العنف الإثني يمزق بانغي والأمم المتحدة تحذر من تقسيم قادم

السبت 2014/04/26
وضع مأساوي في مخيمات اللاجئين الهاربين من الحرب في أفريقيا الوسطى

بانغي- تعيش جمهورية أفريقيا الوسطى ظروفا أمنية وإنسانية سيئة نتيجة حرب أهلية طائفية طاحنة بين ميليشيات مسيحية وأخرى إسلامية، أدّت إلى تفريغ كبرى المدن من سكّانها المسلمين، في خطوة هدفها الأساسي السيطرة على مناجم الألماس التي ترقد في باطن الأرض الأفريقية.

وصفت المنظمات الدولية ما يجري، اليوم، في جمهورية أفريقيا الوسطى بأنه تطهير ديني يستهدف المسلمين. وحذّرت من أن العنف الطائفي الذي تمارسه الميليشيا المسيحية المتمردة، المعروفة باسم “أنتي بالاكا”، يفرّ جراءه آلاف المدنيين في عملية نزوح جماعي ذات أبعاد هائلة على المستوى التاريخي.

وقدّرت منظمة العفو الدولية عدد الهاربين من جحيم العمليات الانتقامية، التي تشنها قوات “أنتي بالاكا” ضدّ المدنيين المسلمين، رغم أن الكثيرين منهم ليست لهم علاقة بالمتمردين، أكثر من عشرات الآلاف، مشيرة إلى أن هذا العدد في تصاعد.

وشبّه فيليب ليكليرك، خبير حماية المدنيين بمفوضية الأمم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين، العنف المرتكب في جمهورية أفريقيا الوسطى بما تعرض له السكان المسلمون في سربرينيتشا في البوسنة والهرسك عام 1995.

وأضاف ليكليرك: “تجري عمليات تطهير عرقية دينية في المناطق الغربية والشمالية من البلاد تستهدف المسلمين. ومن الواضح أن الناس محاصرون ويحاولون إنقاذ أرواحهم. يمكن منع حدوث المزيد من تلك الأعمال من خلال الوساطة ووجود القوات الدولية. إن الناس مستعدون للفرار ولكن من الصعب للغاية إيجاد ممر آمن. إن القوات الدولية والكتيبة الفرنسية وقوات الاتحاد الأفريقي توفر الأمن ولكن بشكل غير كاف”.

زانه باسار تخير الانتقال من مدينتها على الموت
شهادات
بانغي- يعيش مسلمو أفريقيا الوسطى فترة اجتمع الغالبية على وصفها بالمريعة، بعد أن أصبحت الأقلية المسلمة في البلاد تواجه حربا عرقية واضطهادا واضحا على أيدي ميليشيات الـ”انتي بلاكا” المسيحية، مما اضطر المسلمين إلى الفرار من بيوتهم وأحيائهم بالآلاف، حسب التقارير الأممية، للنجاة بحياتهم من الموت الذي يتهدده.

وفي بانغي عاصمة أفريقيا الوسطى، تقلص عدد سكانها المسلمين الذي يتراوح بين 130 ألفا و145 ألفا كانوا يعيشون في بانغي إلى نحو عشرة آلاف في ديسمبر، حسب تقارير الأمم المتحدة، ولا يزال الكثيرون يرغبون في ترك المدينة التي لم تعد آمنة لهم على الإطلاق.

وفي معرض حديثها لشبكة الأنباء الإنسانية “ايرين” عبرت زانة باسار، وهي سيدة مسلمة تعيش في مدينة بانغي، عاصمة جمهورية أفريقيا الوسطى، عن رغبتها في توجيه رسالة بسيطة للمجتمع الدولي تناشده فيها الانتقال إلى مكان آخر أكثر أمانا.

وقالت باسار “لقد ولدت في هذه المنطقة، ولكن منزلي دُمر، وقد نمت في الشارع طيلة الشهر الماضي، أريد أن أبعث برسالة استغاثة، أريد أن أذهب إلى مكان آخر”.

