العنف الأسري ضد الأبناء في مصر يبلغ مرحلة خطيرة

تكرّر عمليات انتحار الشبان والفتيات يعكس تفشي ثقافة التربية القاسية.
الثلاثاء 2021/09/21
العنف الأسري يدفع الأبناء إلى الانتحار

تكررت عمليات انتحار الشباب في مصر في الآونة الأخيرة، وأثارت صدى في المجتمع وخاصة بين مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي الذين فتحوا مساحات واسعة للنقاش حول علاقات المنتحرين بمحيطهم الأسري والاجتماعي، والأسباب والخلفيات التي تدفع أشخاصا في ربيع العمر إلى كتابة نهاية مأساوية لحياتهم.

أظهرت بعض وقائع الانتحار التي أقدم عليها شبان وفتيات في مصر مؤخرا أن العنف الأسري تجاه الأبناء وصل إلى مرحلة غير مسبوقة في ظل اقتناع الكثير من الآباء بأن التربية القائمة على الترهيب هي السبيل الأمثل لتقويم سلوك أولادهم بعيدا عن سياسة التدليل والصداقة بين الطرفين والتعامل معهم بأسلوب قائم على الحوار والنقاش والتفهم والنصيحة.

جاءت واقعة مقتل مراهق على يد والديه في حي مصر القديمة بالقاهرة الخميس، أثناء محاولة تأديبه بالضرب، لتزيح الستار عن العقلية الرجعية التي تسيطر على شريحة من الآباء في طريقة تعاملهم مع الأبناء، حيث وصل المراهق إلى المستشفى وهو ميت، ولم تفلح محاولات إنقاذه نتيجة الأذى الجسدي الذي تعرض له لمجرد أنه ارتكب بعض السلوكيات الخاطئة.

كما استيقظ المصريون الأربعاء الماضي على فاجعة انتحار طالبة تدرس في كلية طب الأسنان، بإلقاء نفسها من الطابق السادس بأحد المولات التجارية في القاهرة لتستريح من الضغوط اليومية والأذى النفسي الذي تتعرض له على يد والدها الذي يعاملها بطريقة أشبه بالحياة العسكرية، ويمارس معها كل أنواع القسوة والتضييق خشية تحررها الزائد عن الحد بدعوى الخوف عليها.

اعترف الأب في تحقيقات النيابة بأنه كان يعامل ابنته بقسوة ويتحكم في كل تصرفاتها ومواعيد خروجها وعودتها إلى المنزل ويمنعها من مصادقة بعض الفتيات ولا يسمح لها بالكثير من التصرفات. حتى عندما شارك في مراسم دفنها أظهرت عدسات الصحف والقنوات كيف كان يقف صلبا لم يهتز، كأنه لم يصل إلى مرحلة لوم نفسه على كونه سبَبَ انتحارها.

وفي الأسبوع نفسه نجح أصدقاء شاب في إنقاذه في اللحظات الأخيرة بعد تسجيله فيديو عن استعداده للانتحار ونشره على منصات التواصل الاجتماعي، مطالبا بعدم تسليم جثمانه لأفراد أسرته لأنهم سبب تفكيره في الخلاص، فيما انتحر شاب تاركا رسالة مكتوبة للناس يناشدهم فيها أن يسامحوه لأنه لم يتحمل تعذيب والده له، ما دفعه إلى قتل نفسه.

هالة حماد: الأزمة تكمن في اقتناع الأسر بالتربية القائمة على الترهيب

تعكس كل هذه الوقائع درجة ما وصل إليه العنف اللفظي والجسدي والترهيب المعنوي من جانب الأسرة تجاه الأبناء، وأن الكثير من الأسر صارت تدمن التربية القائمة على الأذى والحرمان من العاطفة، ولا تدرك تبعات هذه السلوكيات على نفوس الأولاد، وخطورة العنف وما يسببه لهم من شعور بالكبت واليأس والإحباط والاستسلام لفكرة الانتحار.

ورغم إقرار الحكومة المصرية تشريعات تستهدف مواجهة العنف الأسري ومعاقبة المسؤولين عنه، بغض النظر عن هوياتهم، إلا أن العديد من الوقائع أثبتت أن التصدي لإيذاء الآباء أبناءهم لا يمكن معالجته بالقوانين مهما بلغت صرامة عقوباتها، فهي في النهاية لا تطبق أو يتم الاستناد إليها حتى مع اعتراف الأبوين بأن معاملتهما للابن المنتحر أو الفتاة كانت قاسية.

