العمل من خارج الثورة السورية

السبت 2013/11/09

في سوريا، تبدو الأنظار مشدودة اليوم إلى الصراع السياسي في أروقة الدبلوماسية الدولية والإقليمية، أكثر منها إلى الصراع المدمر المتواصل على الأرض. ثمة ما يشي بأن الثورة، كنشاط شعبي سلمي أو عسكري يهدف إلى إسقاط النظام، قد باتت من الماضي الغابر لقوى المعارضة والكتائب المسلحة. فالعمل، ويا لهول ذلك، يجري خارج الثورة.

في الزمان الأول للثورة، كانت تلك الأخيرة أشبه بشمس لاهبة، لا يمكن لجميع الأجرام إلا أن تدور في فلكها. وشمل ذلك مختلف شرائح الشعب السوري، والقوى الثورية وقوى المعارضة وحتى القوى الدولية والإقليمية.

الشعب السوري، وفي جميع المناطق الثائرة، تعامل في ذلك الزمان، مع كل المبادرات السياسية التي طرحت في حينها بلامبالاة لافتة. فلا يلدغ المؤمن من جحره مرتين، وما من أحد كان قد خَبر طبيعة النظام السوري النافرة من أي تسوية سياسية أكثر من الشعب السوري نفسه.

لذا، وعلى مدار عامين من الثورة، بدا الثوار منشدين للعمل في داخلها، لا خارجها أو على الهامش. كان ثمة يقين قاطع سكن قلب وعقل كل سوري، يقول بأن الحل لن يكون إلا بأيدٍ سورية، ومن الداخل. فالمجتمع الدولي لم يباشر حراكه ولم يعقد مؤتمراته إلا على إيقاع الثورة. وإن الشعب ليذكر جيدا كيف خرس «العالم الحر» وصم آذانه عندما كانت الثورة في طورها الجنيني، وكيف أخرج مئات آلاف المتظاهرين في ساحة العاصي، الدبلوماسيين من جحورهم، لتبدأ ضغوطهم السياسية والاقتصادية على النظام.كانت فتوحات الثورة على الأرض هي الدافع الأبرز لكل نشاط دبلوماسي جرى في ذلك الحين. وكان تركيز قوى الثورة المدنية والعسكرية على إيجاد آليات للتطور الدائم، والتأقلم مع التصعيد الأمني والعسكري من قبل النظام، التصدي له والتغلب عليه. ونجحت قوى الثورة في ذلك، طالما أنها أبقت قيم الثورة وأهدافها شمسا دارت في فلكها من دون تردد.

أدى تقدم الثورة في العام الثاني، ومحاصرتها للعاصمة عبر الريف وعبر الأحياء الداخلية، فضلا عن سقوط متتال لمعسكرات وقلاع النظام في مختلف أنحاء البلاد إلى انفتاح أفق الحل السياسي. فواقع انحسار قوى النظام كان باديا للعيان، وهو ما أطلق العنان لدبلوماسية «تضييق دائرة الخلافات» بين روسيا وأميركا.

تلك الدبلوماسية «المحدودة»، انتهت إلى إصدار بيان جنيف1، الذي تضمن موافقة روسيا على حكومة انتقالية كاملة الصلاحيات، والعمل على مبادئ وشروط جديدة ضاغطة على النظام. ومن الجدير بالذكر أن بنود جنيف1 هي ذاتها بنود المبادرة العربية الثانية التي استخدمت روسيا ضدها حق النقض الفيتو في مجلس الأمن في أعقاب طرحها للتصويت عليها. وعليه، كان ذلك إيذانا بفتح باب الحل السياسي الذي كان الدب الروسي والحليف الإيراني يقفان عقبة كأداء في طريقه.

لكنّ النظام وحلفاءه الأشداء، لم يسلموا، على ما ظهر فيما بعد وإلى اليوم، بالعملية السياسية التي ستكون، وعلى نحو حتمي، في صالح قوى الثورة السورية. من هنا شرّع هذا التحالف الفاشي الأبواب أمام القوى الطائفية لدخول سوريا. ومع دخول قوات حزب الله والمليشيات الإيرانية والعراقية من جهة، وجبهة النصرة وداعش من جهة أخرى، ستتغير المجريات على الأرض، وستذهب قوى الثورة إلى تفكك متواصل، ويصبح العمل من خارج الثورة، وبعيدا عن أهدافها.

يَنصَبّ الجهد الحثيث لكافة اللاعبين اليوم، على تقاسم تركة نحو ثلاثة أعوام من الثورة والصراع الدامي. فتكاثرت الاجتماعات في جنيف وإسطنبول وامتدت لأسابيع، فيما المعارك الشرسة بين الجيش الحر من جهة، والنظام السوري وداعش من جهة أخرى، تتصاعد حدتها في كل مكان.

هكذا، أمكن أن تندلع إحدى أهم المعارك في مدينة السفيرة الإستراتيجية، التي تقع على الطريق الرئيسي المؤدي من وسط البلاد إلى مدينة حلب، فيما قادة الألوية الكبرى خارج سوريا يتقاسمون المناصب في إسطنبول.

قرابة الشهر، صمد المقاتلون بأسلحتهم المحدودة وأعدادهم المتواضعة، فيما «أمراء الحرب»، كما وصفهم العقيد عبدالجبار العقيدي في بيان استقالته، يجتمعون في إسطنبول مع أمير قطر لضمان تقسيم جديد لكعكة الجيش الحر. لتسقط السفيرة من دون أن يرف لهم جفن.

وبما يشبه النعي لزمان العمل من داخل هواجس وهموم الثورة، وجه العقيد العقيدي كلامه لهم: «كفاكم تناحرا وتسابقا على الزعامة والإمارة، وحرصا على الشهرة والتصوير، ولهثا وراء سراب الخارج وأجنداته واجتماعاته الواهنة التي لا تسمن ولا تغني من جوع».

النظام يستغل «الوضعية العدمية» التي تسير إليها كتائب الجيش الحر يوما بعد آخر، فالقيادة مشتتة أو غير موجودة على الإطلاق على المستوى العام. الأدهى هو ضياع أهداف الثورة والقيم الوطنية الكبرى مع تحول عدد كبير من الكتائب على الأرض إلى ميليشيات مسلحة هاجسها الأول هو الحفاظ على وجودها في مناطق محدودة لتبرير استمرار تمويلها.

هكذا ينتشي النظام بإعلان «تحرير» مدينة تلو بلدة تلو قرية، وتكاد تكون جميعها مواقع إستراتيجية يتوجب الدفاع عنها بصورة تختلف تماما عن حالة الهزال العسكري والتنظيمي الذي صبغت عمليات التصدي لاجتياح قوات النظام لها. ما يطرح أسئلة عن مدى الضعف والتفكك الذي راكمه الجيش الحر في الأشهر القليلة الماضية.

والحال أن النظام، ومهما استعان بالمليشيات الطائفية، لن يتمكن في ظل الظروف القائمة من تحقيق أي تقدم «حاسم». لكن الحل السياسي «الحاسم»، والذي يصب في مصلحة الثورة، سوف يتأثر بتهتك وتفكك الجيش الحر، وبالتقدم التكتيكي للنظام. فالعمل من خارج الثورة في حال استمراره، سوف يحيل «الحسم السياسي» الحتمي لصالح الشعب، إلى «تسوية سياسية» حتمية هي الأخرى، لكنها لصالح النظام.


كاتب فلسطيني

8