وقد أصبحت باسار مع العديد من المسلمين في أفريقيا الوسطى محاصرين في منطقة قريبة من العاصمة بانغي وتعرف باسم 12 PK. وقال نحو ستة أشخاص التقت بهم شبكة الأنباء الإنسانية “إيرين” في المنطقة ذاتها إنهم يريدون الرحيل.

و في حي PK 5 الواقع في قلب مجتمع بنغوي المسلم، غادر آلاف الأشخاص الخائفين منازلهم في اتجاه المجهول رغم أن رحلة خروجهم في حد ذاتها تتسم بالصعوبة ومحفوفة بالمخاطر، حيث تتعرض المواكب إلى هجمات من قبل المليشيات المسيحية.

ومتابعة لشهادات الفارين من القتل في أفريقيا الوسطى، ذكر صبي يدعى عبدالرحمن لمنظمة العفو الدولية كيف تم إيقاف الشاحنة التي كان يستقلها عند نقطة تفتيش لمليشيات الـ”انتي بلاكا” وطلبوا من جميع الركاب المسلمين النـزول من الشاحنة، وقد قُتل في تلك الحادثة ستة من أفراد عائلته: ثلاث نساء وثلاثة أطفال، بينهم رضيع.

ويروي الرجال والنساء قصصا متشابهة عن أفراد أسرهم الذين قُتلوا على أيدي ميليشيات مكافحة الـ”بالاكا”.

وقال جون ايروين، رئيس منظمة أطباء بلا حدود في الكاميرون: “لقد تغيرت حياتهم كليا أو دُمرت جراء ما يحدث في جمهورية أفريقيا الوسطى، وهم مصابون بصدمة نفسية”.

ويقول سالي أبو بكر وهو مواطن من قرية يالوكا في جمهورية أفريقيا الوسطى، وصل إلى غاروا-بولاي داخل شاحنة حاوية “لقد قتلت ميليشيات مكافحة الـ”بالاكا” ابني شادو وأخي وهربت أنا مع زوجتيّ وأطفالي العشرة”.

وفي محاولة لإنقاذ الأقلية المسلمة ، تخطط منظمات الإغاثة في جمهورية أفريقيا الوسطى لما يعتبر أول محاولة لها لإعادة توطين الجالية المسلمة داخل البلاد بدلا من خارجها.

وتستهدف الخطة ما يقرب من ألف مسلم حوصروا داخل مجمع مدارس في منطقة بوسانغوا شمال العاصمة بانغي وهم مهددون من قبل ميليشيات الـ”أنتي بالاكا”، لتتم إعادة توطينهم في بلدة باوا التي تقع على بعد نحو 175 كيلومترا إلى الشمال الغربي وحوالي 70 كيلومترا من الحدود التشادية.

ويقول عبده دينغ، منسق الشؤون الإنسانية لجمهورية أفريقيا الوسطى في هذا الصدد : “أمام هؤلاء الناس خياران فقط، إما أن يبقوا حيث هم وقد يتعرضون للقتل أو أن يتم نقلهم، لكنهم أعربوا عن رغبتهم الشديدة في الخروج من بوسانغوا، وعندما سألناهم أين يودون الذهاب أشاروا إلى بلدة باوا”.

وأضاف قائلا:” لقد تحدثنا إلى السلطات المحلية في باوا للحصول على موافقتهم لاستضافة هؤلاء وحصلنا عليها”.

يذكر أن باوا وعلى عكس معظم المدن الأخرى في غرب جمهورية أفريقيا الوسطى، لم تشهد قتالا بين مقاتلي السيليكا السابقين الذين يشكل المسلمون غالبيتهم، وميليشيات الـ”أنتي البالاكا” الذين ينتمون في غالبيتهم إلى المسيحية وتجنبت العنف الطائفي.

