العنصرية وأصولها التطورية عند البشر

فوز رجل الأعمال الأميركي دونالد ترامب بانتخابات الرئاسة الأميركية، وهو المعروف بمواقفه العنصرية، إضافة إلى الاقتتال الطائفي في الشرق الأوسط وصعود اليمين الأوروبي المتطرف، هذه الظواهر كلها تطرح سؤالا ملحا ومزعجا؛ لماذا يتعصب البشر لانتماءاتهم حدّ الموت؟
الاثنين 2016/12/05
محاولات مقاطعة التعصب

لعل من أبرز ما أظهره الربيع العربي، وما لحقته من ثورات وأعمال عنف، هو كم كان من السهل تجنيد البشر لقتال بعضهم البعض بدوافع أيديولوجية قد لا يفهمون حتى شعاراتها؟ وإلى أي مدى يمكن لهذه الطاقة الكامنة أن تستحيل دمارا يلتهم بلدانا واقتصادات؟

وليس ببعيد عن تأثيرات الربيع العربي، فقد أسهمت أزمة الهجرة التي ارتفعت حدّتها في السنوات الأخيرة في صعود تيارات اليمين المتطرف بأوروبا والعالم. ولم يعد معيبا التصريح بأقوال عنصرية على الملأ، بل وتنظيم المظاهرات وكسب الجماهير والفوز في الانتخابات، كما حدث مؤخرا في انتخابات الرئاسة بالولايات المتحدة.

ولعل أبرز ما يربط بين هذين المنتجين المختلفين للربيع العربي هو العنصرية والاصطفاف العرقي والطائفي. ففي حين تطحن رحى الموت أرواح الشباب في الشرق الأوسط تحت رايات الدين والمذهب والقومية، يصدح قادة اليمين الغربي بشعارات الانتماء والتمييز العنصري ضد غيرهم ويخططون لبناء جدران بين الشعوب، غير أن الجدران التي تبنيها كلماتهم في عقول الناس أمضى أثرا من تلك الإسمنتية التي يعدون ببنائها.

في ظل هذه المعمعة والضجيج يبرز السؤال، لماذا ينقاد الناس بسهولة إلى الخطابات العنصرية والتحزب، فيما يصعب إقناعهم بالأفكار المنفتحة البناءة، على الرغم من التاريخ البشع للحركات العنصرية كالنازية والفاشية في العصر الحديث، أو الحروب الدينية في العصور الوسطى، وما هو الدور الذي لعبته تكنولوجيا العصر الحديث وشبكات التواصل في هذا المجال؟

الأصل التطوري للعنصرية

تعتمد رؤية علم النفس التطوري للسلوك البشري على أن كل سلوك أو كل مهارة بشرية يجب أن تكون قد تطوّرت في الأصل عن مهارة امتلكها السلف.

وسائل التواصل توفر لمتصفحيها ما يشعرهم بالراحة، مانعة التعاطي الحقيقي مع الآخر

وفي حين أن بعض السلوكيات البشرية قد لا تخدم هدف البقاء والتكاثر، فإنه يفترض على الأقل أنها تطورت في الأصل عن أخرى كانت تخدم هذا الغرض لسلف ما في وقت ما. يحاول علم النفس التطوري بتقصيه لأصول سلوكنا البشري أن يحاكي النمط البدائي للعيش في سهول السفانا، وهي البيئة الأم للبشر الحديث، أو النظر إلى الحيوانات القريبة جينيا من البشر كالرئيسيات.

وفي دراسة تعود إلى عام 2011 ادّعت طالبة الدراسات العليا، نيا محاجة، في جامعة ييل الأميركية بأن القرود تمتلك شعورا بالعنصرية، وكان فريق البحث قد قام بدراسة سلوك مجموعة من قرود الريص التي تعيش في مجموعات كما البشر.

ووجد فريق البحث أن القرود تُطيل النظر في كل فرد لا ينتمي إلى مجموعتها، بينما لا تفعل ذلك مع القرود التي تنتمي إلى نفس المجموعة، ولأن هذا التصرف قد يكون بسبب الفضول تجاه الغرباء، قام الفريق بدراسة تصرف القرود تجاه أعضاء سابقين في مجموعاتها؛ فقد تم عزل بعض القرود التي ولدت وترعرعت في مجموعات معينة لبعض الوقت ومن ثم ترتيب لقاء بينها وبين أعضاء من مجموعاتها السابقة، ليعيد الزملاء السابقون نفس التصرف بالنظر المُطول إلى وجوه أصدقاء الأمس.

وبحسب القائمين على الدراسة فإن هذا التصرف يُخبر بأن هذه القرود تمتلك حسا بالانتماء إلى مجموعاتها وأنها تُميز بين القرود الأخرى على أساس انتمائها حتى لو كانت تعرفها سابقا.

وفي وقت لاحق من نشر الدراسة المذكورة فشلت مجموعة باحثين آخرين في الحصول على نفس النتائج لإحدى تجارب البحث، ليسحب الفريق البحثي في جامعة ييل الورقة البحثية المنشورة بغية إعادة تحليل النتائج، حيث تم اكتشاف أن أحد أعضاء فريق البحث قام بترميز البيانات بشكل خاطئ.

