العمل يبعد عن المرأة أزمات الطلاق

الأحد 2013/08/18
بفضل العمل تخلصت المرأة من التبعية للرجل

لم تعد المرأة اليوم مجبرة على التنازل عن أحلامها والرضوخ لرغبات عائلتها وقبول زواج لا يخضع لأية مقاييس وأسس سليمة ومدروسة، كما أصبح بإمكانها أيضا إنهاء علاقتها الزوجية الفاشلة متى شاءت، وذلك بفضل الدور الريادي الذي باتت تضطلع به في إعالة أسرتها واستقلاليتها المادية التي حققت لها الرفاه المالي والاجتماعي.

ولتقييم الحالة النفسية للمرأة عقب الطلاق، عكف باحثون من جامعة كينغستون البريطانية على دراسة الحالة النفسية والمزاجية، لأكثر من 10 آلاف بريطانية، في الفئة العمرية ما بين السادسة عشرة والستين عاما، وتحليل مستويات سعادتهن قبل أحداث رئيسية مررن بها في حياتهن وبعدها.

وبين الباحث يانيس جورجيلس مدير مركز البحوث في مجال التوظيف ومهارات المجتمع، أن الدراسة قد أخذت بعين الاعتبار حقيقة أن الطلاق، يمكن أن يكون له في بعض الأحيان آثار مالية سلبية على المرأة.

وأشار إلى أنه على الرغم من ذلك، فقد وجد أن الطلاق، يشكل نقطة خلاص وراحة للكثير من الزوجات، خاصة اللاتي يواجهن سوء معاملة وضرب من أزواجهن السابقين ليصبحن أكثر سعادة وراحة دون رجل.

وبفضل العمل تمكنت عديد النساء في الدول الغربية من التخلص الكلي من التبعية للرجل، ففي الولايات المتحدة الأميركية على سبيل المثال تشكل الأمهات اللاتي يمثلن المصدر الرئيسي لدخل أسرهن قرابة ثلثي الأمهات حسب دراسة سابقة أجراها مركز "بيو" الأميركي للأبحاث، بينما تشكل الأمهات المتزوجات اللاتي تكسبن المزيد من المال عن أزواجهن، نحو ثلث الأمهات المعيلات.

وتكشف الدراسة عن وجود تغير جذري عما كان عليه الحال قبل خمسة عقود، عندما كانت نسبة النساء المعيلات لأطفالهن وأسرهن، تمثل 11 في المائة فقط.

ويزيد حاليا عدد النساء الحاصلات على درجة البكالوريوس عن الرجال بكثير في الولايات المتحدة، كما تشكل النساء حوالي نصف القوى العاملة في أميركا.

لكن مساهمة المرأة العربية في سوق العمل لم تتجاوز بعد نسبة 23 في المئة، مما يجعلها تحتل المركز الأدنى في العالم مقارنة بـ 65 في المئة في شرق آسيا التي تعتبر الأعلى و59 في المئة في دول منظمة التعاون الاقتصادي.

وزادت مشاركة النساء في قوة العمل خلال السنوات الثلاثين الماضية بمعدلات لا تتجاوز واحدا في المئة.

وإذا ما استمر الوضع على هذه الوتيرة فإن لحاق المرأة العربية بالمستوى الذي تتمتع به نظيرتها في الغرب يمكن أن يستغرق نحو مئة وخمسين عاما، والأسوأ من ذلك الفجوة التي مازالت قائمة بين الرجال والنساء في العديد من الدول العربية والنظرة الدونية للنساء والتمييز ضدهن في سوق العمل، فالكثير من أصحاب الشركات يعتبرون أن النساء أقل إنتاجية وأن توظيفهن أكثر كلفة، وهذه المفاهيم والقيود تساهم بدورها في تقليص فرص تشغيلهن، مما يثني الكثير منهن عن دخول شوق العمل أصلا.

وعلى الرغم من أن العائد المادي الذي تجنيه المرأة العاملة بصفة عامة ودورها في توفير الأمان الاجتماعي لها ولأسرتها، فالكثير من الخبراء يرون أن الاستقلالية المادية للمرأة يمكن أن تلحق ضررا فادحا بها وبأسرتها.

وفي هذا المجال أكدت دراسة بريطانية حديثة أجرتها جامعة كامبريدج وجود قلق ناتج عن تأثر الحياة الأسرية للأم العاملة التي تحاول الموازنة بين متطلبات العمل وتربية ورعاية الأطفال.

