العنف الأسري يدمر أنظمتنا الاجتماعية

السبت 2015/10/17

العنف أيا كان مصدره ومنشؤه فإنه سلوك إنساني ضار بالإنسانية كلها، وكما قال مارتن لوثر كينج “غياب العدالة في جزء من العالم مؤشر لغيابها في كل العالم”، ولذلك حين يوجد في أي مجتمع معدل عنف مرتفع، فإنه يعني تغييبا للتسامح والإنسانية في كل الدنيا، خاصة وأن المعايير الإنسانية واحدة ولا تتجزأ، سواء كان ذلك في قوانين أو أديان، فما هو إنساني إنما يعني بالضرورة أن نتمتع بفطرة ومكونات تعكس السمة الأساسية لنا كبشر نختلف عن غيرنا من الكائنات الحية في الرقي النفسي والعقلي.

وقائع العنف الأسري في مجتمعاتنا العربية تكشف عن تراجعات مرعبة ومخيفة في نمطنا السلوكي وثقافتنا الإنسانية والاجتماعية، وإذا امرأة دخلت النار بسبب تعذيبها هرّة، فلا يبدو أننا اتخذنا من ذلك عبرة أو درسا يهذب السلوك، ولعل العرب أكثر المجتمعات حديثا عن كل ما هو جميل في الإنسان ولكنهم لا يحترمون أو يطبقون ما يقال، وذلك يجعل من حديثهم مجرد ثرثرة فارغة من مضمون لا يتطابق مع الواقع.

وأذكر أنني شاهدت قبل فترة مقطعا لشباب يعذبون ثعلبا أو حيوانا صحراويا بالمشي بإطارات السيارة على أطرافه إلى أن استوت السيارة بكاملها على جسده وقتلوه وهم يضحكون.

تلك السلوكيات غير الإنسانية تتناقض مع زعمنا بالكثير عن تطورنا وقدراتنا الإنسانية، وهي في الواقع تفسير لما نسمعه أو نقرأ عنه كل فترة وأخرى عن حالة هنا أو هناك لعنف أسري يطال أطفالا أو نساء. وأذكر أن دراسة صادرة عن الجمعية الوطنية لحقوق الإنسان وبرنامج الأمان الأسري قبل نحو عامين أشارت إلى ارتفاع نسبة العنف تجاه المرأة في السعودية إلى 87 بالمئة وأن 45 بالمئة من الأطفال يتعرضون للعنف في معيشتهم اليومية، واليوم لا تزال الحوادث ترشح لتقدم الكثير من الضحايا وآخرهم الطفلة الضحية يارا القحطاني التي تمثل آخر نموذج لبقاء ظاهرة العنف وتمددها في ظل عدم وجود القوانين المتخصصة الرادعة لمثل هذه الظواهر الإجرامية، التي يعتبر عدم الاعتراف بها كجرائم جنائية أزمة اجتماعية، وسببا لاستمرار العنف لعدم وجود الردع.

وحين يكون مصدر العنف من داخل عائلة الطفل أو المرأة، الأب أو الزوج أو الأخ، فذلك يعكس فكرة اجتماعية سلبية تدمّر النظام الاجتماعي بأسره، ولا يمكن السكوت على ذلك بالتعامل معه كأمر داخل البيوت وله خصوصيته، لأن المجتمع ولا شك يتضرر، والدولة التي تصدر القوانين من خلال مؤسساتها المعنية بتهذيب السلوكيات الاجتماعية والفردية عبر النظام والتنظيم والتشريع، وإذا ترك الأمر على أنه ضمن الخصوصيات دون تدخل المشرّع فإن المجتمع سينهار لأن الجميع يمكنهم ارتكاب جرائم مبررة ويمكنهم الإفلات من العقوبة، وليس بالضرورة أن نحاصر الجانب الذاتي للأفراد بقدر ما أن الهدف من التشريع هو حماية المجتمع من تصاعد أعمال العنف الأسري، ورغم أن الكثير من الدول العربية تقر قوانين لحماية الأطفال والنساء إلا أنها تظل تشريعات مليئة بالثغرات التي ينفذ من خلالها القائمون بالعنف.

لا تكمن خطورة العنف في الحالات الفردية التي تحدث، وإنما في أن تصبح سمة ومظهرا اجتماعيا طبيعيا لا يوقفه أو يردعه شيء، ولا يمكننا تفهم كيف يقتل أطفال لم يعوا شيئا بسبب التعذيب، أو تشوه أجسادهم الصغيرة لأنهم في نظر معنفيهم أخطأوا دون أن تكون لهم فرصة معرفة الصحيح من الخطأ.

ولذلك أعتقد أن هناك خطأ اجتماعيا كبيرا يحدث مع كل حالة عنف تظهر أو يتم التستر عليها، ومع كل بطء في المعالجة الاجتماعية المتخصصة علميا وتشريعيا، ومع تغييب القوانين أو تحييدها عن التعاطي مع هذه الجرائم. المجتمعات تخسر وتتراجع سلوكيا إذا لم يتم كبحها بنظام حاسم وصارم.

كاتبة سعودية

8