أزمة القانون الذي صدر لتحجيم العنف الأسري أنه مليء بالثغرات، فالأب الذي يقتل ابنه أثناء تأديبه قد يحاكم بتهمة القتل الخطأ، ما يعني أنه حتى لو تم حبسه يكون الحكم مخففا، مع أنه لو تم ردعه بشكل صارم ستكون هذه رسالة لكل أب يتعامل مع أولاده بذات الطريقة عند التأديب، وهناك وقائع مماثلة راح ضحاياها لنفس السبب.

والمشكلة أنه تم خلال عصور طويلة ترسيخ فكرة أن التربية الأسرية القائمة على الترهيب كفيلة بتقويم سلوك الصغار، ما يتطلب حاليا دفع الوالدين إلى التفكير أكثر من مرة قبل الإقدام على تصرف معيب أو سلوك مشين، ولا تدرك بعض الأسر أن الأجيال الجديدة بانفتاحها وتحررها من القيود لا يمكن أن تقبل فكرة الترهيب وترى أن الموت أقل عذابا من قسوة الأبوين.

الأب والأم اللذان قتلا ابنهما بدافع تأديبه وتقويم سلوكه ورثا هذه الثقافة المغلوطة دون أن يكون لديهما الحد الأدنى من الرحمة في إمكانية أن تتم معاقبته بطريقة آدمية، تحفظ لهما حقهما في تكرار منعه من الخطأ، وتمنحه فرصة أن يعيد التفكير في تصرفاته إرضاء لوالديه وحفاظا على مستقبله لا أن يكون مصيره الدفن في التراب.

وقالت هالة حماد استشارية العلاقات الأسرية وتقويم السلوك في القاهرة إن الأزمة الحقيقية تكمن في اقتناع الكثير من الأسر بأن التربية القائمة على الترهيب هي الأسلوب الصحيح، وفي اقتناعها بأن الحوار والمصارحة وإقامة صداقة بين الأبناء والآباء يقود إلى ارتكاب أفعال صبيانية تضر بسمعة العائلة بدافع التدليل والرعونة، وهذا تفكير خاطئ يضرب العلاقات الأسرية في مقتل.

وأضافت لـ”العرب” أن “الشاب -أو الفتاة- عندما يصل إلى مرحلة تفضيل الموت على حياته الأسرية، فذلك يعني تعرضه لأنواع مختلفة من القسوة والأذى نتيجة تراكمات كثيرة لم يعد يتحملها، أيّ أن عائلته استسهلت التعامل معه بقسوة أو لديها ميول عنيفة في التربية منذ الصغر، وللأسف هذه قناعات شريحة واسعة داخل المجتمع ومطلوب التدخل لتغييرها بكل الطرق وفي أسرع وقت ممكن”.

ولئن كانت شريحة كبيرة داخل المجتمع تدعم القسوة تجاه الأبناء عند ارتكابهم تصرفات مشينة، باعتبار أنهم يسيئون إلى عائلاتهم قبل أنفسهم، فإن الرفض الواسع لهذه الطريقة في التربية يمهد لكيانات أسرية أكثر تحضرا في المستقبل، والخوف أن تظل ثقافة العنف عند شريحة ورثت العنف منذ الصغر لتتعامل به مع أولادها عندما يصبحون آباء وأمهات.

ويعتقد متخصصون في العلاقات الاجتماعية أن الطفل الذي تربى على العنف يرث نفس الثقافة عندما يصبح أبا، ما يتطلب تدخل المؤسسات التربوية والثقافية والإعلامية لتقديم جرعات مكثفة حول الطريقة المثالية لعلاقة الآباء بالأبناء، وكيفية ترويضهم وحثهم على ترك التصرفات الخاطئة دون عنف أو ترهيب قبل أن يكون الأذى ثقافة متوارثة يصعب علاجها في الكثير من الأسر.

وتخلو المناهج التعليمية تقريبا من الدروس التي تحث على كيفية التربية الصحيحة، وكثيرا ما دعت المؤسسات الحقوقية والأهلية إلى ضرورة أن تقوم المدارس والجامعات بدور توعوي لتأهيل أرباب أسر المستقبل بعيدا عن ميراث العنف الذي يتفشى بين الأجيال المتلاحقة والكف عن التعامل مع الأنثى على أنها دائما مؤهلة للخطيئة، وإدراك أن تحرر الابن من القيود لا يعني أنه عاص أو منحرف.

وطالما استمر تأسيس أسر على ميراث العنف فتستمر الفجوة الفكرية والثقافية والنفسية بين الآباء والأبناء على وقع جهل الكبار بالحد الأدنى من معايير التنشئة السليمة لصغارهم، وعدم إدراكهم أن المصارحة والمصادقة والتفاهم من العوامل التي تؤسس لعلاقة مثالية بين كل أفراد العائلة، والترهيب عواقبه وخيمة وإن لم يفض إلى الكراهية والجحود فسيكون دافعا إلى إراحة النفس بالانتحار.

21