العنب عسل يُقطّر ليحمي اللبنانيين من "السم الأبيض"

السبت 2014/11/15
عملية تقطير وتجميع السائل الذهبي في معصرة العنب ببلدة راشيا الوادي

راشيا الوادي (شرق لبنان) - تتكدس صناديق العنب الأبيض والأحمر على مدخل “معصرة العنب الحديثة” في بلدة راشيا الوادي في منطقة البقاع الغربي شرقي لبنان، التي لا تزال تحافظ على ما تبقى من تراث في هذا البلد الصغير، ابتداء من منازلها القرميدية الجميلة إلى صناعة “دبس العنب” التقليدية.

أصبحت بلدة راشيا الوادي وهي بلدة نموذجية بتعايشها المسيحي­ الدرزي، آخر مكان في لبنان لا يزال يصنع “دبس العنب”، الذي أعيد اكتشافه عالميا لفوائده الغذائية العديدة وكبديل صحي وطبيعي للسكر، أو ما بات يعرف بـ”السم الأبيض”.

داخل المعصرة، التي جارت العصر وأدخلت معدات حديثة إلى صناعتها المتخصصة بدل الأدوات اليدوية التي كانت تستخدم سابقا، رائحة ذكية تسود المكان، حيث العمل على قدم وساق.

في وسط المعصرة، هناك من يتولى، بلباسه الدرزي التقليدي، تحريك عصير العنب في قدر كبير موضوع تحت نار قوية، مستخدما “كبشة” (مغرفة كبيرة) قديمة ذات يد طويلة. في زاوية أخرى، يراقب عدد من العمال عملية التقطير وتجميع “المادة الذهبية” آليا في خزانات قبل أن تشق طريقها النهائي لتتوزع على قوارير من أحجام مختلفة.

"دبس العنب" أضحى بديلا عن السكر الأبيض في صناعة الحلويات

وصناعة “دبس العنب”، التي يعود عمرها إلى أكثر من 1000 سنة، موجودة في سوريا وفلسطين كما إيران واليونان وفرنسا وإيطاليا وتركيا، وأصبحت معروفة ومطلوبة عالميا بعد أن ثبت أن هذه المادة الطبيعية مصدر جيد للطاقة وتحتوي على العديد من المعادن الضرورية.

أما في راشيا، فهي تشكل أيضا مصدرا ماديا مهما يساهم برفع دخل مزارعي العنب وتحسين أوضاعهم في ظل الأحوال الاقتصادية المتردية.

وشرح بهاء القضمائي، صاحب المعصرة، عملية تصنيع “دبس العنب”، التي تبدأ بقطاف ثمرة العنب في نصف شهر سبتمبر، مشيرا إلى أن الخطوة الأولى في المعصرة تكون بعصر العنب، ثم تجفيفه ونقله إلى خزّانات خاصة.

ولفت القضمائي إلى أن عصير العنب يترك مدة 12 ساعة حتى تترسب الشوائب في قعر الخزّانات، ثم يتم نقل العصير المصفى إلى حلل كبيرة ليتم تكثيفه، عبر تبخير المياه منه لتبقى المواد الصلبة، ويطبخ العصير على البخار على درجة حرارة يمكن أن تصل إلى 100 درجة مئوية.

وحدد قدرة التصنيع في معصرته ما بين 400 إلى 500 طن من العنب في السنة، فيما يستعمل أكثر من 1500 طن من العنب في المنطقة لهذه الصناعة، ما يجعل “المنتوج النهائي حوالي 150 إلى 200 طن من دبس العنب” في راشيا.

وأوضح القضمائي أن كل أنواع العنب يمكن استخدامها في تصنيع دبس العنب “إلا أن العنب الأبيض هو الأفضل. وهذا متواجد بكثرة في منطقة راشيا”.

من جانبه، قال شوقي دلال، رئيس “جمعية محترف راشيا”، أن بلدة راشيا تكاد تكون البلدة الأولى ليس فقط على مستوى لبنان بل العالم في صناعة “دبس العنب”، مشيرا إلى أن البلدة مشهورة بهذه الصناعة منذ مئات السنين.

العنب الأبيض هو الأفضل لتصنيع "دبس العنب"

وقال دلال إن صناعة دبس العنب “صناعة بيئية طبيعية مئة بالمئة، لا يدخلها أي مركبات كيميائية”، مشيرا إلى أنها “تصلح لغذاء الأطفال والكبار ولكافة أفراد الأسرة” ويوصي بها الأطباء وأخصائيو التغذية.

وأضاف “نشهد اليوم عودة إلى دبس العنب”، إذ أضحى بديلا عن السكر الأبيض في صناعة الحلويات، خاصة في راشيا.

وأضاف دلال أنه طرح على وفد “منظمة الفكرية العالمية” خلال زيارة لراشيا “حماية اسم دبس العنب”، متعهدا بالمساعدة على تسويق هذا المنتوج ليس في لبنان فقط بل في المنطقة والعالم أيضا.

لم لا، وفوائد “دبس العنب” اعترف بها الطب الحديث، خصوصاً لجهة تنقية الدم، وتنشيط الأعصاب وتوسع الشرايين، والأهم المحافظة على نضارة البشرة، والشباب الدائم.

20