العناية بالحديقة تطيل العمر وتحسن المزاج

بعض الأطباء يعتمدون العلاج بالبستنة لمحاربة أمراض مثل ألزهايمر والتوحد وفرط النشاط لدى الأطفال وفقدان الشهية.
الخميس 2019/01/24
البستنة المنتظمة تعزز الثقة بالنفس

يشغل الكثير من الناس وقت فراغهم في العناية بالحديقة، في محاولة للتغلب على رتابة الأيام وضغط الوظيفة. وشيئا فشيئا، تتحول هواية البستنة إلى شغف وثقة في النفس، بمجرد رؤية النتائج على النباتات والأشجار. ومع الانتظام يصبح لهذا التواصل مع الطبيعة تأثير إيجابي على الصحة البدنية والنفسية على حد السواء.

باريس – كشف الكثير من الباحثين أن البستنة يمكن أن تضاف إلى علاجات عدد مهم من الأمراض النفسية والعقلية وهي عامل مساعد للأدوية في تحسين المناعة وتسريع عملية الشفاء.

وكانت دراسة، نشرت عام 1982 في المجلة العلمية (علم)، قد قدمت أدلة على تماثل بعض المرضى، بعد إجراء عمليات جراحية، للشفاء بسرعة أكبر بعد إقامتهم في غرف تطل على مناظر طبيعية داخل المستشفى. كما أثبت العالمان أوريش وسيمون عام 1986 أن مشاهدة النباتات والاخضرار تقلل الأعراض المرتبطة بالقلق والمتمثلة في الشد العضلي وارتفاع ضغط الدم واضطراب ضربات القلب.

وأكد تقرير للصحيفة الفرنسية (لوموند) أن بعض الأطباء يعتمدون العلاج بالبستنة، الذي أطلق عليه اسم “هورتيكالتشورثيرابي”، لمحاربة أمراض مثل ألزهايمر والتوحد وفرط النشاط لدى الأطفال وفقدان الشهية.

وتشير دراسات أولية عن المسنين الذين يعانون من أمراض ذهنية (مثل الشيخوخة وألزهايمر) إلى فوائد البستنة والعلاج عن طريق ممارسة الزراعة. فضوء الشمس والهواء النقي على سبيل المثال يساعدان المسنين الذين يشعرون بالتوتر والعصبية على أن يصبحوا أكثر هدوءا، بينما يمكن لألوان وأوراق النباتات والخضروات المختلفة المساعدة في تحسين القدرات البصرية والحسية. ولا يوجد علاج للتقدم في السن، لكن يرى العلم أن البستنة تحسن فعلا من جودة حياتنا عندما نتقدم في السن. وأوضح التقرير أن العلاج بالبستنة لا يعني استبدال العقاقير والأدوية وإنما هما يعملان، جنبا إلى جنب، لا سيما بعد أن ثبت أن له تأثيرات إيجابية حقيقية، وهو، وفق الصحيفة الفرنسية، ما جعل إحدى دورات المهرجان الدولي لحدائق (شومون- سور- لوار) تتبنى شعار “الجسد والروح”، إيمانا من المشرفين عليها بفوائد العناية بالحديقة على الروح والجسد معا.

وتقول رئيسة جمعية “الحدائق والصحة” آن شاهين التي تبلغ من العمر 70 عاما قضت منها 40 سنة في ممارسة البستنة، “لم ننته أبدا من تعلم كيفية تفاعل النباتات والحشرات، نحن نستبدل الأنواع ونقطع الشجيرات والحديقة في تغير مستمر”. كل هذه العملية تحفز الوظائف المعرفية، لا سيما عند التقدم في السن، ولإنجاحها، يوضح موقع (بسيكولوجي) الفرنسي أنه ينبغي حفظ أسماء النباتات وتحديد احتياجات المزروعات ومكانها. العناية بالنبتة وتتبع جميع مراحلها هو مسار متكامل يعلم الصبر وقد ينتهي بثمرة لذيذة أو زهرة فاتنة أو بخيبة تستفزنا للبحث عن حلول أخرى لإنقاذها.

وأجرى الباحث دان بويتنر المتخصص في دراسة المناطق التي يكثر فيها المعمرون، دراسة لخمسة أماكن حول العالم اشتهر مواطنوها بأنهم من المعمرين، وهي جزيرة أوكيناوا في اليابان ونيكويا في كوستاريكا وجزيرة إيكاريا في اليونان ولوما ليندا في كاليفورنيا وسردينيا في إيطاليا. فالناس الذين يعيشون في هذه الأماكن، التي تسمى “المناطق الزرقاء”، تجمعهم عوامل محددة، مثل شبكات الدعم الاجتماعي وعادات ممارسة الرياضة اليومية والغذاء القائم على النباتات، لكن يجمعهم أيضا أمر آخر، ففي كل مجتمع من هذه المجتمعات، يمارس الناس هواية البستنة حتى سن متأخرة تصل إلى 80 و90 سنة أو أكثر.

