العمل مهمة سيزيف السعيد أو لعنة وإكراه

بعض الفلاسفة يرون العمل مفيدا ومنتجا، بفضله يضمن الإنسان حياته، في يرى آخرون مضيعة للوقت، وإهدارا لطاقة الإنسان، وأحد أسباب التعجيل بنهايته.
الأحد 2021/06/13
ألبير قصيري كان كره العمل فلسفته في حياته وأدبه

هل العمل بما فيه من كدّ وجدّ في شتى المجالات ضروري لكسب الرزق وتأمين الحياة، أم هو مضيعة للوقت، ووسيلة لإهدار طاقة البشر، وفرضٌ يلهي الفرد عن ممارسة حياته كما يهوى؟ أم أنه برغم مشقته طريق الفرد لتحقيق ذاته وإنسانيته؟

كم مرة تمنينا لو تكون أيام السنة كلها عطلا، نصحو متى نشاء، ونتمتع بأوقاتنا كما نهوى، ولا نُرغَم على القيام في مواعيد محددة للذهاب إلى عمل روتيني يبعث في النفس الملل، أو شاقّ نعود إثره مجهَدين في آخر النّهار، فنظل نعدّ الأيام والشهور والسنين التي تفصلنا عن التقاعد وكأنه خلاص من محنة سيزيفية، ذلك أن العمل يتبدى لنا مثل قَسْرٍ اجتماعي شاقّ ومنفِّر، نمارسه اضطرارا لكسب رزقنا وتأمين قوت عيالنا، فنُكرَه على الخضوع لقواعد وشروط نأباها في الغالب، لكونها ليست من وضعنا، ولكن لا حيلة لنا في التنصّل منها.

ذلك أن الإنسان شأن كل كائن حيّ مضطر إلى تأمين بقائه في طبيعة معادية أو لامبالية في أحسن الحالات، مرغم على توفير عدد من حاجاته الحيوية التي يواجهه الموت من دونها، ولكنه بخلاف الكائنات الأخرى عارٍ مما يؤهله للبقاء بشكل فطري. فالطبيعة كما بين أفلاطون في بروتاغوراس زوّدت الحيوانات بغرائز مؤكّدة توجّه سلوكها دون خطأ ممكن، وبأعضاء تستعملها كأدوات فطرية كالمخالب والمناقير والكلاّبات والأنياب، أما الإنسان فليس له من ميزة طبيعية غير أصابعه.

كان الإنسان فريسة سهلة منزوعة السلاح، وصيادا بطيئا وغير ماهر تمامًا، وكان يمكن أن يزول بيولوجيا لو لم يكن قادرا على صنع أدوات تحول بينه وبين العالم، وتحويل ما يحيط به بفضل نشاطه التقني، وإخضاع الطبيعة لحاجياته، لأنه الكائن الوحيد الذي لا يتأقلم مع بيئته، بل يؤقلم البيئة لضرورات بقائه، والعمل هو محرك ذلك التأقلم وحامله وناقله. ومن ثَمّ يبدو العمل ضرورة حيوية لإنتاج ما لا تنتجه الطبيعة وحدها، وإلا فإن بقاءه مهدّد بالزوال، ونوعه مهدّد بالانقراض.

من هذه الزاوية يبدو العمل مفيدا ومنتجا، بفضله يضمن الإنسان حياته، ويقاوم الملل والضجر، ويملأ وقته بما ينفعه وينفع غيره، حتى أن بعض الفلاسفة يعتبرونه ضروريا للفرد والمجتمع. في كتاب “وضع الإنسان العصري” ترى حنّا أرندت في العمل نشاطا ضروريا لحفظ الحياة البيولوجية، لكون الحياة في نظرها مسيرة استهلاك، أي تدمير، والحفاظ عليها يقتضي مداومة العمل الذي ينتج ما نستهلكه.

العمل لا ينحصر في شغل يتقاضى عنه الإنسان راتبا، بل يتعداه إلى صنع ما يولّد سروره وارتياحه

فكيف إذن ننظر إليه كعامل إهدار لطاقة الإنسان ووقته وحياته؟

لئن صورت التوراة العمل كلعنة حلت على آدم وحواء نتيجة أكلهما ثمرة شجرة المعرفة، ما أرغم حواء على العمل وتحمّل آلام الوضع، وأجبر آدم على الكد كي يضمن قوته بعرق جبينه، فإن ماركس في “رأس المال” يتوقف عند النشاط مدفوع المقابل، ويرى أنه يضيع على البروليتاري وقته، لأنه يحرمه من حق استعمال قوّته الحيوية لصالحه، تلك القوة العاملة التي يتملكها الرأسمالي ويشتريها بأثمان بخسة كي يستغلها لمصلحته الخاصة وينمي ربحه على حساب غيره، لاسيما إذا كان الفرد عاملا لا يملك ما يبيع غير قوة العمل.

