العنصري عدو العقل

الاثنين 2015/03/02

توصف العنصريّة بالمقيتة لأنّها تنطلق من مقت يكنّه المرء تجاه غيره، وهو مقت صادر عن شعور بالدونيّة أو النقص، ويعبّر عن عقد متأصّلة في النفس، بحيث يتمّ تصديرها على أنّها وسائل حماية، أو آليات دفاعيّة تستهدف تمتين الدروع ومواجهة الآخرين، ما يدلّ على أنّ العنصريّ يظلّ مهجوسا برعبه من كلّ ما يحيط به، ويظلّ مفتقرا إلى الثقة بالذات باعتباره غارقا في وساوس المواجهة.

الانغلاق هو أحد مثوّرات العنصريّة، فالجماعات المتكتّلة فيما بينها، المنغلقة على ذاتها، تروّج مقولات ومزاعم بائسة عن مدى فرادتها وتمايزها، ووجوب الحرص على ذلك بشتّى السبل المتاحة، بل السعي لاختراع سبل متجدّدة كلّ مرّة لإقناع نفسها بأوهامها المساقة من جهة، واتّهاماتها المكالة للآخرين من جهة ثانية.

يظلّ العنصريّ في حرب ضروس ضدّ العقل، ضدّ النفس، ضدّ الآخر، ضدّ قوانين الحياة والمجتمع، فالعنصريّة تغدو قيده الذي يرسم حدود تحرّكه، وسبل تواصله مع الآخرين، بحيث يكون العداء والاستعداء في الصدارة، ويتقهقر التعقّل تحت وطأة تغييبه وترويج ما يخالفه من تصوّرات ومزاعم، من شأنها زيادة الانعزاليّة، ومضاعفة الفجوات القديمة والتسبّب في خلق فتن وفجوات جديدة.

يصدق نعت عالم عنصري بأنّه مزيج من التناقضات، عدم تقبّل الآخر، أو التكبّر والتعالي عليه، اتّهامه بما يناقض الواقع، تحميله أسباب التراجع وأوزار المشاكل المتراكمة، وغير ذلك ممّا لا يمتّ إلى العقل والمنطق بصلة، يمكن أن يعبّر عن توصيف مدى الحقد الذي قد يكنّه شخص لآخر، والتهرّب من المسؤوليّة بإلقاء أسباب عدم اكتمال الأشياء والأمور على عاتق أعداء مفترضين، مختلقين في كثير من الحالات، لتبرير التشوّه الكامن والظاهر.

تنطلق العنصريّة من تقوقع مرضيّ على الذات، وارتهان الشخصيّة للأوبئة التي تسكنها، وتجتاحها، لذلك تراها متعدّية، عامية، متقنّعة بالأوهام، ناقلة للأوبئة، بؤرة مرشّحة لتفجير كثير من المشاكل والجرائم، لأنّها توفّر القناع لها، وتؤمّن المواساة المفترضة للمقدم على تهميشه لغيره وإلغائه لهم من باب الشعور المطلق بالمركزيّة. لا تقتصر العنصريّة على شخص أو فئة أو دولة، إذ يمكن العثور عليها في الشرق وفي الغرب، لدى المثقّف والجاهل، لدى الأقلّيّات أو الأكثريّات، فهي علّة عابرة للحدود، ولا يمكن الاستشفاء منها إلّا بالوعي والعقل، والانفتاح على الآخر بعيدا عن الأحكام المسبقة التي توصف بأنّها فخّ العقل ومقتل المنطق نفسه.

الخشية في المستقبل القريب تكمن في أنّ المرء لو تلفّت حوله أنّى كان، سيجد نفسه محاطا بعنصريين متأنّقين يرتدون أزياء الحداثة والمعاصرة، وقد يتفاجأ بهم ينتقدون العنصريّة، وهم أربابها وعتاتها وحماتها ومؤجّجو نيرانها.


كاتب من سوريا

15