العناق بين أفراد الأسرة يقوي جهاز المناعة ويخفف الأزمات

تعابير الجسد تنجح في إيصال مشاعر الود أكثر من المفردات.
الخميس 2021/03/25
في العناق حياة

كشفت العديد من الأبحاث النفسية أن العناق يحتل الصدارة في قائمة الأمور التي تجعل الإنسان سعيدا، فهو يخلق سلسلة من التغييرات الكيميائية داخل الجهاز العصبي، قد تبدأ بلمسة لكنها تؤدي إلى خليط من التفاعلات الحسية التي تنتقل من الجلد إلى الدماغ عبر الأعصاب، ما يُحدث تغييرات تؤثر على الجسم بأكمله، لكن معظم الأسر لم تعد تتبادل العناق، وزاد الوباء في توسيع المسافات بين الناس والتباعد الجسدي.

أصبح معظم الناس منذ أن تفشت جائحة كورونا، أكثر حرصا على تجنب المصافحة والعناق مع الأصدقاء وحتى الابتسامات اختفت تحت الكمامات، لذلك دعا خبراء وعلماء نفس إلى ضرورة البحث عن بدائل تساعد على تخفيف القلق والتوتر والحفاظ على الاستقرار النفسي والعصبي والتخلص من الهموم التي تسبب فيها الوباء.

وأكد أخصائيو علم النفس أن فايروس كورونا المستجد أطاح بالأنشطة الترفيهية والحفلات والمباريات الرياضية، فخاب أمل الأطفال والمراهقين بفقدان ما اعتادوا عليه بسبب كورونا.

ويمثل هذا الأمر بالنسبة إليهم خسائر كبرى في حياتهم، ولذلك فهم في أمسّ الحاجة وأكثر من أي وقت مضى إلى الدعم النفسي والعناق واللمسة الحنونة لتجاوز حزنهم وإحباطهم بسبب الأشياء التي افتقدوها.

وبالرغم من أن العناق والتربيت على الكتفين، أو الطبطبة على الظهر تلعب دورا مهما في حياة الأفراد، لكن لا يتم إعطاء هذه اللمسات الحنونة أهمية إلا عندما يشعر الشخص بالحرمان من هذا النوع من الاتصال الجسدي مع أفراد أسرته والمقربين منه.

وفي الوقت الذي ينصح فيه الأطباء، بتجنب اللمس لتقليل احتمالية الإصابة بالفايروس التاجي، يقول علماء النفس إنه من المهم جدا الحفاظ على العناق بين أفراد الأسرة في الظرف الراهن.

وأوصى البابا فرنسيس في مقابلة مع صحيفة “لا ريبوبليكا” الإيطالية العائلات القابعة في الحجر المنزلي بالعودة إلى “بوادر الحنان” بما يشمل “تحضير الأطباق الساخنة واللمسات والعناق والتواصل الهاتفي”.

وذكّر البابا الأرجنتيني بأهمية “بوادر الحنان والعاطفة والتعاطف” التي تشمل “خطوات بسيطة باتت مفقودة أحيانا في الحياة اليومية”.

وقال “علينا إعادة اكتشاف الطابع الملموس للأشياء الصغيرة وطرق الاهتمام البسيطة بأقربائنا وأهالينا وأصدقائنا. وعلينا أن نفهم أن كنزنا يكمن في هذه الأشياء البسيطة”.

محمد جويلي: الوباء فرض حظرا على القبلات والعناق والمصافحة
محمد جويلي: الوباء فرض حظرا على القبلات والعناق والمصافحة

وكشفت العديد من الأبحاث النفسية أن العناق يحتل الصدارة في قائمة المشاعر التي تجعل الإنسان سعيدا، لكن في المقابل لا يتبادل معظم أفراد الأسر اليوم حركات الضمّ إلى الأحضان الدافئة بين بعضهم البعض بسبب زحمة المشاغل ونسق الحياة السريع والأزمات الكثيرة التي سببتها الجائحة.

وأكدت الباحثة الأميركية في علم النفس فرجينيا ساتير أن الإنسان في حاجة يوميا إلى أربعة حركات احتضان ليكون مرتاح النفس، وإلى 8 حركات منها ليكون واثقا من نفسه، وإلى 12 حركة ضمّ إلى الأحضان ليكون مبدعا في حياته.

وسبق أن أشار عالم الاجتماع التونسي محمد جويلي إلى أن الوباء قد فرض حظرا على القبلات والعناق والمصافحة باليد وهي تقاليد أساسية في منطقة المتوسط التي تنتشر فيها “ثقافة التماس والقرب”.

وأكد جويلي أن “اللقاء بين أشخاص يعرفون بعضهم بعضا يؤدي إلى عناق وقبلات وهذا مؤشر على التعبير عن المحبة والامتنان”، مضيفا “تصرفنا ناجم عن العادات ومن الصعب على طفل صغير أن يرى جده أو جدته من دون أن يعانقهما”.