 فالأجير في نظر ماركس، عاملا كان أم موظفا أم كادرا، مضطر أن يتحول إلى بضاعة، وبذلك يصبح وقت العمل زمن استلاب، لأن الأجير يفقد قوة عمله وحقه في التصرف فيها حسب مشيئته، وبالتالي، فإن الوقت الذي يقضيه في عمله هو وقت ضائع ما دام ليس على ملكه. ثمّ إن الوقت الذي يقضّيه في العمل يُفقده قوّته تدريجيّا حدّ الاستنزاف، فإذا هو يتوهّم أنّه يعمل ليعيش، والحال أنه يدمّر بالعمل حياته، وينهك جسده ويقصّر عمره.

ولكن إذا كان العمل مضيعة للوقت، وإهدارا لطاقة الإنسان، وأحد أسباب التعجيل بنهايته، فهل العطالة والبطالة والكسل والخمول هي التي يملأ بها الإنسان أوقاته؟

إن العمل لا ينحصر في شغل يتقاضى عنه الإنسان راتبا، بل يتعداه إلى صنع ما يولّد سروره وارتياحه. وإن كان شاقّا، فمردّ ذلك إلى الجهد الذي يقتضيه أداء مهمة أو تحقيق هدف أو صنع أداة أو آلة، تكون مبعث سعادته إذا أنجزها على أكمل وجه. وبذلك لا يكون الوقت الذي قضاه في العمل وقتا ضائعا، ما دام يتيح له تحقيق ما يرضيه وينفعه، وينفع الناس من حوله.

 وهو ما عناه كانْت في “تأمّلات في التربية” حيث نفى أن يكون عمل آدم وحواء لعنة، بل هو نعمة في رأيه، فبخروجهما من الجنة باشرا العمل وبَذْلَ الجهد كي يُقيما أودَهما ثمّ يَقوما بأود عائلتهما، ويحققا في النهاية إنسانيتنا، ولو بقيا فيها لما تعلّما العمل وقيمته، فالعمل هو الذي يعطي اللهو والترفيه والمتع معنى، لأنه لا يشغل أوقاتنا فقط، بل بفضله ننتج الفنون والعلوم والتقنيات وما إلى ذلك من أنشطة تشكل الثقافة التي نحقق داخلها طبيعتنا ككائنات عاقلة، وبالتالي إنسانيتنا. وفي رأيه أن العمل كجهد منتج هو وحده ما يجعل الوقت مفيدًا، وأن الركون إلى الكسل والراحة هو الذي يمثل مضيعة للوقت.

في كتاب “مديح المُكَربن” مثلا، يؤكد الفيلسوف الميكانيكي الأميركي ماتيو كراوفورد أن عمل مصلح الدرجات النارية ينتج آثارا مادية فورية، كإعادة تشغيل آلة عاطلة، ومن ثمّ فإن العمل في اعتقاده أبعد ما يكون عن إهدار الوقت والصحة والعمر، بل هو مصدر راحة وسرور. كذلك سيمون دو بوفوار في “الجنس الآخر”، حين تحدثت عن ربات البيوت اللاتي يقاومن السلبي، أي القذارة والجوع، دون مقابل أو اعتراف، بدعوى أن عملهن غير منتج، والحال أنه أساس البيت، من دونه لا تستقيم الحياة الأسرية.

أي أن المسألة نسبية يمكن أن يُنظر إليها من زاويتين مختلفتين، بين كاره للعمل لكونه يلزمه بما لا يحبّ، ويحرمه من ممارسة أنشطة ثقافية واجتماعية وسياسية، والتمتع بفسح أكبر للهو والمرح، يعتقد اعتقادا راسخا أن العمل لعنة اللعنات، ويردد قول القائل “لم نسمع برجل يعمل بكدّ من الصباح إلى المساء وصار غنيّا”، أو يسخر من العمل شأن المصري ألبير قصيري، الذي كان كره العمل فلسفته في حياته وأدبه، وكان يقول “من المهازل أن يقضي الإنسان وقته وهو يكدّ ويجدّ ويحرم نفسه وأسرته ليوفّر ثمن سيّارة، يذهب بها إلى العمل، أي إلى موطن شقائه وعبوديته”.

 وهناك من يجد في العمل وسيلة للترقي الاجتماعي وتحقيق غايات لخدمة الصالح العام، ولو كان ذلك بجهد ومشقة، وسيزيف في هذه الحالة، يمكن أن يُنظر إليه على أنه “لا يدفع الصخرة عبثا، وإنما لأنه يجد في ذلك سعادة الجهد المبذول” على رأي الكاتب الألماني هاينريش بول.

10