العنصرية الدينية تهمة يتبادلها الجميع ضد الجميع

ممارسة الاضطهاد الديني قديمة قدم الديانات والمذاهب التي لا يعتقد المتشددون من معتنقيها بمطلق صحة ما آمنوا به فحسب، بل ويزيدون على ذلك باحتقار كل من يخالفهم في العقيدة ويذهبون نحو شطبه وإلغائه بشتى الأشكال التي تبدأ بالعنف اللفظي والتمييز الاجتماعي والإداري والسياسي، وتصل حد التهجير والتقتيل والإبادة.
الخميس 2017/08/24
الاعتراف بأخطاء الماضي طريق نحو التعايش

واشنطن - لا يمكن أن يدّعي أصحاب أي عقيدة كانت في التاريخ البشري وعلى مر العصور، خلوّ صفوفهم من المتشددين والمتطرفين الذين يرون في أنفسهم الأصح والأنقى والأقرب إلى الله، وينظرون إلى من يخالفهم الرأي بعين الازدراء والاحتقار ووجوب محاربته والتخلص من وجوده.

حتى العقائد والفلسفات التي تقدم نفسها عبر أفكار نورانية طهرانية وتدعو إلى المحبة المطلقة كطريق للخلاص البشري، يمارس الغلاة من أصحابها أنواعا من التمييز والكراهية بل وربما بشكل أكثر شراسة ووحشية من غيرها خصوصا عندما تعيش بينها أقلية مختلفة في طقوس عبادتها وطرق عيشها، ولعلّ أفضل مثال على ذلك ما يتعرض له مسلمو بورما من تمييز وتقتيل من قبل البوذيين: أصحاب الديانة التي يكاد يجمع الكثيرون على ابتعادها عن العنف وتمسكها بمبادئ التسامح والقيم الروحية السامية.

وفي الهند التي توصف بأكبر ديمقراطية في العالم، والمعروفة بالتعدد الهائل والتنوع المدهش للطوائف والديانات، اندلعت أزمة فيها منذ زمن قصير بسبب حملة لتحويل المسلمين والمسيحيين إلى الهندوسية التي تعهّد رئيس أقوى جماعاتها بمواصلة حملة يقودها لتحويل المسلمين والمسيحيين عن دياناتهم وإقناعهم باعتناق الهندوسية.

ويذكر أن مجموعات من المسلمين يتعرضون إلى الخديعة في مراسم تحويل الديانة التي تجريها جماعات هندوسية، الأمر الذي يذكّر بوضع المسلمين في إثيوبيا حين كانوا يعانون في عهد الإمبراطور هيلاسيلاسي أشد أنواع الحرمان ويجبرون على تغيير أسماء أطفالهم ليتمكنوا من تسجيلهم في المدارس الحكومية أو تلك التابعة للكنائس المسيحية والبعثات التبشيرية.

كل الديانات والطوائف والمذاهب والأعراق دون استثناء، يدعي أصحابها أنهم يتعرضون للاضطهاد الديني، وبأشكال مختلفة ودرجات متباينة، فاليهود الذين تعرضوا للتمييز وأبشع الحملات العنصرية في أوروبا، عاد المتشددون منهم لمساندة سياسة التفرقة التي تمارسها إسرائيل ضد العرب الفلسطينيين مسلمين ومسيحيين.

والديانة المسيحية بدورها ـ ووفق تقارير موثقةـ هي واحدة من أكثر الديانات المضطهدة في العالم؛ إذ أن أكثر من 200 مليون مسيحي يتعرضون للاضطهاد في جميع أنحاء العالم؛ وخاصة في منطقة الشرق الأوسط، موطن المسيحيين الأول منذ بداية ظهور هذا الدين.

وحين يتعلق الحديث عن قضية الاضطهاد الديني، وينحاز كل طرف إلى ديانته دون محاكمة عقلانية، فالجميع ضحية الجميع ولا وجود لأتباع ديانة أو مذهب يمكن لهم أن يبرؤوا ذممهم ويدّعون نظافة السجلات عبر التاريخ المتشعب والجغرافيا المتشابكة، لكنّ عوامل الرقي الحضاري والتشرب بتربية أخلاقية وتسامحية، وانتهاج سياسة انفتاحية معتدلة، كفيلة بلجم سلوك التعصب والكراهية. كأن من يجد نفسه “أغلبية” في مكان ما، يمارس التمييز عمن يراه “أقلية”، وهذا “الأقلية” هنا هو أغلبية هناك، في كوميديا سوداء لتبادل الاتهامات والتراشق بالمظلوميات.

