العمل اليدوي حيلة للوقاية من الضغوط النفسية

النشاط البدني القليل يتسبب في الاكتئاب والشعور بعدم الجدوى ويسهم في زيادة اضطرابات المزاج.
الأربعاء 2019/06/26
متنفس مختلف

مثل التلاميذ الكسالى، يحاول بعض الأشخاص التهرب من مسؤولية العمل المجهد. فيغادرون مكاتبهم بين لحظة وأخرى لالتقاط كوب من الماء أو لتحضير القهوة، فالعمل الذي يتطلب المكوث الطويل على الكرسي قد يسبب التوتر النفسي والضغط العصبي، إذا لم تتخلله أوقات استراحة للمشي قليلاً أو تناول وجبة خفيفة من الطعام أو التحدث لصديق أو زميل في العمل. لكن، يلجأ بعض الأشخاص خاصة السيدات، إلى حيل أخرى لكسر الروتين أو تفريغ التوتر أو حتى للهروب المؤقت من إنجاز ما يتراكم من مسؤوليات.

يعد الانشغال بعمل يدوي من بين وسائل الهروب من الضغط النفسي خاصة إذا اعتاد الشخص العمل من المنزل، من خلال تنظيف الغرفة، وترتيب المكتبة، وجلي الصحون، وتقطيع الخضراوات وربما تلميع زجاج النافذة. فهل يمثل هذا السلوك نوعا من المماطلة وتأجيلا للعمل الأهم؟ أم أنه تعبير عن عدم الرغبة في القيام به أساساً؟

وتؤكد الطبيبة الأميركية سوزان هاس؛ التي تهتم وتحاضر في مجالات الصحة العقلية، حول كيفية إدارة الإجهاد والوقاية من الضغوط النفسية، أن الأعمال التي تعتمد على المجهود اليدوي من دون الحاجة لاستخدام العقل مثل التركيز والإدراك، من شأنها أن تمنح العقل فرصة للاستراحة والاسترخاء.

وتعترف من واقع تجربتها الشخصية كطبيبة، وكاتبة وناشطة، بأن قضاء وقت طويل في الكتابة والقراءة والتحدث يعني استخداما مكثفا ومطولا للعمليات العقلية المعقدة والتفكير المستمر، وهي من الأمور التي تتسبب في إجهاد العقل والجسد أيضاً وما يزيد الأمر سوءاً عدم وجود أشواط قصيرة من الاستراحة، يمكنها أن تجدد النشاط.

وتقوم هذه الأعمال اليدوية مثل التنظيف والطبخ وحتى الانشغال بزراعة النباتات في داخل وخارج المنزل، بمهمة تنظيف الشوائب العالقة في الذهن وتخفيف حدة التوتر… حيث يتولد شعور بالراحة والرضا في فعل شيء بالكاد يتطلب جهدا عقليا.

وقدمت سوزان هاس نصيحة لسيدة طلبت مساعدتها، لأنها كانت تمر بأوقات عصيبة. كانت النصيحة غريبة بعض الشيء في أول الأمر؛ حيث طلبت منها أن تقوم بترتيب رفوف وأدراج خزانات غرفة النوم، وفيما كانت تحاول إنهاء هذه المهمة البسيطة شعرت المرأة ببعض التحسن ولم تعرف السّر وراء ذلك.

بعض مشاهير الكتاب يحاولون زيارة حديقتهم والانشغال بتقليم الأشجار كلما شعروا بالضجر أو بثقل العمل، وكان هذا الأمر يشعرهم بالتحسن قليلاً ويجدد طاقتهم الإبداعية، على الرغم من أن العمل الروتيني يبدو في ظاهره كنوع من المماطلة والتلكؤ للتهرب من ضغوط الكتابة.

فضلاً عن ذلك، فإن الانشغال بالعمل اليدوي يصفّي الذهن وينقل التفكير بعيدا عن إطار العمل حيث يوفر أجواء تساعد في الاسترخاء الذهني، وبالتالي فأنه يوفر فرصة الحصول على حلول وأفكار رائعة في الوقت ذاته.

الانخراط في أعمال لا ترهق العقل والجسم يساعد في حل المشاكل
الانخراط في أعمال لا ترهق العقل والجسم يساعد في حل المشاكل

ويسمي متخصصون هذه التقنية بـمبدأ الانخراط؛ وهذا يعني بأننا عندما ننخرط أو ننغمس في مهمة متكررة ونبتعد بعقولنا عن منطقة الإجهاد والتركيز، فإن حل المشكلة التي نواجهها أو فك عقدة مستعصية إنما يظهر في كثير من الأحيان بطريقة سحرية، وهذا المبدأ معروف على نطاق العمل الإبداعي، إذ إن الأفكار تبدو سلسلة متدفقة من حيث لا نعلم في الوقت ذاته الذي نكون فيه مشغولين في أعمال بسيطة وربما بمستويات معينة من التعقيد، لا تتطلب أي جهد عقلي. كما وجدوا أن تكرار العمل يتبعه شعور إيجابي بالرضا.

ومن ناحية أخرى، فإن العمل المثمر بأيدينا أمر ممتع للغاية، خاصة أن التطور التقني لم يترك لنا شيئاً لنقوم به وقد تكون العودة لاستخدام أيدينا فعلياً عبر نشاط بدني واضح، أمرا أساسيا للحفاظ على الحالة المزاجية الصحية وهي تشبه كثيراً المكافأة التي نحصل عليها مباشرة لقاء جهد بدني مثل حياكة قطعة ملابس أو زراعة نباتات في الحديقة.

هذا الأمر من شأنه أيضاً أن يقلل التوتر والقلق، كما يشعرنا بأننا أكثر اتصالاً وتفاعلاً مع العالم من حولنا فيما يمنحنا القدرة على التحكم بالمصاعب التي نواجهها في حياتنا اليومية، والشعور بفرحة الإنجاز وهذا من شأنه أن يعزز الشعور بتقدير الذات.

في حين يتسبب النشاط البدني القليل في الاكتئاب والشعور بعدم الجدوى وربما يسهم في المعدلات المرتفعة غير العادية لاضطرابات المزاج التي نراها في عالم اليوم، بسبب استخدامات التقنية المتعددة التي حيّدت النشاط البدني.

وتؤكد هاس على أننا جميعا قد نمر بأوقات عصيبة؛ من خلال الشعور بالإجهاد أو الملل أو الإحباط، هذه الأعراض قد تمنعنا من تحقيق أي تقدم أو إنجاز وتصيب طاقتنا بالشلل المؤقت لكن طريقتنا في التعاطي مع هذه الحالات قد تتشابه أو تتقاطع، وبالتالي تذهب إلى اتباع بدائل أكثر سهولة مثل تناول الطعام بإفراط أو الركون إلى مواقع التواصل الاجتماعي ومتابعة التلفزيون.

وتوفر هذه المخرجات إحساسا مؤقتا بالراحة لكن سرعان ما يتبعه شعور بالذنب لتبعات تناول طعام غير صحي أو لتضييع وقت مهم في القيام بأشياء غير ذات جدوى، وهو ما يؤدي بالضرورة إلى مضاعفة مشاعر القلق والتوتر ويزيد الأمور سوءاً، إضافة إلى ذلك، فإن ما يصلح لشخص ليس بالضرورة مناسب لغيره؛ فالأشخاص الذين يأخذون الأمور على محمل الجد قد تكون ممارسة بعض الهوايات والمهارات اليدوية أكثر جدوى بالنسبة لهم.

21