وتقول مفوضية شؤون اللاجئين إن أعداد قوات حفظ السلام الدولية والأفريقية في جمهورية أفريقيا الوسطى غير كافية لحماية المدنيين المسلمين الذين يتعرّضون لأبشع أنواع العنف، حيث لا يكتفي المسلّحون بطردهم من ديارهم بل يطاردونهم ويقومون بقتلهم والتنكيل بجثثهم. ويبلغ عدد قوات الاتحاد الأفريقي ستة آلاف عنصر، فيما أرسلت فرنسا، التي احتلت سابقا هذا البلد، كتيبة مكونة من ألف وستمائة جندي، لكنها اتهمت بالانحياز ضد المسلمين.


أسباب الأزمة


يعتبر الإسلام ثاني أكبر ديانة في البلاد بعد المسيحية التي يدين بها نصف السكان (25 بالمئة بروتستانت و25 بالمئة كاثوليك)، أما بقية السكان فيدينون، إلى جانب الإسلام، بديانات محلية. ويعيش معظم مسلمي أفريقيا الوسطى في الشمال بالقرب من الحدود مع تشاد.

ولئن أرجعت مختلف التقارير الدولية الوضع الدموي في جمهورية أفريقيا الوسطى إلى الصراع على السلطة بين الميليشيات المسيحية والمليشيات المسلمة، فإن الباحث التشادي، محمد البشير أحمد موسى، تعمّق أكثر في جذور هذا الخلاف مبيّنا أن الأحداث بدأت بالفعل في ديسمبر 2012، ويرجع سببها الرئيس إلى عام 2008 حين نشبت مشكلة بين الرئيس فرانسوا بوزيزيه وجنوده الذين ساعدوه في الاستيلاء على السلطة في 2003 لإسقاط الرئيس الراحل أنجيفيليكسباتاسيه، وهؤلاء متفرقون من حيث الانتماءات القبلية والمناطقية وكذلك الأديان.

ويذكر موسى، في دراسة حملت عنوان “الصراع في أفريقيا الوسطى… أسبابه وتداعياته على المسلمين”، أن هناك قبيلتين كبيرتين تقطنان في منطقتي الشمال الشرقي من البلاد، وهما “رونغا” و”قُولا”.

وقد اعتمدت الحكومة على سياسة “فرّق تسد” في تعاملها مع أبناء الشمال الشرقي، فأثارت الفتنة بين القبيلتين لإشغالهما عن المطالبة بحقوق أهل الشمال من تقاسم الثروة والمشاركة السياسية في الحكم والتنمية المفقودة نهائيا في هذه المناطق، مما أشعل بينهما صراعا دمويا، راح ضحيته عشرات الآلاف من القبيلتين. وزاد الطين بلّة دخول عناصر من “جيش الرب” الأفرووسطي، بالإضافة إلى أطياف من المعارضة السودانية والتشادية في منطقة المثلث (أفريقيا الوسطى – تشاد – السودان)، وهي من أكثر المناطق لهيبا، حيث تتردد عليها أحيانا المعارضة المسلحة لحكومة جنوب السودان، بالإضافة إلى وجود كثيف للثوار التشاديين، ونزحت إليها في الآونة الأخيرة مجموعات من الحركات المسلحة من شمال مالي بعد دخول القوات الغربية إلى شمال مالي.

وبعد فقدان عشرات الآلاف ما بين جريح وقتيل توصلت القبيلتان إلى اتفاق بينهما لوقف القتال، وشكّلتا مجموعتين ثوريتين مع القبائل الأخرى المقيمة في هذه المنطقة، وصبّا جام غضبهما على الحكومة والجيش النظامي.


