العمل قيمة تفقد ثوابتها الأخلاقية والتشريعية

الأحد 2017/12/10

يُطرح موضوع للنقاش باستمرار في أروقة المؤسسات وباحات المقاهي والفضاءات العمومية وحتى في قاعات الجلوس المغلقة، وهو موضوع يتمثل في مدى إيفاء الموظف العمومي بواجباته المهنية كمّا وكيفا.

وكل تصرّف اجتماعي وطبقا لمقتضيات علوم النفس والاجتماع مكتسب وليس فطريا بمعنى أنّ الخلية الأولى للتربية هي الأسرة، وعليه هل تتحمل العائلة جزءا من إهمال الموظف في عمله؟

من الأكيد أن الطفل في عائلته يشاهد وجود أحد والديه في المنزل في وقت كان من المفروض أن يكون فيه في مكان عمله بالمصنع أو الإدارة أو غيرهما، ومن الأكيد أيضا أن يرى تكرر تمارض أحدهما والاستظهار بالشهائد الطبية لتبرير غيابات “مرضية” ولا علاقة للمرض بها.

والقائمة تطول في أساليب الاستهتار بالعمل ولعل المثال الأقبح لذلك أن يحمل العامل وثائق عمله إلى البيت لتقوم بالعمل زوجته أو ابنه أما إذا أصبح العمل ينجز في المقهى فحدث ولا حرج.

استفزني هذا الموضوع لأن وسائل التواصل الاجتماعي كانت مصدر الإثارة بل الإلهام، لما يُنشر من صور وفيديوهات تجسّد حقيقة الاستهتار بقيمة العمل وهي كما دلج مِنْ أسمى القيم البشرية. مرّة نشاهد الزبون يترقب الخدمة والموظف يمارس هواية الألعاب الإلكترونية على شاشة الكمبيوتر المعد أصلا لتسهيل الخدمة لا لتعطيلها. ومرّة أخرى تحمل بعض النسوة أعمالا منزلية تتعلق بالطبخ والحياكة وما شابه من الأشغال، لتكملها في العمل أمام مرأى ومسمع الجميع.

أمّا الانكباب على صفحات فيسبوك وتويتر وأخذ صور سيلفي فهو الطامة الكبرى، فالموظف، ذكرا أو أنثى، يتواصل إلكترونيا مع مجموعة من أصدقائه يتبادلون أطراف الحديث، الغزلي والاجتماعي والرياضي والسياسي والتافه أيضا ودون معنى، والزبائن ينتظرون الخدمة هذا إن لم يتمّ صرفهم ليعودوا غدا “الريزو طايح”.

يتساءل أحدنا أين آليات المراقبة؟ المسؤول وشاشة المراقبة والمواطن الرقيب والزيارات الفجئية.. لتفسير الأمر هناك سببان لا ثالث لهما؛ أولهما أن جميع المنظومة الشغلية باعتبار التراتبية والدرجات والمسؤوليات كلها تماهت مع الموجود وانخرطت في الإهمال بوعي ومن دونه. أما ثانيهما فيدخل في إطار ما يمكن أن نسميه بـ”تبادل المنافع” أو باللهجة التونسية “الناس الكل تغطي على بعضها”.

إذا كان الأمر بهذه القتامة فعلى الدنيا السلام، لأنها ظاهرة مستفحلة يصعب معها مجرد حتى التفكير في حل عملي لتجاوزها.

ولكنّ الأمر يجب أن يكون استثناء لأن هناك الكثير من الموظفين والعمال والمسؤولين الذين يقومون بأعمالهم على الوجه الأكمل بل يتفانون في ذلك وهم خير مثال للانضباط والجدية. ولكنهم يتحملون وزر الآخرين، على سبيل الذكر لا الحصر، قسم بإدارة ما بها سبعة موظفين ومسؤول، من يقوم بالعمل الفعلي موظفان فقط ويصل العمل مكتملا إلى المسؤول ولا يرى فيه خللا. فماذا يفعل البقية؟ وبأي طريقة نجعلهم يلتزمون بالجدية؟

إنه هدر للمال العام وتعدّ على كرامة كل فرد من أفراد الشعب، إنه وبكل بساطة من أخلاقيات المهن ومن القيم الأخلاقية التي تربينا عليها فـ”العمل عبادة” حتى من المنظور الديني. تقاس درجة تقدم الشعوب بمدى حبها للعمل والمثابرة عليه، والشعب الياباني خير دليل على ذلك كما الشعوب الآسيوية الأخرى كالصين التي تبوّأت مراتب أولى في التصنيف العالمي لأقوى الاقتصادات في العالم.

لا يمكن لأي شعب بأفراده وأسره وأحزابه ومنظماته وكل مكوناته أن يجد طريق التقدّم والرّفاه النفسي والمادي إذا لم يتّخذ شعارا لحياته “العمل ثم العمل ثم العمل”. الأمر ليس هينا إذا لم يصبح “عقيدة حياة”، إذا لم يتصدر قائمة القيم النبيلة في المجتمع، إذا لم يكن أول الدروس التي يتعلمها الإنسان في أسرته وبين أحضان أفرادها الذين يجب أن يكونوا نماذج جدّ إيجابية للمثابرة على العمل والتفاني فيه.

لا وجود للاستسهال أو الابتذال أو الانتهازية في أي عمل مهما كانت طبيعته، وهنا يتضخم دور الأم كصانعة للأجيال وتصبح، بحكم دورها وطبيعتها، المسؤولة الأولى عن تفكير أبنائها والقيم والثوابت التي يؤمنون بها ويطبقونها في سائر أيامهم.

إضافة إلى التواكل واللامبالاة المقيتة تعلم العمال والموظفون المحاباة، وقد نقبلها إذا كانت لـ”وجه الله” مراعاة لقاصر أو مقعد أو شيخ أو حامل، ولكنها محاباة بمقابل، حياء لا نقول رشاوى، يبجل من يدفع وتُقضى حوائجه على كثرتها في أسرع وقت ممكن.

يبرر هؤلاء بأن مرتباتهم لم تعد تكفي لسد حاجياتهم وفي كلامهم بعض الصواب ولكن زبائن المرفق العمومي لا يجب التفريق بينهم بل حتى مجرد النظر إلى وجوههم، فهم ليسوا إلا أشخاصا برتبة مواطنين، متساوين أمام القانون، والموظف رمز ومطبق لهذا القانون. ويطول الموضوع ويزداد خور العمل والمؤسسات والإدارات، ربما تصحو الضمائر ذات يوم.

كاتب تونسي

21