العناد وما أدراك ما العناد

الأحد 2015/03/08

تلجأ لي الكثير من الأمهات لإيجاد حل لمشكلة تعاني منها ابنتها أو ابنها وهي العناد، فكثيرا ما تشتكي الأم أن أحد أبنائها لا يسمع كلامها خاصة في الصباح عند الذهاب إلى المدرسة أو بعد العودة منها خلال القيام بالفروض المنزلية لليوم التالي. نعم قد يتبادر للذهن وخاصة الوالدين أن هذه الطفلة أو هذا الطفل عنيد، لكن الحقيقة أنهما ليسا بعنيدين بل هما وبكل بساطة لا رغبة لهما في الذهاب إلى المدرسة وعمل كل ما يتعلق بها لما لهما من تجارب مزعجة أو مؤلمة وأحيانا مملة في المدرسة.

معظم الأطفال ينشؤون رافضين للكثير من الأشياء في الأكل والشرب والقيام بأمور كثيرة، ولكن ما يعدل سلوكهم هنا هي تربية الوالدين السليمة والمؤسف أن معظم الحاصلين على درجات عالية في التعليم التربوي ليست لديهم المهارات والأساليب الصحيحة في التربية لأن كل منهم يطبق ما ورث وأكتسب من والديه في التربية والتعليم، لذلك يسهل على الوالدين أن يطلقا على الطفل وسلوكه أنه عنيد ويلجأون إلى المختصين. أما العناد فهو شيء آخر قد يبدأ من الطفولة وبسبب التنشئة الأبوية أيضا، ويستمر لمرحلة المراهقة والرشد.

كثيرا ما نسمع في حياتنا اليومية عبارات مثل “المدير وأعوانه الرؤساء عنيدون في التعامل مع طلبات الموظفين في المؤسسة”، “هذا طفل متعنت وعنيد”، “أبي متحجر التفكير ولا يستمع إلا لنفسه”، “هذا الشخص متصلب التفكير لدرجة الغباء” أو كما نقول في اللهجة الخليجية “رأسه يابس”.

هذه أمثلة صريحة ومباشرة عن العناد عند الشخص سواء كان طفل أو والد أو مدير أو حتى شخص عادي. ماذا يعني أن يكون الشخص عنيدا؟ هو رفضه التام لتغيير رأيه أو سلوكه على الرغم من الضغوطات الخارجية التي يتعرض لها. وهو الشخص الذي يقرر ويعزم على القيام بما يريد القيام به ويرفض تغيير رأيه. والعناد هو أحد الخصائص السبع للشخصية المظلمة المعقدة والتي يطلق عليها البعض السوداوية لأنها لا ترى إلا السواد وتهمل الجانب المضيء في أي شيء. كل إنسان لديه الاستعداد لأن يكون عنيدا في أمر أو آخر، لكن الشخص الذي لديه خوف كبير من التغيير يكون العناد لديه أكثر من غيره، كما أن هناك فرق بين الشخص العنيد والذي يعرف ما يريد.

إن لم يتم التعامل مع العناد في مرحلة الطفولة يتحول الأمر مع الوقت إلى خاصية أساسية ومسيطرة على شخصية الإنسان وتحديدا في مرحلة المراهقة، حيث يعتبر العناد أكثر وضوحا نظرا لما يمر به معظم المراهقين من تغييرات في الهرمونات. وعندما يتبع الوالدان أسلوب الحزم وليس التسلط، يقبل الأطفال التربية ويقللون من العناد ويظهرون المرونة في التعامل مع الآخرين مع الوقت.

هناك بعض الأساليب والطرق التي إذا ما تم أخذها بعين الاعتبار واعتمادها في التعامل مع الشخص العنيد يمكن أن يكون هناك تواصل بناء بين الطرفين سواء أكان أحد الوالدين مع الطفل أو موظف مع مديره أو زوج مع زوجته.

من أهم هذه الأساليب هو تجنب التحدث معه في الأمور التي أخطأ فيها بحقك، لأن العنيد يكره أن يكون على خطأ ولأنه يعتقد أنه يعرف أفضل الوسائل للتعامل مع أي شيء أو أي شخص. أحيانا كثيرة عليك أن تتفق مع آراءه حتى وإن كانت أفكاره خاطئة وذلك حتى ينفتح للاستماع غير المباشر لرأيك. كما أن الإشارة الصريحة للشخص العنيد أنه على خطأ يجعله ينغلق تماما ولا يسمعك بل يتمسك برأيه أكثر لأنه لا يشعر بالأمان معك. وبعد أن تتفق معه وتشعره بالأمان تستطيع أن تدلي برأيك وتعرض ما تريد تدريجيا، وفي معظم الأحيان سوف تحصل على مرادك.

قد يختلف الأمر قليلا مع الطفل خاصة في بداية عمره، حيث العناد صفة عامة عند الأطفال، فتكون أفضل الوسائل هنا التعامل مع كل سلوك على حدا بالحوار والتوجيه الحازم وتطبيق عملية الثواب والحرمان والامتناع نهائيا عن التحدث معه وهو في حالة العناد أو الصراخ بسببه.

في حالات الأزواج، هناك الكثير ممن خسروا العلاقة الزوجية إما بالانفصال العاطفي أو بالطلاق بسب العناد وتشبث أحد الطرفين برأيه أكثر من الآخر. وهناك منهم من خسر نفسه في التعامل الخاطئ مع الزوج العنيد عن طريق الاستسلام الكلي لطلباته والصمت على عناده. عادة ما ينال الشخص العنيد ما يريد ويستمر في عناده عندما يكون من حوله ضعاف مثل زوج ضعيف أو زوجة لا تريد أن تخسر حياتها الزوجية، فيعتقد هنا أنه مسيطر على الطرف الآخر بينما الحقيقية أن الطرف الآخر لا يحبه وربما لا يحب أن يكون حوله، إنما هناك أسباب أخرى إما أطفال أو مجتمع تجعل الطرف الآخر يبقى.

بين الأزواج لا العناد الشديد ينفع ولا الصمت عن الشخص العنيد يجدي. عندما يكون هناك حب بين الزوجين يكون هناك نوع من التنازل المنطقي والمقبول لكن بحزم، فعندما يترك أحد الطرفين في العلاقة الطرف الآخر العنيد يعتقد أنه هو من يأتي بالأفكار الرائعة وليس هو هذا سوف يشعر العنيد بالفخر وسوف يسعى لإسعاد الطرف الآخر وفي نهاية الأمر يستمعون للرأي الآخر بقليل من المرونة.

والحزم مطلوب لأن في حقيقة تكوين النفس البشرية العنيد أو غيره من الشخصيات المعقدة أو حتى السوية، مثل هذه الشخصيات لا تحترم الطرف الضعيف في العلاقة ولا تقدر رأيه مهما حدث. والحزم هنا لا يعني حوار عنيف أو التعامل العدواني لأن الشخص العنيد يكون في موقف عدائي طوال الوقت والعنف يجعله يشعر بعدم الأمان أكثر ويتمسك ويزيد في عناده.

كما أن العناد هو من بعض خصال الشخص المغرور، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم “لا يدخل الجنّة من كان في قلبه مثقال ذرّة من كبر” وكذلك ينطبق الأمر على العناد في شخصية الإنسان.

21