القبلية والطائفية وأثرهما في الصراع


انتشر الإسلام في أفريقيا الوسطى في مطلع القرن السادس عشر الميلادي. وقد خضعت أجزاؤها الشمالية والشمالية الشرقية للحكم الإسلامي الذي وصل إلى منطقة تشاد والسودان.وتعدّ قبيلتا “رونغا” و”قُولا” من بين عدد من القبائل المسلمة التي تعيش في أفريقيا الوسطى، ومنها قبائل مشتركة بين عدد من الدول. ومن بين هذه القبائل قبائل الشمال التي اعتنقت الإسلام في القرن الثالث عشر الميلادي، وتتمركز أهم القبائل في الشمال الشرقي الغني بالألماس والذهب، وفق دراسة محمد البشير موسى.

ويوضّح الباحث التشادي أن معظم القبائل والمجموعات الإثنية المسلمة وجدت تهميشا من النّخب الحاكمة للبلاد منذ الاستقلال، بل قبل الاستقلال، خلال الاحتلال الفرنسي الذي كرّس سياسة “المناطق المقفلة”، ومنع المسلمين من الاتجاه نحو الجنوب.

وبعد الاستقلال أصبح هذا التهميش عُرفا وسياسة متّبعة لدى الحكومات المتعاقبة، بل وصل الأمر في أيام الرئيس الراحل باتاسيه إلى شنّ حملات منظمة لتصفية الوجود الإسلامي، سواء في الحكومة أو في الحياة العامة، حيث يسيطرون على التجارة، مما أوقعهم في عدد من المصادمات التي راح ضحيتها عدد من المسلمين، وهي إحدى الأسباب التي دفعت الحكومة التشادية إلى مساعدة الرئيس السابق فرانسوا بوزيزيه للوصول إلى سدّة الحكم وفرار باتاسيه إلى الغابون.

لكن بوزيزيه لم يستفد من الدروس السابقة، وساهمت حكومته في تأجيج الصراع الديني مرة أخرى، ودفع بقواته للاعتداء على ممتلكات المسلمين، ولعل أشهر تلك الحوادث ما جرى في عام 2010، حيث راح ضحيتها المئات من المسلمين وغيرهم.

بسبب الإهمال والتهميش استعرت الحرب بين الحكومة والقبائل المسلمة، ودخلت المنطقة في صراع مفتوح على كلّ الجبهات، فاتحدّت القبائل في حركة واحدة سمّت نفسها بـ “سيليكا”، أي (العقد) بلغة السنغو المحلية، أي تعاقدوا وتعاهدوا لإسقاط الحكومة المركزية في “بانغي”.

وقد وجد هذا التحالف دعما قويا بالعتاد والسلاح من متمردي كلّ من جنوب السودان وتشاد، على أن تضمن الحركة الوليدة بعد وصولها إلى سدّة الحكم دعم الحركتين بالمقابل في صراعهما مع حكومتيهما المركزيتين بناء على تعاهد بينهما.


بلد الانقلابات


دخل الفرنسيون سنة 1889 العاصمة بانغي، ولم يلبثوا أن حوّلوا المنطقة، التي كانت معروفة آنذاك باسم (أوبانغي – شاري) إلى إقليم تابع لفرنسا. ودخلت البلاد، التي أصبحت تعرف باسم جمهورية أفريقيا الوسطى، مرحلة مقاومة الاستعمار الفرنسي. وحصلت على الاستقلال سنة 1960.

بعد جصول جمهورية أفريقيا الوسطى على الاستقلال، انتخب دافيد داكو رئيسا لكن لم تمض على حكمه إلا مدة قصيرة حتى أطاح به انقلاب عسكري قاده عام 1966 جان بيديلبوكاسا، الذي غيّر الحكم في البلاد من جمهورية إلى إمبراطورية. ثمّ في عام 1979، أطاح مؤيدو داكوببوكاسا، وأعادوا داكو رئيسا مرة أخرى. وأعيد أيضا تغيير اسم البلاد إلى جمهورية أفريقيا الوسطى.

