العنصرية الطائفية المحرك العميق للظواهر الإرهابية

أكد نشطاء وخبراء في مجال مكافحة الإرهاب، أن العنصرية الطائفية وما يتناسل عنها من ميليشيات مسلحة هي السبب الرئيسي لتأجيج مظاهر الإرهاب في الشرق الأوسط وخاصة العراق، الذي أصبح حاضنة لتصدير الإرهاب إلى دول الشرق الأوسط وأنحاء العالم.
السبت 2016/09/24
تسليط الضوء على جذور الإرهاب

جنيف – سلطت إحدى أبرز الندوات التي عقدت على هامش الدورة الـ33 لمجلس الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، أمس، الضوء على العلاقة بين تصدير الإرهاب والعنصرية الطائفية، وركزت بشكل استثنائي على العراق كنموذج لتلك العلاقة ونتائجها المدمرة.

وأكد المشاركون في الندوة التي عقدت في المقر الأوروبي للأمم المتحدة في جنيف، أن العنصرية الطائفية وأذرعها من الميليشيات المسلحة هي المحرك العميق لمعظم المظاهر والجماعات الإرهابية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ونشاطاتها التي بدأت تزحف إلى أنحاء العالم.

وقالوا إن الميليشيات المنفلتة وما ترتكبه من انتهاكات تصل إلى حد التطهير العرقي والإبادة الجماعية، هي في الواقع من أخطر الجماعات الإرهابية وهي مسؤولة عن ظهور ونمو الجماعات الأخرى مثل تنظيم داعش.

ويأتي عقد الندوة في سياق عدد كبير من المؤتمرات والنشاطات التي يعقدها مركز جنيف للعدالة، بالتعاون مع المنظمة الدولية للقضاء على كافة أشكال التمييز ومحكمة بروكسل التي تسعى لتوثيق الجرائم ضد الإنسانية وخاصة في الشرق الأوسط، إضافة إلى عدد من الجمعيات والمؤسسات العالمية.

وكانت تلك المنظمات قد عقدت في الأسبوع الماضي ندوة بعنوان “الوجه الآخر للإرهاب” وسلطت فيها الضوء على وجوه الإرهاب التي تفلت من مرصد المجتمع الدولي رغم الجرائم التي ترتكبها. وعقدت تلك الندوة أيضا في المقر الأوروبي للأمم المتحدة في جنيف.

سيغن ميدر: كيف يمكننا أن نساعد حكومة مفككة على إعادة بناء مؤسسات مهنية؟

وتعرضت الندوة لانقطاعات من قبل أشخاص هاجموا المتحدثين حين بدأوا بالحديث عن جرائم ميليشيات الحشد الشعبي، وتم إخراجهم من الندوة من قبل قوات الأمن بعد أن صدرت عنهم شعارات عنصرية وطائفية تؤكد ولاءهم للميليشيات المدعومة من قبل إيران.

وقال باولو كاساكا، العضو السابق في البرلمان الأوروبي ومؤسس جمعية التعاون الدولي آي.آر.سي هيومن كايند، إن سلوك الأشخاص الذين حاولوا عرقلة الندوة، دليل على ما تريده السياسة الإيرانية، التي ترسل أتباعها إلى كل مكان في العالم لتمنعنا من التعبير عن آرائنا. وأشار إلى أن الإرهاب ظاهرة قديمة وأن الكثير من دول العالم قامت بممارسات إرهابية على مر التاريخ، والكثير منها في العقود الأخيرة.

وأكد أن النموذج الأكثر وضوحا اليوم هو ما تقوم به إيران من خلال الميليشيات الطائفية التي تُمارس انتهاكات إرهابية وأذرعها العديدة في الكثير من دول الشرق الأوسط وأنحاء أخرى من العالم.

وادارت الندوة غولنوز امينوفا الباحثة في مركز جنيف للعدالة، التي أشارت إلى أن الندوة تسعى إلى فضح دور العنصرية الطائفية في تفاقم الإرهاب. وقد أصدر مركز جنيف الدولي للعدالة تقريرا مفصلا عن الانتهاكات التي تقوم بها الميليشيات المسلحة في العراق ومنطقة الشرق الأوسط.

وقال طاهر بومدرا، الرئيس السابق لبعثة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان في العراق، إن جذور العنف في العراق وانتشار الميليشيات الإرهابية الخارجة عن سلطة الدولة التي تسعى لتحقيق أهداف سياسية قديم ومعقد.

وأضاف أن هناك عاملين رئيسيين لعبا دورا في إشعال فتيل العنف في العراق، هما النظام الطائفي المتشدد في إيران والغزو الأميركي للعراق، الذي قاد إلى نظام المحاصصة الطائفية، الذي سمح لطهران بأن تكون لها اليد العليا في العراق.

طاهر بومدرا: أسئلة عن شرعية عضوية إيران في الأمم المتحدة ورفع العقوبات عنها

وأشار إلى أن الأيديولوجيا المتشددة التي بناها الخميني تسعى لإقامة نظام ديني عالمي، يفرض على حكومات الدول الخضوع للتعاليم التي يمليها الولي الفقيه في المذهب الشيعي في عموم العالم الإسلامي حتى لو تطلب ذلك استخدام القوة.

وذكر أن الخميني وضع ذلك في دستور إيران الذي يؤكد أن على الحكومة الإيرانية واجب تصدير الثورة ومبدأ الولي الفقيه واستخدام جميع الوسائل لحمايتها. وتساءل عن شرعية أن تكون دولة تستند إلى هذه السياسات في عضوية الأمم المتحدة أساسا، وكذلك عن شرعية رفع العقوبات عن طهران بموجب الاتفاق النووي.

