العمل الفنّي بين الترميم والتخريب

تمثال إسبانيّ من العصور الوسطى للقديس جورج والتنين الذي يعود إلى القرن السادس عشر يقع ضحيّة لأعمال الترميم الهاوية.
الأحد 2018/08/12
تمثال القديس جورج من أيقونة إلى شخصيّة كرتونيّة

اعترى الغضب الساحة الفنيّة الأوروبيّة، إثر عملية ترميم فاشلة لتمثال القديس جورج والتنين الذي يعود إلى القرن السادس عشر، فالمنحوتة الموجودة في كنيسة سان ميغيل دي استيل في مدينة نافار الإسبانيّة، فقدت رونقها وألوانها الأصليّة، وتحولت إلى ما يشبه لعبة أطفال أو تمثال كيتش استهلاكي، وذلك بسبب  قلة خبرة المرمم، الذي اتهمه البعض بالتخريب، كونه مثلا طلا سرج الحصان بالأحمر مخفيا تفاصيله ونقوشه المميزة.

ليست هذه المرة الأولى التي يتعرض فيها عمل فني للتخريب، إذ اشتهرت عام 2012 كنيسة الرحمة في قرية بورغوس في إسبانيا، والتي تحوي جدارية باسم “ما وراء الإنسان” رسمها الفنان إلياس غارسيا مارتينز في ثلاثينات القرن الماضي، ويحضر فيها وجه السيد المسيح، الذي تحول حين قامت امرأة مجهولة بمحاولة “ترميمه”، إلى ما يشبه شخصيّة كرتونيّة،  ما أفقد الوجه ملامحه وأطاح بأي جهود مستقبليّة للترميم.

محاولات الترميم والتخريب السابقة تحيلنا إلى تساؤلات علم الجمال حول طبيعة العمل الفني ومدى استقلاليته، وخصوصا الآراء المثاليّة التي ترى أن هناك أصلا فريدا للعمل الفني، وجوهرا لا يمكن المساس به، هذه التساؤلات مرتبطة بسياسات إنتاج العمل الفني وطبيعة الجهود المبذولة لجعله “فريدا”، إلى جانب الجهود اللاحقة للحفاظ على هذه “الفرادة”، والتي بدأت بالتلاشي مع بداية القرن العشرين وظهور مدرسة فرانكفورت، وتقنيات الاستنساخ وإعادة الإنتاج التي جعلت “الأصل” هشا من السهل استبداله.

انهيار العمل الفنّي

برزت في القرن العشرين الكثير من المحاولات التي استفادت من “التخريب” لانتقاد مفهوم الجوهر الفريد للعمل الفني، إذ قام الفنان السويسري جان تينغلي بتصميم آلة عملاقة/ تجهيز في الفراغ بارتفاع ثمانية أمتار، باسم “تكريم لنيويورك”، وعرضها في حديقة متحف الفن المعاصر في نيويروك عام  1960، وبعد أن حضر الجمهور إلى الافتتاح، شغل الآلة /عمل التجهيز، الذي ما لبث أن تدمر آليا واحترق ولم يبق منه إلا الخردة، هذه السخرية والسينيكيّة تنقد

مفهوم الكلّ المتماسك، إذ أن العمل الفني هنا لا اقتصادي، ويخرب ذاته بذاته نافيا الجهود التي أنتجته، ومصادرا سلطة المؤسسة التي تحاول جعله أيقونيا، وثابتا في لحظة من الزمن، وهذا ما دفع متحف الفن المعاصر في نيويورك إلى عرض البعض من أجزاء التجهيز بوصفها “عملا فنيا”، ما يتركنا أمام تساؤلات حول قيمتها، وإن كانت فعلا “قطعا فنيّة” أو مجرد خردة لا قيمة لها.