وبيّن الباحثون أن عدداً متزايداً من الرجال والنساء البريطانيين أصبحوا يعتقدون أن المرأة مكانها المنزل، وأنه من المستحيل أن تكون أماً خارقة أو أماً "سوبر"، من خلال الوفاء بالتزامات العمل بالإضافة لرعايتها أسرتها، خاصة إذا كان بها أطفال صغار.

وقالت جاكلين سكوت، أستاذة علم الاجتماع التجريبي التي أعدت الدراسة، من خلال تحليل بيانات في السلوك الاجتماعي خلال العقود الثلاثة الأخيرة: "إن وميض الأم الخارقة بدأ يخبو".

وأشارت سكوت في دراستها إلى أن مؤشرات دعم ما يسمى "المساواة بين الجنسين" وصلت لأعلى معدلاتها خلال التسعينيات، لكن الأعوام الأخيرة شهدت تراجعًا، خاصة فيما يتعلق بقدرة المرأة على العمل ورعاية الأسرة في آن واحد.

وتؤكد الخبيرة الاجتماعية جاكلين سكوت في دراستها التي وضعتها في كتاب جديد سيحمل عنوان "النساء والعمل: الحياة المتغيرة والتحديات الجديدة" أن هناك دليلا واضحا على أن الدور الجديد للمرأة يكلفها وأسرتها الكثير".

ولفتت معدّة الدراسة إلى أن الكثير من النساء العاملات يؤجلن الإنجاب للتفرغ للعمل، كما أن هناك العديد منهن يعدن سريعًا للعمل بعد إنجابهن أطفالاً يودعنهم دور رعاية، حيث تشير الإحصائيات الأخيرة إلى ارتفاع هائل في الطلبات على دور رعاية الأطفال.

كما أظهرت استطلاعات الرأي أنه في عام 1994 رأى 51 بالمئة من النساء و52 بالمئة من الرجال في بريطانيا أن الحياة الأسرية لن تعاني من خروج المرأة للعمل، لكن بحلول عام 2002 انخفضت تلك النسب لـ46 بالمئة للنساء و42 بالمئة للرجال، كما انخفض عدد الذين يعتقدون أن العمل هو الوسيلة المثلى لاستقلال المرأة من 60 بالمئة وإلى 54 بالمئة بالنسبة للنساء.

وكانت النتائج الأسوأ في الولايات المتحدة، حيث انخفضت نسبة الذين يعتقدون أن الحياة الأسرية لن تتأثر بعمل المرأة من 51 بالمئة عام 1994 إلى 38 بالمئة في سنة 2002.

وتعليقًا على تلك النتائج قالت سكوت في دراستها: "في بريطانيا والولايات المتحدة لم يعد دعم المساواة بين الجنسين أمرًا معقولاً، فالبعض أصبح يفكر بطريقة أخرى، حيث وجدت الكثير من الأمهات العاملات أنفسهن محمّلات بأعباء أثقلت كاهلهن من رعاية للأسرة وتربية الأطفال بالإضافة للعمل".

وأضافت: "الآراء في هذه القضية تغيرت؛ فأسطورة الأم الخارقة بدأت تتهاوى، فلم يعد واقعيًا بالنسبة إلى القدرات العادية للمخلوق البشري قيام المرأة بمهن تتطلب مهارات عالية، وفي الوقت نفسه تقوم بإعداد الكعك، وقراءة قصص ما قبل النوم لأطفالها".

كما أن الأم التي تريد القيام بكل الأعباء، بحسب الدراسة، تعرض تربية الأطفال للخطر، فضلاً عن عدم استطاعتها إقامة علاقات دافئة وحميمة مع أبنائها.

وأشارت الباحثة أيضاً إلى تزايد نسبة الرجال الذين يعتقدون أن الأطفال في مرحلة ما قبل المدرسة سيعانون من مشاكل إذا عملت أمهاتهم وتركنهم فترات طويلة.

واوضح الخبير الأميركي في شئون الأسرة وارين فاريل أن بعض الشبان يرون أن المرأة المستقلة قد يشكل وجودها في البيت كزوجة تهديداً وتحدياً لرجولتهم، كما تكون أحياناً شخصية المرأة القوية حاجزاً يحول بينها وبين إقامة علاقة وثيقة بالرجال.

لكن في المقابل أكد أن المرأة التي تمتلك زمام حياتها ومصيرها تكون أكثر قدرة على إسعاد زوجها، كما أن ثقتها بنفسها تجعلها لا تحاول أبداً السيطرة عليه، بعكس بعض ربات البيوت المتفرغات اللاتي يحاولن الاستحواذ على الزوج.

20