العنصرية تخترق قيم الجمهورية الفرنسية

وصلت أوروبا في هذه المرحلة إلى مستوى لا يمكن التغاضي فيه عن النزعة العنصرية التي تفشت بين قطاع واسع من المواطنين والمشحونين من قبل أحزاب يمينية توصف غالبا بالشعبوية. لكن أن تصل ظاهرة معاداة المسلمين إلى قيادات سابقة في الجيش وضباط ومثقفين فإن الأمر يؤشر على الدخول في مرحلة اللا عودة في مسألة تهدئة التحركات السياسية والثقافية ضد الأجانب وإعادة أوروبا إلى حالة التعايش التي تميزها.
الخميس 2016/02/11
صرخة ضد العنصرية

باريس - أوردت أغلب الصحف الفرنسية في الأيام الأخيرة خبر مثول الجنرال الفرنسي كريستيان بيكومال أمام القضاء الفرنسي بداية الأسبوع الحالي بشكل مستعجل بعد مشاركته في مظاهرة منعتها السلطات الفرنسيّة تحرّض على كره الإسلام. وسيمثل معه أربعة آخرون من المتظاهرين مسكوا وفي حوزتهم سلاح غير مرخص.

الجنرال المتقاعد كريستيان بيكومال الذي مثل أمام القضاء الفرنسي كان قائد ما يعرف بالفيلق الأجنبي وقد أسّسه الفرنسيون منذ 1831 ويضمّ بالأساس جيوشا من جنسيّات أجنبية ضحوا من أجل فرنسا والعمل من أجل إعلاء قيمها. وقد ضمّ هذا الفيلق ألمانيين وإيطاليين وأفارقة وبالطبع فرنسيّين وشارك هؤلاء في معارك الجزائر والهند الصينية.

ويعرف الجنود في هذا الجيش بأصحاب القبعات البيضاء ويقول ملاحظون إنّ هناك تكتّما شديدا في انتداب المنتمين إلى هذا الفيلق، ويبدو أنّ المنتدب فيه تتوفّر له الفرصة في أن يغيّر حياته ونسبته إلى بلاده الأصلية. لكن أليس غريبا أنّ جنرالا في جيش كهذا أنجز بطولاته أجانب، ومنهم مسلمون، يكون كارها لبعض الأجانب ولديانتهم؟

الجنرال كريستيان بيكومال متقاعد، يبلغ من العمر 75 عاما، فرنسي الجنسية، شغل قيادة لواء هذا الجيش بين سنتي 1994 و1999، ولكنّه كان أيضا رئيس الديوان العسكري لثلاثة من الوزراء الأول لفرنسا، وهم ميشيل روكار وأيديت كريسون ووبيار بيرغفوا، وهو إذن جنرال يعرف السياسة وقادتها ويعلم جيدا أن الدعوة إلى كره الطوائف والأديان مناقضة لقيم الجمهورية التي اشتغل فيها. أليس في ذلك تحويل لرموز بعينها إلى علامات على التطبيع مع العنصرية والكراهية؟

قبض على الجنرال وأربعة من الفرنسيين في “با دي كاليه” خلال تجمّع معاد للمهاجرين، ويتهم الجنرال المذكور بأن له الدور الرئيس في هذه المظاهرة المحظورة، وتنصّ التهمة الموجّهة إليه على “المشاركة في تجمهر لم يُفَضّ بعد التنبيه على أصحابه”، وجاء في عدد الأحد الماضي من جريدة لوموند الفرنسية التي نقلت نص هذه التهمة أنّ المنظمة التي دعت إلى هذا التجمع المعادي للإسلام هي منظمة “بيجيدا”، وهكذا فإنّه من خلال اسم المنظمة المعروفة بتوجهاتها العنصرية والتهم الموجهة للجنرال يكون عداء الإسلام محمولا على سبب الخوف من أسلمة المجتمع الغربي، وهي مسألة افتراضية، لا تعني خطر زعزعة الديانة الأصلية لهذه الشعوب الغربية وحسب بل تعني أيضا ما يقتضي ذلك من أن تصبح الحكومات دينية ويحكم الإسلام دولا عاشت لمدة طويـلة علمانيـة، وهذا عين الوهم.