انقلاب عسكري آخر حدث في سبتمبر 1981، أطاح مرة ثانية بداكو، وبقيت البلاد على حالة عدم الاستقرار والفوضى. ثم عاشت تجربة انتخابات رئاسية جديدة سنة 1993 وصل على إثرها أنجي فيلكسباتاسي، وبقي إلى غاية سنة 2003، حين أطيح به في انقلاب عسكري جديد قاده الجنرال فرانسوا بوزيزيه.

وظلت أفريقيا الوسطى تعيش على وقع الانقلابات العسكرية والتي كان آخرها الانقلاب الذي قاده ميشال دجوتوديا، الذي يناصره عناصر “سيليكا”، وأطاح بالرئيس فرانسوا بوزيزيه، الذي تناصره ميليشيات “أنتي بالاكا”، المسيحية في مارس 2013. ويعدّ الرئيس ميشال جوتوديا أول رئيس مسلم في تاريخ جمهورية أفريقيا الوسطى.

لم يقبل أنصار فرانسوا بوزيزيه بالأمر، ودخلت البلاد، الهشّة، في حالة فوضى عارمة وفشلت الحكومة في فرض الأمن والسيطرة على عناصر ميليشيات “أنتي بالاكا” المسيحية التي ردّت على الانقلاب بشنّ حملة إبادة عرقية استهدفت المسلمين في البلاد، إلى أن اضطر دجوتوديا إلى التنحي بضغط من رؤساء دول وسط أفريقيا في مطلع يناير 2014 وحلّت محلّه كاثرين سامبا بانزا كرئيسة انتقالية للبلاد.


تدخل فرنسا


على امتداد هذه الصراعات والانقلابات، التي أعاقت استقرار البلاد، كانت فرنسا حاضرة بقوّة، لتحمي مصالحها و”ثرواتها” من الماس والذهب واليورانيوم، فقامت، في البداية، بدعم جماعات الـ “سيليكا” للوصول إلى قصر الرئاسة وتنصيب ميشا دجوتوديا رئيسا مكان فرانسوا بوزيزيه. وقد فعلت فرنسا ذلك عقابا لبوزيزيه الذي غيّر ولاءه واستغنى عن حرسه التشاديين (فرنسيي الولاء) وعوّضهم بجنود من جنوب أفريقيا، وفتح المجال للصين والولايات المتحدة الأميركية وجنوب أفريقيا للاستفادة من ثروات البلاد.

بدخول البلاد مرحلة الصراع الطائفي وتدخّل القوّات الدولية، انضمّت فرنسا إلى قوات حفظ السلام الأممية وسحبت الأسلحة من مقاتلي الـ”سيليكا”، مما أضعفهم أمام الـ”أنتي بالاكا”. وقد اتهم أحد الجنرالات في أفريقيا الوسطى اللواء ياياإسكوت، وهو من الأغلبية المسيحية، القوات الفرنسية بأنها “مسؤولة عن التحريض على العنف الطائفي بين المسلمين والمسيحيين في أفريقيا الوسطى”.وأشار إسكوت إلى أن “المسلمين والمسيحيين كانوا يعيشون في وئام حتى شرع بعض الساسة المحليين -الذين يتم تمويلهم من جانب فرنسا- في تحريض المسيحيين ضد الأقلية المسلمة”.


مأساة إنسانية

تحذيرات من إجلاء الأقليات في أفريقيا الوسطى
لندن- حذر خبراء أمميون مستقلون في حقوق الإنسان، في بيان صدر عن مفوضية حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة من إجلاء الأقليات الدينية من المشردين داخليا دون التشاور مع تلك الأقليات وأن يكون الإجلاء بقرار منها ووفقاً للمعايير الدولية.

قال الخبيران كالوشا بياني، المعنى بحقوق المشردين داخليا، وريتا إيزاك، المعنية بحقوق الأقليات، إن قرارا من هذا النوع يجب أن يكون الحل الأخير وفى حالة واحدة فقط وهى وجود مخاطر حقيقية تتهدد حياة هؤلاء.