هذه الدراسة وإن سُحبت من النشر قد تشير إلى الأصل التطوري للعنصرية عند الرئيسيات العليا، حيث البقاء في مجموعة تدين بالولاء لبعضها البعض يساعد كثيرا في البقاء على قيد الحياة ومواجهة تحدياتها.

كما هو حال قرود الريص فإن مجموعات البشر الأوائل في بيئتهم المحفوفة بالمخاطر كانوا بأمس الحاجة إلى التعاون في ما بينهم على شكل مجموعات صغيرة تدين بالولاء لأفرادها حدّ الموت. قد لا تبدو فكرة المخاطرة من أجل المجموعة منسجمة مع فكرة التطور، لكن بديلها هو العيش بفردية والاعتماد الكلي على النفس مما يقود إلى الانقراض الحتمي في بيئة كالسفانا.

ومن هنا قد لا يبدو غريبا ذلك الشعور الذي ينتاب العنصريين بأن عرقهم أو مجموعتهم أو دينهم من أفضل الموجودات، وأنهم وحدهم من لهم الحق في العيش، بينما الآخرون لا يستحقون شيئا. فلو لم يفكر أسلافهم بنفس الطريقة لانقرضوا ولما كانت تلك المورثات الفكرية لتنتقل عبر الأزمنة.

قد تبدو نظرية التطور في العموم، والعلوم المنبثقة منها كعلم النفس التطوري خاصة، للوهلة الأولى بأنها تبرر بعض السلوكيات البشعة التي يتمتع بها البشر. غير أنها في الحقيقة لا تعطي غير تفسيرات وأسباب وجود هذه البشاعة، كما أنها تخبرنا بأننا غير ملزمين بالسير على هدى أسلافنا، الذين لم تكن لديهم من القدرات الواعية ما يساعدهم على اكتشاف سبب ميولهم وسلوكاتهم وأهدافها.

أصبح للخطيب العنصري منبر عابر للحدود وأصبحت للحالات الشاذة المتناثرة في مجتمعات مختلفة منصة تجمع جهودها وتسمعها ما تودّ أن تسمع من خطاب متوافق مع توجهاتها

العنصرية والتواصل

أعطت الثورة المعاصرة في مجال التواصل الاجتماعي زخما كبيرا للدوافع العنصرية عند البشر، ففي الوقت الذي أصبح فيه بإمكان البشر التواصل وتبادل المعلومات بحرية كبيرة، أصبح للخطيب العنصري منبر عابر للحدود. وأصبحت للحالات الشاذة المتناثرة في مجتمعات مختلفة منصة تجمع جهودها وتسمعها ما تودّ أن تسمع من خطاب متوافق مع توجهاتها. ولأن أي مجموعة بشرية تحمل نفس الأفكار والمبادئ ستكون أكثر تطرفا من أفراد متناثرين في أصقاع مختلفة، فإن وسائل التواصل الاجتماعي تلعب دور العامل المساعد في هذا الإطار.

هناك سبب آخر قد يفسر سبب التطرف الشديد في الأفكار العنصرية على شبكات التواصل، وهو جذب الانتباه؛ من المعروف أن الصوت الأعلى والأكثر نشازا هو من يجذب الانتباه أكثر، وباستغلال تلك الدوافع العنصرية الكامنة في النفس البشرية فإن خطاب الكراهية عامل جذب كبير للانتباه على شبكات التواصل الاجتماعي.

وزاد من المشكلة السياسة المرنة لإدارة مواقع التواصل، باسم حرية التعبير، حتى وصل الأمر بها إلى أن تكون مرتعا لتجنيد الإرهابيين وإشعال الفتن وبث الكراهية بين الشعوب والجماعات.

تعمد وسائــل التــواصل لاستخــدام خوارزميات تتنبأ بما يعجب متصفحيها لتوفر لهم الخطاب الذي يُشعرهم بالراحة، مانعة بذلك الفرصة الحقيقية للتواصل.

وهذه العملية وإن كانت تجذب المزيد والمزيد من المتصفحين للشبكات وتقنع السابقين منهم بإنفاق وقت إضافي فيها. لكنها في نفس الوقت تسهم ببناء جدران ثقافية ومجتمعية بين البشر فكل منّا يرى في عالمه الرقمي الخاص ما يريد رؤيته ولا يرى ما يختلف معه، مما يسهم في تغذية التعصب وتقليل فرص تقبل الآخر المختلف.

لست قاصدا بهذا الوقوف إلى جانب من يدعو إلى مقاطعة شبكات التواصل والتكنولوجيا الحديثة بشكل عام، بالعكس، فلشبكات التواصل الفضل في نشر المعارف وإتاحة فرصة التعلم لشرائح مجتمعية، لم يكن ليصلها نور المعرفة من دون هذه الثورة الرقمية، لكن بالنظر إلى حجم التحديات المعاصرة التي يواجهها النوع البشري فإن الانشغال بالصراع على أيّ الأعراق هو الأسمى والأفضل، أو أيّ الأديان والمذاهب هو الحق، لهو آخر ما يجب أن ننشغل به.

كاتب عراقي

12