وقد لاقى توقيف الجنرال السبت الماضي موجة سخط وغضب على شبكات التواصل الاجتماعي وخصوصا من أنصار أقصى اليمين، وقد عبّر نوّاب الجبهة الوطنية من أمثال ماريون ماريشال لوبان عن دعمهم للجنرال الموقوف واعتبر آخرون أن توقيف الجنرال عار يلحق بالديمقراطية.

أغلب المسلمين في أوروبا مهتمون بالحديث عن الإسلام ونبذه العنف ودعوته إلى المساواة لكنهم لا يبحثون عن الجمعيات والأنشطة

ما يلفت الانتباه في هذا الخبر الذي يصمت عليه غالب الإعلام العربي أمور كثيرة نسوقها من غير ترتيب. أولها أن الأنظمة الأوروبية على الأقل الحاكمة حاليّا في حرج حقيقي من هذه المنظمات المعادية للإسلام، فهي لا تعبّر عن تشبّع بقيم الجمهورية الداعية إلى التسامح والتعايش تحت راية الوطن القادر على لململة الجميع والتغاضي عن الاختلافات العرقية والعقدية وغيرها. والحرج شعرت به فرنسا حين تكاتفت أحزابها ضد فوز اليمين المتطرّف الذي يناصر اليوم الجنرال المتقاعد. ويبدو الحرج إزاء الإسلام أكبر، فهو من أهمّ الديانات في أوروبا؛ فأوروبا ما بعد الاستعمار لا تريد أن تظهر خوفها من الإسلام لأنّ الإسلام الذي يعتنقه المسلمون يراعي خصوصيات التعايش المشترك واحترام قيم الجمهورية غير أنّ الخوف من الإسلام ما فتئ يتنامى خصوصا بعد تنامي ظاهرة الإرهاب.

ظاهرة كره الإسلام في أوروبا ليست ظاهرة جديدة ويمكن القول إن المسلمين لم يسعوا إلى أن ينتجوا، طيلة ما يقرب من نصف قرن من وجودهم في أوروبا، ما يمتن ثقافة الثقة بالمسلمين بما هم جماعة دينية أو بما هم مجموعة ثقافية. صحيح أن المسلمين في العالم يتألفون من العرب ومن غيرهم من الأمم التي دانت بالإسلام لكنّ العرب كانوا دائما يحملون أوزار كره السكان الأصليين للمسلمين بل يمكن القول إنّ كره العرب يتماهى في أذهان الكثير من الأوروبيين بالإسلام.

فالماليزي المسلم أو التركي لا يمكن أن يرفع ضدّه هذا الكره للإسلام. صحيح أنّ المسلمين ليسوا من ذوي الثقافة المتجانسة في العالم فهناك الإسلام العربي والإسلام التركي والإسلام الآسيوي، لكنّهم لم يسعوا، وهم في بلاد أجنبية مثل أوروبا أو حتى أميركا، إلى أن يخلقوا ثقافة مشتركة توحّد بينهم ولم يسعوا إلى أن يؤسسّوا جمعيات ثقافية يمكن أن تتصدّى لظاهرة كره الإسلام، ربّما لم تمكّنهم الظروف المادية ولا الثقافية من ذلك ولكن إن نظرنا إلى أصحاب رؤوس الأموال من المسلمين وإلى تأثيرهم الاقتصادي في أوروبا وفي أميركا بدا لنا أن هناك تقصيرا في بناء ثقافة مدافعة عن كره الإسلام.

يكتفي أغلب المسلمين في أوروبا بالحديث عن أنّ الإسلام ينبذ العنف ويدعو إلى المساواة وأنّه دين العدالة الحقيقية بين البشر وغير ذلك من الأفكار العامة لكنّهم لا يبحثون عن الجمعيّات والأنشطة والأشخاص والأموال التي يمكن أن تبدد خوف الأوروبي من الإسلام وتبني ثقته فيه.

13