البستنة، حتى لو كانت في بقعة صغيرة في منطقة حضرية، تدخل الإحساس بالطبيعة في الحياة اليومية

وتؤكد هيئة الإذاعة البريطانية ‘بي بي سي’ أن هناك الكثير من الدراسات التي تشير إلى أن ممارسة البستنة أمر مفيد للصحة العقلية والبدنية. ففي دراسة هولندية حديثة، طلب الباحثون من المشاركين أن يؤدوا مهام تتسبب في التوتر، ومن ثم قسموهم إلى مجموعتين. إحدى المجموعتين مارست القراءة بين أربعة جدران، بينما مارست المجموعة الثانية البستنة في الخارج لمدة 30 دقيقة. وقالت المجموعة التي مارست القراءة إنه طرأ “المزيد من التدهور” على مزاجها، بينما طرأ انخفاض في هرمون الكورتيزول أو هرمون التوتر لدى المجموعة التي مارست البستنة، كما أن من في هذه المجموعة شعروا بأنهم “عادوا بالكامل” إلى مزاج جيد.

وتوصلت دراسة أسترالية تقوم بمتابعة مجموعة من الرجال والنساء في الستينات من أعمارهم، إلى أن الذين يمارسون البستنة بانتظام لديهم خطر أقل بنسبة 30 بالمئة للإصابة بأمراض الشيخوخة، مقارنة بأقرانهم الذين لا يمارسون البستنة.

ويعكف الدكتور برادلي ويلكوكس من جامعة هاواي على دراسة المعمرين في جزيرة أوكيناوا التي توجد بها أعلى نسبة من المعمرين في العالم تصل إلى خمسين شخصا من بين كل 100 ألف شخص. فالكثير من المواطنين هناك لديهم حدائق شخصية صغيرة يعتنون بها عندما يتقدمون في السن.

ويقول ويلكوكس إن البستنة، إلى جانب أمور أساسية أخرى، تساعد في طول العمر. ويضيف “في أوكيناوا يقولون إن أي شخص يتقدم في السن وهو بصحة جيدة يحتاج إلى معرفة مفهوم ‘إيكيجاي’ الياباني، الذي يعني وجود هدف للعيش من أجله. والبستنة تعطيك سببا لكي تنهض من أجله كل يوم”.

ويضيف ويلكوكس “الالتقاء بالآخرين في السوق المحلية وإحضار منتجاتك ومشاركة الآخرين إبداعاتك في الحديقة أو المزرعة، كلها أمور تعبر عن نشاط اجتماعي هائل، وهو ما يساعد الناس بالتأكيد على الإحساس بأنهم متواصلون مع الآخرين وغير معزولين عن المجتمع”.

إن الشعور بالترابط والتواصل مع الآخرين أمر مهم، يماثله في الأهمية ارتباط الإنسان بالطبيعة. فقد أظهرت إحدى الدراسات الصادرة عن جامعة هارفارد أن الناس الذين يعيشون في مناطق تحيط بها الخضرة والأشجار، يعيشون لفترات أطول، مع احتمالات أقل للإصابة بالسرطان أو أمراض التنفس. ويمكن الآن للأطباء في أسكتلندا أن يكتبوا في وصفاتهم الطبية المشي في الطبيعة كعلاج لأمراض متنوعة، بما في ذلك علاج ضغط الدم المرتفع، والحد من التوتر، ولتحسين الإحساس بالسعادة بشكل عام. كما أن البستنة، حتى لو كانت في بقعة صغيرة في منطقة حضرية، هي طريقة بسيطة لإدخال الإحساس بالطبيعة في حياتك اليومية.

ويرى الباحثون أنه في النهاية من الصعب النظر إلى الزراعة وحدها على أنها وصفة سحرية للشفاء من الشيخوخة. فليست ممارسة الزراعة أو البستنة في نهاية الأمر ضمانا لعمر أطول للإنسان، لكن بعض العوامل الأخرى المتعلقة بأسلوب الحياة المرتبط بالخروج من البيت والانخراط في أعمال بدنية خفيفة، وتناول طعام صحي يتكون أساسا من النباتات، قد تكون سببا في طول العمر. وفي نهاية الأمر، كل شيء يعتمد على التوازن.

ويقول ويلكوكس “أستخدم الكرسي هنا لإعطاء مثال عملي. فالكرسي يقوم على أربعة قوائم هي النظام الغذائي والنشاط البدني والنشاط الذهني والروابط الاجتماعية. فإذا فقدت واحدا منها، فسيختل توازنك، ويمكن لذلك أن يقلل من العمر المتوقع الذي يمكن أن تعيشه”.

17