العمل المدني الإنساني ضرورة حيوية لكل المجتمعات

الثلاثاء 2017/06/13
منظمات لا تشوبها شائبة

يصعب تعميم تهمة التخريب والضلوع في تمويل تنظيمات متطرفة على مختلف الجمعيات الخيرية والأهلية دون إعلاء الجانب المضيء والدور الإنساني الذي تقوم به لحماية بعض أفراد المجتمع من الجرائم والسرقات والانحراف، من خلال تقديم المساعدات النقدية والعينية للمحتاجين قبل أن يتحول جزء منهم إلى أعداء للمجتمع وأداة الانتقام.

صحيح أن هناك جمعيات أهلية على علاقة بتنظيمات متطرفة، لكن لا يمكن تعميم الاتهام على العمل الخيري بصورة عامة، ومثلما لبعض الجمعيات أغراض سياسية ودينية توظّف لتحقيق أهداف بعينها تتناقض مع طبيعة العمل الأهلي، هناك جمعيات تمارس دورها بمعزل عن الارتباطات السياسية وهذا النوع ما تحتاجه المجتمعات.

وضع الجمعيات الخيرية في خانة المتهم طوال الوقت وتشويه صورتها وتعميم السوءات دون انتقاء، يتسبب في عزوف الفئات الغنية عن دعمها كي لا تطالها اتهامات بدعم تنظيمات مشبوهة، وهو ما يقود إلى ندرة العمل الخيري، وتبدأ المساعدات في الاندثار وتتعاظم المشكلات وتتزايد الأزمات.

هناك مناطق كاملة في بعض المجتمعات تعتمد بشكل أساسي على العمل الخيري والمساعدات المقدمة من الجمعيات الأهلية، من خلال تسهيل إقامة المشروعات الشبابية ورفع مستوى معيشة الفقراء ومواجهة الغلاء والمساهمة في بناء المساكن للبسطاء وإنشاء الوحدات الصحية في المناطق المحرومة وتوصيل مياه الشرب للقاطنين في العشوائيات والصحاري.

من مصلحة أي مجتمع وجـود العمـل الخيـري، ومن مصلحة الجمعيات الخيرية أن تؤدي مهماتها بعيدا عن كل أشكال التوظيف السياسي والديني

ويجنب تأمين احتياجات المحرومين من خلال العمل الخيري، المجتمع الكثير من الجرائم والمفاسد، ويحمي الفرد والمنطقة التي يعيش فيها من انحرافات خطيرة، مثل السرقة والقتل، فالأسرة التي لا تستطيع توفير الحد الأدنى من احتياجاتها قد يخرج من رحمها شاب كاره للمجتمع والنظام والحياة بشكل عام، ومن السهل استقطابه لتنظيمات دينية متطرفة.

ولو نجا من هذه التنظيمات، فقد يتحول إلى مجرم أو منحرف سلوكيا، والجمعيات الخيرية التي تساعد الشباب على الزواج بتوفير احتياجات منزلية والمساهمة في بناء السكن، تحمي المرأة من ارتفاع نسب العنوسة وتحصن الشباب من الانزلاق في دوامة التحرش الجنسي والاغتصاب.

ومن شأن العمل الخيري أن يربي الأفراد والأسر على العمل الإنساني والتكافل المجتمعي واحترام ومشاركة الآخرين وتقوية العلاقات، بغض النظر عن كون المساعدات سوف تذهب إلى مسلم أو غير مسلم، وهذا في حد ذاته جانب مضيء يتصدى للتطرف والعنصرية والتشدد الديني وإقصاء الآخر على أساس طائفي.

والحكومات نفسها مستفيدة من هذه الجمعيات الخيرية التي تقوم بأعمال مشروعة بدافع إنساني لأنها تساهم في مكافحة الجهل والفقر والجريمة من خلال توعية ودعوة ومساعدة المحتاجين لتخفيف الأزمات عنها، لأنها من تتحمل وحدها تكلفة تجاهل كل هذه الملفات، وتعتبر الجمعيات الخيرية ظهيرا اقتصاديا قويا لها في مواجهة مشكلات البسطاء.

ومن الغباء السياسي أن تقوم أي حكومة بعرقلة العمل الخيري أو استهداف الجمعيات الأهلية بشكل عام، لأنه لا يمكنها تغطية الاحتياجات الاجتماعية كاملة إلا من خلال ظهير خدمي شعبي، وبالتالي ينخفض السخط على الأداء والتقصير الحكومي ويساعد مع الوقت في إضفاء المزيد من الاستقرار، على الأقل في المجتمع الفقير ذي الخدمات المحدودة.

وتتعامل الحكومات في المجتمعات المتقدمة بذكاء مع هذه المؤسسات الخيرية، ففي الولايات المتحدة هناك أكثر من نصف مليون مؤسسة أهلية يعول عليها في مجالات عدّة، قام المسؤولون بتيسير عملها وتنظيمها ودعمها بالتسهيلات التي تقدم لها، من إعفائها من الضرائب وتخفيضها بالنسبة إلى المؤسسات التجارية بقدر دعمها للعمل الخيري.

من مصلحة أي مجتمع وجود عمل خيري، ومن مصلحة الجمعيات الخيرية أن تؤدي مهمتها بعيدا عن التوظيف السياسي والديني، لكن على الحكومة أن تحمي الهادف والإنساني من الجمعيات المشبوهة التي تجمع التبرعات والمساعدات لاستخدامها في أعمال تخريبية، وتفصح عن أسمائها ومخالفاتها وتمنع التعامل معها وتغلق كل الثغرات الموجودة فيها، لأن ذلك يعظّم دور ومكانة الجمعيات الهادفة ويضاعف أعمالها الخيرية، ما يخدم المجتمع والحكومة في آن.

12