وتقول الأخصائية النفسية وكاتبة العمود الشهري في مجلة نيوزويك الدكتورة ليزا دامور “الآباء والأمهات والأطفال قلقون. وأنا أرجو الأهل أن يفعلوا ما بوسعهم للتحكم بقلقهم، وألا يشاركوا مخاوفهم مع أطفالهم، هذا يعني كبت المشاعر، وهو أمر ليس بالسهل في بعض الأحيان. وخاصة إذا ما كانت تلك المشاعر تشكل ضغطا على الوالدين”.

وشددت دامور على أن الأطفال يحتاجون إلى معانقة والديهم للإحساس بشيء من الطمأنينة والأمان، “ومن المهم أن يتذكر الآباء ان الأطفال يشبهون الركاب في هذه المحنة وهم من يقودون العربة. وعليهم، إن شعروا بالقلق ألا يسربوا إليهم هذا الشعور الذي قد يعيق احساسهم بالأمان أثناء رحلتهم”.

ويشبه الأطفالُ البالغين في الشعور بالحزن والقلق، وفي بعض الحالات يمكن للقلق أن يستبد بهم حتى يقف عائقا أمام القيام بالأمور المفضلة لديهم.

ومهما كانت الفئة العمرية التي ينتمي إليها الطفل، فإن احتضانه سواء من قبل والديه أو أشقائه وأجداده قد يلعب دورا مهمّا في تحسين مزاجه والتخفيف من حدة القلق الذي تعرض له بسبب موقف معين، ويزيد من الطاقة الإيجابية، ويقلل من المشاعر السلبية.

وفي السنوات الأخيرة، تم اكتشاف مدى أهمية أن يقضي الرضع أطول فترة ممكنة بالقرب من صدور أمهاتهم، وتأثير ذلك على أعصابهم ونفسيتهم ونشاطهم العقلي.

كما يساعد التواصل الجسدي مع الطفل في تعزيز شعوره بالانتماء ويساهم بشكل كبير في تنشيط قدرته على الابتكار إضافة إلى عدة فوائد أخرى.

ولفهم فوائد العناق بالنسبة إلى البشر، سلط خبراء الضوء على المسار الحسي لمثل هذا النوع من التواصل الجسدي الذي يكون بشكل مستمر بين أفراد الأسرة، فعند احتضان شخص ما تنشط عدة مستقبلات حسية في الجلد. وهناك أعصاب أيضا تستجيب للمس، وتلعب هذه الأعصاب الحسية دورا بارزا في الشعور بقيمة الاتصال الجسدي.

وبمجرد تنشيط المستقبلات الحسية تقوم الأعصاب بتحويل التحفيز الميكانيكي إلى إشارات كهربائية وكيميائية تنتقل على طول العصب المحيطي إلى النخاع الشوكي ثم إلى الدماغ. فتنشط المسارات الحسية مناطق الدماغ المسؤولة عن الترابط الاجتماعي والسعادة والألم.

العناق لنمو الطفل

يعتبر التفاعل من خلال اللمس، أمرا بالغ الأهمية وخاصة لرفاهية الطفل ونموه ويُعتقد على نطاق واسع أن حاسة اللمس هي أول الحواس التي تتطور لدى الجنين وهو لا يزال في الرحم. وأما بعد الولادة وفي المراحل المبكرة من العمر، فيمثل الاتصال الجسدي من الأم للطفل أو من الشخص الذي يرعاه أمرا بالغ الأهمية لنموه. إذ تعمل لمسة الأم على تعزيز مشاعر الارتباط والأمان والمشاعر الإيجابية.

وأظهرت دراسة أجريت عام 2010 أن أطفال النساء الحنونات كانوا سعداء وأكثر مرونة وأقل توترا وقلقا، فيما عانى الأطفال الذين لم ينالوا نفس القدر من الحب والحنان من مشاكل معرفية وعاطفية وحسية، بالإضافة إلى زيادة مستويات الكورتيزول. (الهرمون المرتبط عادة بالتوتر).

وفي 2015، كشفت دراسة أجرتها جامعة نوتردام في مدينة ساوث بند الأميركية أن الأطفال الذين عانوا من قلة اللمس والمعانقة في الطفولة المبكرة واجهوا مشاكل صحية وعاطفية أسوأ مقارنة بأقرانهم.

ولفتت دارسا نارفيز أستاذة علم النفس في جامعة نوتردام أن عدم إشعار الأطفال بالحنان واحتضانهم في صغرهم، يترك أثرا كبيرا على أجسامهم أثناء عملية النمو، إذ يمكن أن يؤدي إلى عصب غامض متخلف، أو حزمة من الأعصاب التي تمتد من الحبل الشوكي إلى البطن، وقد تقلل من قدرة الأطفال على أن يكونوا ودودين أو رحيمين، وتؤدي إلى تخلف في نظام هرمون الأوكسيتوسين، وهي الغدد التي تطلق هرمون “الأوكسايتوسين”، الذي يساعد على تكوين روابط بين الأشخاص.

