العم صالح يريد أن يكون كويتيا

الجمعة 2015/10/02

أعرف مشاعر المهجرين إلى دول أخرى غير بلادهم، وشعورهم المرير وتعب السؤال عن حقهم في اكتساب جنسية الوطن الذي ولدوا فيه. أعرف جيدا مشاعر الذين قضوا طفولتهم وشبابهم وكهولتهم، ولم يستطيعوا أن يحصلوا إلا على إقامة وافد له ولأسرته. العم صالح الذي يعمل في المقهى الإيراني، يحمل الكثير من الحب لدولة الكويت، يقول لي دون مكابرة “لم أعرف غيرها ولم أكن أريد سواها، ولكني ولدت فيها وقضيت حياتي فيها، ولم أستطع أن أحصل على الجنسية الكويتية”، مثل هذه العبارات سمعتها في وطني في المملكة من أشقاء عرب قضوا حياتهم في وطني، ولم يتسنّ لهم الحصول على الجنسية.

بعد حديث مليء بالشجن مع العم صالح، وهو عراقي إيراني من طائفة الصابئيين، عن العلاقات والانتماءات والحياة الخاصة، طوال الطريق من المقهى الواقع في “إجورد رود” حتى الفندق الذي أسكنه، لم يغب عن رأسي كل ما قاله لي الصابئي الفخور بأنه من مواليد الكويت، بأنه لو قامت حرب لا سمح الله في الكويت ضد إيران أو العراق، فسيكون هو وأفراد أسرته في المقدمة، تاركا كل ما يملك في إنكلترا حيث يعيش، وحيث حصل على الجنسية التي كما يقول “تساوي رأسي الآن بالملكة إليزابيث، رأسا برأس”.

لم تكن دول الخليج يوما ما من الدول المتغطرسة، ولكنها في ذات الوقت، لم تعتد على منح جنسياتها إلا في حدود ضيقة، ووفق أنظمة وقوانين لم تخل من الصعوبة، كما أن الحكومات في معظم دول الخليج، لا تفكر كثيرا في أهمية تجنيس الوافدين بمقدار ما تفكر بأوضاعها الأمنية، ووضع تصوارت قادمة جديدة لدولها أمام العالم.

أفهم احتقان العم صالح وغيره الذين يتشابهون في مسألة الولادة في وطن، وعدم حصولهم على الجنسية، وبقائهم وافدين طوال حياتهم، لكن على هؤلاء الوافدين تفهم معنى البنية الاجتماعية للخليج، وأن هناك خصائص عديدة تدفع الحكومات الخليجية إلى عدم بعثرة هويتها، على الأخص إذا كانت ديانتهم مختلفة، كما حال العم صالح، رغم أنه زعم أن هناك كويتيين من المذهب المسيحي، وما قاله حقيقة، كما أن هناك من نجران جنوب المملكة من هم على الديانة اليهودية، لكن مثل هذه الطوائف كانت مستوطنة منذ مئات السنين، ولا يمكن للحكومة أن تزيح منهم الجنسيات، لمجرد أنهم من ديانة أخرى.

من وجهة نظري، لست مع تجنيس الوافدين حتى لو عاشوا ردحا من الزمن في وطني، دون أن أنبش حرفا واحدا في تاريخهم أو عرقهم أو إلى من يعودون من قبائل، لكن فكرة التجنيس في بلد ذي خصوصية شديدة كالسعودية أمر يبدو مقلقا إلى حد كبير، فهناك عادات وتقاليد لا يمكن الخروج عنها، وكلما كانت القبيلة منغلقة أكثر بشأنها الخاص، كلما كانت أكثر قوة وجاذبية من وجهة نظر البعض، وفي مرحلة ما من تاريخ الخليج، خاصة بعد اكتشاف البترول، سعت دول الخليج إلى تجنيس العديد من الوافدين ممن قدموا للعمل لديها، وكان أقل استحقاق لهم أن يعطوا الجنسية، ليتقاسموا الحياة مع المواطنين دون تمييز.

يشعر الوافدون أن دول الخليج تطردهم بعدما أفنوا حياتهم في البلاد، ولم يشعروا بتقدير خدماتهم مثلما تفعل بقية الدول الأوروبية، حيث أن الحصول على الجنسية لا يتطلب منهم الشعور بأنهم على كف عفريت، بل يشيد الكثيرون بسهولة الشروط الموضوعة للحصول على الجنسية، ولكن حتى الدول الأوروبية بدأت تشعر بمعاناة كبيرة مع الجاليات الوافدة إليها، والتي قدمت من أجل العمل، وحصلت على الجنسية، فمشاكل الجاليات لا تنتهي، وأولها عدم شعور الوافدين بالانتماء الحقيقي إلا إلى أوطانهم التي جاؤوا منها، والسبب هو انغلاق هذه الجماعات على نفسها، وهو ما خشيت منه دول الخليج أن يحدث.

كاتبة سعودية

9