 

تهديد وحدة العمل الفني وتماسكه الفيزيائي، لا يقتصر فقط على جهود الفنان أو المؤسسة، بل قد يكون العمل الفني مصمما بحيث يتلاشى مع الزمن، وتتغير خصائصه في كل مرة يخضع لشروط "المشاهدة"، وهذا ما نراه مع الفنان السوري فادي الحموي

يأخذ التخريب شكلا آخر مع الفنان الفرنسي غيلبيرت بيار، الذي نرى آلاته تتحطم مع الزمن، ليقوم بإعادة بنائها وترميمها وتغيير قطعها كل فترة، فهي قابلة للتعديل الكلي، وتنتصر للمفهوم والمهارة التي يمتلكها الفنان على حساب المكونات اليومية والاستهلاكية والخردة التي تكوّن العمل، والتي تعتبر منفيّة كفضلات لا بد من التخلص منها و”عزلها” في حال كانت “خارج” العمل، وهنا تبرز أهميّة الفنان بوصفه “صانعا” معترفا به، لا مجرد نبي أو مخلص بانتظار أن يتجلى الجمال أمامه.

الجمهور كمخرّب

تهديد وحدة العمل الفني وتماسكه الفيزيائي، لا يقتصر فقط على جهود الفنان أو المؤسسة، بل قد يكون العمل الفني مصمما بحيث يتلاشى مع الزمن، وتتغير خصائصه في كل مرة يخضع لشروط “المشاهدة “، وهذا ما نراه مع الفنان السوري فادي الحموي، الذي قام في العام الماضي بإنتاج منحوتة أسمنتيّة على شكل سجادة، يمشي عليها الجمهور، وتتلاشى تدريجيا مع مرور الناس فوقها، جاعلا وحدة العمل الفني وأجزاءه مهددة، بسبب فعل “التلقي” ذاته، ليكون “المشاهدون” مشاركين في صناعة العمل الفني الذي يتغير دوما، كونه لا شكل ثابتا له، وهنا يتحول احتمال الترميم، في حال حصل، إلى تخريب، فمحاولة استعادة “الشكل” الأصلي أو إعادة البناء، تفقد العمل قيمته الأدائيّة، بوصفه يتأسس أثناء تلقيه، بصورة مادية لا فقط رمزيّة.

خاصية التلاشي المرتبطة بالعمل الفني اكتسبت بعدا سياسيا مع الفنان الفرنسي إيف كلان، والذي في محاولة منه لتفكيك مفهوم العمل الفني، أقام عام 1958 معرضا باسم “الفراغ”، حيث انتظر الناس خارج الصالة الباريسيّة طويلا، ليدخلوا نهاية ليجدوا جدرانا فارغة لا تحوي شيئا، بالرغم من ذلك نال المعرض شهرة كبيرة، فكلان يراهن على “الطقوس” التي تجعل من العمل الفنيّ حاضرا، حتى لو لم يكن موجودا بالمعنى “الفيزيائي”، وهذا من وجهة نظر سوسيولوجيا الفن، يجعل القيمة الفنيّة وليدة سياسات المعارض ورأس المال الرمزي الذي يمتلكه الفنان، لا قيمة العمل نفسه ومكوناته الماديّة.

بالعودة إلى الترميم والتخريب اللذين شهدهما التمثال في إسبانيا، يمكن النظر إلى ما حصل بوصفه إعادة إنتاج لعمل فنّي جديد، أو نوعا من “التنديس“، وخصوصا أن عملية “التخريب” السابقة تنزع القدسيّة والشكل “الأصيل” عن العمل الفنّي، وتحرره من تاريخه، فـ”المثاليّة” المرتبطة بالفنون الدينيّة، وليدة نظرة أحاديّة للكون بوصفه ذا جوهر صرف.

 والأهم أن الكثير من المقاربات المعاصرة والتي تنتمي إلى ما بعد الحداثة، ترى أن أِشكال التمثيل الحديثة والفنون المرتبطة بها ليست إلا محاولات لمراكمة تاريخ جديد، ينمحي فيه الأصل، ويفقد قيمته، لنرى أنفسنا غارقين في نسخ “مرممّة” و”مخربة” لا أصل لها، نسخ تتكرر إلى ما لا نهاية، تاركة وراءها فصاما في المعاني، وتلويحات نوستالجيّة إلى زمن متخيّل كان “الفن” فيه ربانيا، والعمل الفني لا شبيه له.

14