ومثيلاتها في الوقت الراهن هي أمر مشابه لحالات كثيرة أخرى على مستوى العالم.

والأكثر من هذا أنّ الأمر لم يرتبط بمرحلة معينة، أو بالاتجاه نحو النشر الإلكتروني وهجر الصحف المطبوعة؛ حيث قامت مراكز الأخبار في الماضي- وبالتحديد منذ عام 1980- بتخفيض أعداد فريقها التقني، مع التطور التكنولوجي في هذا المجال، وهي الآن في طريقها إلى إلغاء مكاتبها كذلك.

لقد صارت “مسألة الوجود” هي القضية الأهم التي تؤرق مهنة الصحافة حول العالم اليوم، حتى وصلنا إلى مرحلة صرنا نقول فيها “هل أنت صحافي، أعانك الله!”، وأصبحنا بذلك بعيدين تماماً عن شكل عمل الصحافيين وطريقتهم في فترة التسعينات.

وصارت المشكلة الأساسية في هذه الصناعة هي أن مسألة ضمان استمرارية الصحافة المطبوعة تتفاوت من مؤسسة لأخرى؛ فيكفي لصحف شهيرة مثل “الغارديان”، أو “نيويورك تايمز” أن تقوم بحملة دعائية للتخلص من هذه الأزمة، ولو بشكل جزئي. أما المؤسسات الصحافية الصغيرة فستظل تعاني دون أن تجد من يمد لها يد العون. هذه هي الحقيقة المؤلمة.

محتوى تجاري

وتقوم الصحف بوضع منشورات ذات محتوى “تجاري بحت” بداخل أعدادها، كمحاولة يائسة منها “لكسب يوم إضافي في طريقها إلى الفناء”.

ويحدث شيء كهذا في تركيا أيضاً؛ فلا تستطيع معدلات البيع على مستوى الصحافة المطبوعة أن توفر الدخل الملائم للكثير من الصحف. ولولا قيام البلديات ومؤسسات الدولة بشراء كميات من هذه الصحف لتوقف إصدار عدد كبير منها منذ فترة طويلة. وتدفع الرغبة لدى القائمين على هذه الصحف في تحقيق كسب مادي – إلى جانب ما يحصلون عليه من مكاسب سياسية – إلى السعي للمحافظة على استمرارية الصحيفة، حتى لو كان ذلك عن طريق الاستدانة أو بالمخاطرة في الاستثمار في العديد من المجالات.

لقد أصبح العمل الصحافي في تركيا رهن تأييد النظرة السياسية للسلطة الحاكمة؛ بحيث أصبح لزاماً على أي صحيفة تود أن تحافظ على استمراريتها أن تعمل في نطاق الأفق السياسي للديمقراطية التركية فقط، وأن تتجاهل أي مادة أخرى صالحة للنشر.

وخلال الأيام السابقة هاجمت الصحافة الموالية للسلطة الحاكمة صحيفة “خبر تورك” وقناة “فوكس تي.في” التلفزيونية، وصدرت الكثير من التعليقات؛ منها تعليق رئيس الوزراء السابق، بن علي يلدريم، الذي قال عقب تحول صحيفة “خبر تورك” إلى النشر الإلكتروني “ذهبت وبقيت الصحف الأخرى”. كانت هذه الحملة تنتقد “التحول إلى هذا النظام الخطير” أكثر من التركيز على إرجاع السبب وراء اتخاذ الصحيفة هذا القرار إلى الوضع الاقتصادي.

ومع أزمة فقدان الثقة المتعلقة بحرية التعبير والنقد الذاتي إلى جانب تدني جودة العمل الصحافي في تركيا، ندرك جيداً أن قطاع الصحافة في تركيا أصبح يُحلِّق بعيدا عن تحقيق المنفعة المجتمعية، التي هي واحدة من أهم واجباته تجاه المجتمع.

18