الترابط الاجتماعي

Thumbnail

يعتبر “الأوكسايتوسين” أو هرمون الحب الذي تنتجه منطقة تسمى “تحت المهاد” الموجودة بالمخ، حلقة الوصل بين الجهاز العصبي الذاتي والجهاز الإفرازي من خلال الغدة النخامية، ويحتل تحت المهاد الجزء الأكبر من الدماغ البيني، حيث يقع أسفل المهاد وفوق جذع الدماغ، وهو معروف إلى حد كبير بتأثيره على الترابط الاجتماعي.

وتشير الدراسات إلى أن الخلايا العصبية التي تنتج الأوكسايتوسين تظهر على نطاق واسع في جميع أنحاء الدماغ، بما في ذلك المناطق التنظيمية المرتبطة بالتفاعل الاجتماعي والخوف والعدوانية والهدوء والتوتر.

وفي حين يعمل “الأوكسايتوسين” الذي يتم إطلاقه على العديد من الهياكل خارج الدماغ، فإن بعضا منه يبقى داخل المخ ويؤثر على السلوك والمزاج ويحفز الشعور بالرضا ويقلل القلق والتوتر.

تقوية المناعة

يعمل هرمون “الأوكسايتوسين” الذي يتم إفرازه من خلال الغدة النخامية الخلفية على تقليل هرمون التوتر الكورتيزول، حيث يسمح الاتصال الجسدي للفرد بالتعامل بمرونة مع المواقف العصيبة، بدلا من إجهاد جهاز المناعة ما يقلل من فرص الإصابة بالأمراض.

وكشفت دراسة أجريت في سنة 2015 في جامعة كارنيغي ميلون الأميركية أن فرص إصابة الأشخاص الذين يحظون بدعم اجتماعي بفايروسات نزلات البردكانت أقل. وخلصت النتائج إلى أن الأفراد الذين أصيبوا بالمرض كانت أعراضهم أقل حدة إذا أحتضنهم أحباؤهم وتمتعوا بدعم اجتماعي مستقر.

وبينما ترسل المستقبلات الحسية المنشطة إشارات إلى الدماغ، فإن تلك الإشارات تتوجه إلى العصب المبهم، وهو أحد الأعصاب القحفية الاثني عشر، فيقلل هذا من ضغط الدم، وفي الوقت نفسه يساعد المتعانقين على الشعور بالهدوء والطمأنينة.

تحسين المزاج

أظهرت بعض الأبحاث أيضا، أن المعانقة تطلق “الدوبامين” داخل الدماغ، وهو من الهرمونات التي تساهم في تحسين المزاج والشعور بالسعادة، كما تشير الدراسات إلى أن ناقلا عصبيا آخر، وهو “السيروتونين”، يزداد مع تنشيط المستقبلات الحسية ويؤدي إلى تحسين المزاج. ومن خلال زيادة إفراز هرمون الأوكسايتوسين، بالاقتران مع الناقلات العصبية الأخرى، يخلق العناق مشاعر الهدوء.

الثقة بالنفس

تعد المعانقة والاتصال البشري الجسدي أمرا بالغ الأهمية للرضع والأطفال والبالغين على حد سواء، فهي تبني وتعزز الثقة بالنفس وتقدير الذات، لما لها من تأثير دائم على النظام العصبي للدماغ، وقد أظهرت الأبحاث أن المعانقة وسيلة فعالة لإيصال مشاعر الود والدعم الاجتماعي.

وأدى الوباء إلى خلق هوة كبيرة في مشاعر الناس وباعد بينهم بسبب المخاوف من التقاط عدوى بالفايروس، ورغم أنه من المهم المحافظة على التباعد الاجتماعي لمنع تفشي الوباء، لكن فوائد التواصل الجسدي بين الناس تظل لا تقدر بثمن، لذلك، وينصح الخبراء أفراد الأسرة غير الملقحين، بارتداء الكمامة أثناء التعانق وإبقاء الوجهين في اتجاهين متعاكسين، ومن المفيد أيضا غسل اليدين بعد المعانقة وتجنب ملامسة جلد شخص آخر.

وعلى الرغم من أن مثل هذه الطرق الحديثة للعناق قد تبدو غريبة نوعا ما، لكن من الأفضل إجراء هذه التعديلات الصغيرة في الوقت الحالي حتى يتمكن الناس من مواصلة التواصل الاجتماعي والعاطفي مع الأصدقاء والعائلة من حين إلى آخر، مع الحفاظ على السلامة.

21