لما ينحاز كل طرف إلى ديانته دون عقلانية، يكون الجميع ضحية الجميع ولا وجود لأتباع ديانة يمكن لهم أن يبرؤوا ذممهم

إن نظام طهران مثلا، وفي إطار متاجرته بالظلومية الشيعية ودفاعه المزعوم عن الشيعة في البلاد العربية، مدان بالشهادات والوثائق بانتهاكات عديدة وجرائم فظيعة ضد السنة وغيرهم من الأقليات داخل ايران التي تتهم في التقارير بأنها استخدمت قوانين غامضة تتعلق بالرِدة حول مسألة إعدامها لنحو 20 من أبناء الأقليات الدينية خلال العام الماضي، وقالت الخارجية الأميركية إن الحكومة الإيرانية تواصل مضايقة واعتقال البهائيين والمسيحيين والمسلمين السنة وغيرهم من الأقليات الدينية.

بلدان أوروبية كثيرة، متهمة بالتستر والتغاضي عن موجات الكراهية مثل ألمانيا وفرنسا والمجر، فلقد نشرت الولايات المتحدة تقريرا حول الحرية الدينية تطرق إلى جرائم الإبادة التي ارتكبها تنظيم داعش، فضلا عن التمييز الديني في أنحاء العالم والخطاب المعادي للمسلمين في بعض الدول الأوروبية.

ورسم هذا التقرير المخصص للعام 2016، صورة قاتمة عن وضع حرية المعتقد والعبادة في نحو 200 بلد.

وقال وزير الخارجية الأميركي ريكس تيلرسون، خلال تقديمه التقرير في واشنطن إنّ “نحو 80 في المئة من سكان العالم يواجهون قيودا أو أعمالا عدائية تقيّد حريتهم الدينية“، لافتا الى أن “الاضطهاد الديني والتعصب لا يزالان منتشرين إلى حد كبير”. وهذا التقرير هو الأول الذي يُنشر في عهد دونالد ترامب الذي تعرّض بدوره لانتقادات بسبب مواقفه المعادية للإسلام خلال حملته الانتخابية.

ومن المفارقات العجيبة المتعلقة بـ”الذين ينهون عن منكر ويأتون بمثله”، فإن سفير الحريات الدينية في الوحدة الملحقة بوزارة الخارجية الأميركية، سام براونياك، حاكم ولاية كنساس، والذي عينه الرئيس دونالد ترامب، معروف بعدائه الشديد للمسلمين واللاجئين، وهو مع ذلك يتشدق بقوله “إن الحرية الدينية هي من أولى الحريات ويشرفني أن أخدم مثل هذه القضية المهمة”.

العالم العربي كان ولا يزال في تاريخه القديم والحديث ساحة للصراعات وبؤر التوتر وتضارب المصالح الدولية، لذلك فمن الطبيعي الحديث عن الصراعات الدينية والمذهبية في هذه الرقعة الغنية بالتعدديات على مختلف أشكالها ومللها ونحلها، لكنه لا ينبغي أن يتهم وحده بغياب ثقافة التعايش والانفتاح، فالعرب أنفسهم ضحية للتمييز والعنصرية والتطرف وفي مستويات متعددة، كما أن لسائل أن يسأل: لماذا لم تتفجر هذه الأحقاد إلاّ الآن؟ وهل أنّ العرب وحدهم مسؤولون عن تطرف الإسلاميين الذين تفيد التقارير بأن غالبية من قيادات داعش هي من أقاليم غير عربية؟، ثم لماذا ينسى بعضهم التطرف الشيعي الذي تغذيه ايران ويركزون على السنّة الذين يعانون بدورهم من العصابات التكفيرية؟

الحديث عن الاضطهاد الديني في العالم العربي يأخذ أشكالا متشعبة وينبني على مغالطات كثيرة ومن جميع الأطراف (المدينة والمدانة)، ذلك أنه شديد الالتصاق بالشأن السياسي في أبعاده الداخلية والخارجية كما أنه مرتبط بالنسيج المجتمعي وبناه القبلية وروابطه الأسرية والإقطاعية، بالإضافة إلى المصالح الاقتصادية والامتيازات المالية.

الحرب الأهلية في لبنان مثلا، والتي امتدت قرابة عقد ونصف من الزمن، لم تكن حربا دينية على شاكلة النماذج التي عرفتها أوروبا القديمة وغيرها فلم يكن يغذيها تعصب عقائدي بقدر ما كانت صراعا بين قوى سياسية تحركها مصالح فئوية ارتبطت بدورها بجهات خارجية واحتمت تحت مظلات ويافطات طائفية. لقد كانت حربا تدور في فلك الإقطاع السياسي الذي استند إلى الخلفية والمحاصصة الطائفية الواردة في الدستور.

أمثلة كثيرة في العالم العربي تؤكد أن الأصل في المشاحنات المذهبية والاضطرابات العرقية لا يتعلق بالتعصب لعقيدة معينة والذود عن أفكارها من منطلق إيماني بحت، بل بتصادم المصالح والسعي للهيمنة الاقتصادية والسياسية والسطوة الاجتماعية من قبل مجموعة ضد أخرى، لكنها تجد في الوازع الديني لدى الفئات البسيطة والمحرومة أقوى السبل وأسهلها وأشدها فتكا في ذات الوقت فتعمل على تعبئة الجمهور العريض وتجييشه بالشعارات الدينية.

13