وقال صباح المختار، رئيس جمعية المحامين العرب في بريطانيا، إن القانون العراقي والدولي يفرض مسؤولية قانونية على الدول تجاه مواطنيها، وتشمل الحق في الرأي وحرية التعبير وحماية المواطن من الأخطار وعدم التفرقة على أساس الدين أو القومية أو المذهب. وأضاف أن الدولة العراقية لا تقوم بأي من تلك الواجبات في ظل استشراء الفساد.

وطرح أمثلة تشمل قانون تجريم البعث، الذي يسمح بتجريم كل من تريد السلطات إدانتهم، وكذلك قرار ضم الحشد الشعبي للقوات المسلحة، وقانون تعديل قانون المرافعات وتنفيذ أحكام الإعدام دون تصديق رئيس الجمهورية، وقانون العفو المقترح عن منتسبي الحشد الشعبي. وخلص إلى ضرورة أن تأخذ الأمم المتحدة ومجلس حقوق الإنسان وكذلك الدول بواجبها بإلزام جميع الدول وحثها على تطبيق قواعد حقوق الإنسان.

وتحدثت إليزابيث نوسينغ عضو برنامج الهجرة “فوراوس” عن تأثير انتشار العنف الطائفي على النسيج الاجتماعي في مناطق الصراعات المسلحة. وقالت إن ضعف الدولة وانتشار الميليشيات والعصابات أديا إلى دمار كارثي في النسيج الاجتماعي بكافة أبعاده وخاصة التزايد الخطير في أعداد الأطفال والشبان الأيتام. وأضافت أن ذلك أوقع مناطق الصراع في دوامة خطيرة، لأن الأطفال والشبان الأيتام أصبحوا أرضا خصبة للتجنيد من قبل الميليشيات وشبكات الاتجار بالبشر.

ديريك ادرينسون: تدمير العراق والمنطقة هو السياسة الأميركية الرسمية الثابتة والمتعمدة

وأشارت إلى أن لقاءاتها باللاجئين كشفت لها أن الطبقة الوسطى والكفاءات هي من أكبر ضحايا الصراعات المسلحة والميليشيات الطائفية.

ووضع ديريك ادرينسون، عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة محكمة بروكسل، معظم المسؤولية عن الصراعات في الشرق الأوسط على السياسة الأميركية الرسمية، التي قال إنها ثابتة ومتعمدة وإنها بحسب مركز ستراتفور للدراسات؛ تهدف إلى ترك القوى الإقليمية تتصارع في ما بينها بحثا عن توازنات مرعبة، ولكنها لا تسمح في كل الأحوال بأن تتجاوز الحدود التي تضعها واشنطن.

وأضاف أن واشنطن يمكن أن تساعد جميع أطراف الصراعات أحيانا لكي تدمر بعضها البعض، طالما ذلك يخدم المصالح الأميركية مثلما حدث في الحرب العراقية الإيرانية، لكن حين غزا العراق الكويت خرج عن التوازن الذي تسمح به واشنطن. وقال إن البعض يقول إن أميركا لم تكن لديها استراتيجية في العراق لما بعد الغزو. والحقيقة هي العكس تماما وأن ما حدث من دمار هو السياسة الرسمية التي حققت أهدافها. وأشار إلى أن واشنطن كانت تقول في التسعينات إنها إذا غزت العراق فإنه سيسقط في قبضة أمراء الحرب، ولكنها فعلت ذلك لاحقا وأسقطًت العراق في قبضة الميليشيات الطائفية.

وتساءل ما الذي كانت تتوقعه واشنطن من حل الجيش العراقي؟ وهل يمكن أن يصدر قرار كهذا دون تخطيط محكم لفتح أبواب الجحيم؟

وقال إن السياسات الأميركية تعمدت تدمير الشخصية الوطنية العراقية، وقد لاحظنا ذلك في ما حصل من تدمير للمعالم الثقافية ونهب المتاحف والآثار أثناء الغزو الأميركي وبعده، وأن تلك السياسات هي التي كرست عراق المكونات الطائفية والعرقية، التي نلاحظ أن المتظاهرين العراقيين يرفضونها ويحاولون اليوم إنقاذ الهوية العراقية.

وقالت سيغن ميدر، عضو جمعية التضامن مع العراق في السويد، إن سياسات واشنطن وجرائم الحرب التي ارتكبتها، فتحت الأبواب لجميع القوى الإقليمية لتتخذ من العراق ساحة لكافة أنواع صراعاتها السياسية والطائفية. وأضافت أن الولايات المتحدة هدمت مؤسسات الدولة في العراق وسلمت السلطة عمدا لجماعات طائفية وعنصرية.

وأشارت إلى أن واشنطن والتحالف الدولي حين يقصف المدن التي احتلها داعش دون خطة واضحة وفِي ظل حكومة طائفية، فإنها تدمر حياة السكان، وهي تسهل مهمة الميليشيات التي تدخل المدن بعد ذلك وتكمل عملية التطهير العرقي في المناطق السنية.

وأكدت أن المهمة التي ينبغي على المجتمع الدولي أن يقوم بها، هي منع التدخلات الإقليمية الخارجية للسماح للعراقيين بالبحث عن إعادة بناء دولتهم. وقالت إن السؤال الذي ينبغي أن نركز جهودنا للإجابة عليه، هو كيف يمكننا أن نضغط ونساعد حكومة مفككة على إعادة بناء مؤسسات مهنية مستقلة.

كاتب من العراق

6