العنصرية والإرهاب يهددان المجتمع الفرنسي بالانقسام

تركيبة المجتمع الفرنسي تعد من أعقد التركيبات في المجتمعات الأوروبية، نظرا لميزة فرنسا في احتوائها للعديد من الجنسيات بفضل قبولها للمهاجرين مطلع سبعينات وثمانينات القرن الماضي، حيث تشكلت داخل المجتمع الفرنسي فسيفساء اجتماعية متعددة الألوان، غير أنها أضحت محاصرة اليوم بين العمليات الإرهابية التي تحدث بين الفينة والأخرى، والخطاب العنصري لليمين الفرنسي، وهو ما يهدد هذا التنوع والثراء.
الخميس 2016/01/14
فرنسا تهمش مواطنيها

باريس- كشف تقرير فرنسي أعده معهد الإحصاء الوطني ومركز أبحاث السكان الفرنسيين، أن المهاجرين في فرنسا يتعرضون للتمييز بشكل خطير في مسألة الإندماج. وأكد التقرير، الذي تداولت مقاطع منه وكالات أنباء دولية، أن هناك ارتفاعا في نسبة تعرض المهاجرين للإقصاء بسبب مظهرهم الخارجي، حيث أن 30 بالمئة من المهاجرين أو الفرنسيين المنحدرين من أصول مغربية، يرون أنهم تعرضوا للتمييز، مقابل 32 بالمئة من الجزائريين و47 بالمئة من الأشخاص المنحدرين من دول أفريقيا جنوب الصحراء.

كما أكدت الدراسة أن حالات التمييز شهدت ارتفاعا ضد المهاجرين، وأن أبناء المهاجرين لا يتلقون تعليما جيدا، إذ تقول الأرقام إن 32 بالمئة من أطفال المهاجرين في فرنسا المنحدرين من شمال أفريقيا، لم يتمكنوا من الحصول على شهادة المرحلة المتوسطة في دراستهم، وإن نسبة الخريجين من المرحلة المتوسطة لأطفال المهاجرين من أصول أفريقيا جنوب الصحراء متدنية جدا.

وذكر تقرير معهد الإحصاء الوطني ومركز أبحاث السكان الفرنسيين، الذي حمل عنوان “الجذور والمدارات”، وأجري مع أكثر من 22 ألف شخص، وساهم فيه أكثر من 20 باحثا، أن 55 بالمئة من المهاجرين من أصول أفريقيا جنوب الصحراء، وشمال أفريقيا، اشتكوا من أنهم أصبحوا هدفا للممارسات العنصرية طوال حياتهم، ولم يروا أنفسهم كمواطنين فرنسيين رغم حصولهم على الجنسية الفرنسية.

وقالت الدراسة التي نشرت صحيفة لوموند الفرنسية ملخصا عنها، إن ثلث المواطنين الفرنسيين اليوم هم من المهاجرين الذين استجابوا لشروط الحصول على المواطنة في فرنسا وهم في الأصل قادمون من دول أخرى، بوبها البحث في سبعة موجات كبرى للهجرة وهي المغرب والجزائر وتونس ككتلة واحدة، وآسيا، وأفريقيا الوسطى، ودول أوروبية، وأفريقيا الساحلية (السنغال وساحل العاج)، وتركيا، وأسبانيا وإيطاليا مع بعضها. وتساءلت الصحيفة عن مدى تعايش جزء هام من المواطنين الفرنسيين ذوي الأصول الأجنبية مع بقية المواطنين في ظرف مشحون بالعنصرية.

الإعلام الفرنسي يركز على نقاط الاختلاف بين الفرنسيين بطريقة تتشكل معها صورة إقصائية لذوي الأصول الأجنبية

وفي جزء من الدراسة كان عنوانه “تركيبة المجتمع الفرنسي المعاصر”، أكد الباحثون في السوسيولوجيا وعلوم التنمية وعلم النفس الاجتماعي أن ظاهرة جديدة تتشكل في المجتمع الفرنسي مؤخرا تسمى “إظهار مميزات الجماعة”، وتعد هذه الظاهرة أكبر عائق الآن أمام محاولات السلطات ومراكز البحوث لإعادة إدماج المهاجرين والمواطنين في المنظومة الاقتصادية والثقافية والاجتماعية الفرنسية، نظرا لأن الإعلام الفرنسي يركز على نقاط الاختلاف بين المواطنين الفرنسيين من أصول أجنبية وباقي الفرنسيين، بطريقة تتشكل معها صورة إقصائية للأجانب وكأنهم غير فرنسيين، الأمر الذي دفع العديد من المستجوبين في هذا البحث إلى التصريح بأنهم “لا يحسون بأنهم ينتمون إلى فرنسا”.

وأكد الباحث في العلوم السياسية والأستاذ بجامعة السوربون دافيد كامرو أن الخطاب السياسي الفرنسي الذي أخذ منحى متشددا تصاعديا منذ الأحداث الإرهابية بداية السنة الماضية وآخرها، “قد ساهم في تأليب الرأي العام على فرنسا ذاتها”، ويفسر كامرو قائلا: إن اليمين الفرنسي تمكن من اختراق منظومة القناعات التي لدى الفرنسيين بأن الجرائم الإرهابية معزولة ولا يمكن أن يمثل الإرهاب المسلمين بشكل أو بآخر، وقد تمكن الخطاب المركز لمارين لوبان من المزج بين الإرهاب والإسلام بشكل خلق التباسا في ذهن المتقبل، وبالتالي خلق تمايز بين فرنسي ومواطنه الفرنسي الآخر.

13