ودعا بياني إلى أن تكون عملية الإجلاء لأبناء الأقليات الدينية في أفريقيا الوسطى قائمة على دراسة لكل حالة على حده، وأن تكون بموافقة الفرد المعنى، وان يضمن له الحق في أن يقرر إما البقاء أو الإجلاء مع ضمان العودة الآمنة والكريمة متى سمحت الظروف بذلك.

وحذر الخبير الأممي من عمليات تهجير طويلة الأمد ربما تؤدي إلى مزيد من الانقسامات بين المجتمعات، وبينما رحب المقرر الخاص بقرار مجلس الأمن بنشر بعثة لحفظ السلام في جمهورية أفريقيا الوسطى، فقد دعا إلى دعم الحكومة الانتقالية في البلاد من الاتحاد الأفريقي والقوات الفرنسية والأوروبية هناك.


أدت أعمال العنف الطائفية إلى نزوح ربع سكان البلاد، البالغ عددهم 4.6 ملايين نسمة، عن مناطقهم خوفا من الهجمات الانتقامية، ومنذ ديسمبر 2012 بلغ عدد الذين لجأوا إلى دول مجاورة لأفريقيا الوسطى ربع مليون.

كما أكدت منظمة العفو أن “ميليشيات “أنتي بالاكا” تشن هجمات عنيفة بهدف القيام بتطهير إثني بحق المسلمين في جمهورية أفريقيا الوسطى”. وكان الأمين العام للأمم المتحدة، بان كي مون، قد حذّر من أن تقسيم جمهورية أفريقيا الوسطى بات أمرا ممكنا جراء أعمال العنف بين المسيحيين والمسلمين.

وأضاف بان كي مون: “الوحشية الطائفية تغير التركيبة السكانية في البلاد، ويجب علينا بذل المزيد من الجهد لمنع ارتكاب المزيد من الفظائع ولحماية المدنيين واستعادة النظام والقانون وتقديم المساعدات الإنسانية والحفاظ على تماسك البلاد”.

تتصاعد هذه التحذيرات بالتزامن مع وصول الأزمة في جنوب أفريقيا إلى مرحلة خطيرة جدّا من العنف الذي يتحول إلى إبادة جماعية. وقد وصل عداء “«أنتي بالاكا»” إلى حدّ التعرّض للهاربين من المسلمين ومنعهم من الخروج من البلاد واللجوء إلى الدول المجاورة. وقد أكدت تقارير المفوضية العليا لشؤون اللاجئين أن الميليشيات المسيحية “أنتي بالاكا”، تعمل على منع المدنيين من مغادرة جمهورية أفريقيا الوسطى إلى الكاميرون، وذلك من خلال مهاجمتهم على طول الطريق وسده، مما يجبرهم على البقاء في الأدغال لعدة أشهر.

ونقلت شبكة “إيرين” عن ليز اهوا، منسقة للاجئين في المفوضية العليا لشؤون اللاجئين، والتي قامت بزيارة ميدانية للكاميرون، شهادتها بأن اللاجئين الذين يصلون إلى الكاميرون مصابون بصدمات أليمة، فضلا عن الإصابات التي تعرضوا لها، وإنهم يحتاجون إلى جميع أنواع المساعدات سواء جسديا أو من الناحية النفسية.

ووفقا للمفوضية، هناك ما يقارب من عشرة آلاف شخص، يصلون إلى شرق الكاميرون أسبوعيا من جمهورية أفريقيا الوسطى، وذلك عن طريق عدة نقاط غير رسمية نظرا إلى هجمات الميليشيات، مما زاد من التحديات التي تواجه المفوضية في مراقبة الحدود. وستطلق المفوضية العليا لشؤون اللاجئين مناشدة بالشراكة مع الوكالات الأخرى، لمزيد من التمويل والمساعدات لمواجهة تلك الأزمة، وخاصة في الكاميرون.

من جانبها، قالت منظمة العفو الدولية إن قوات حفظ السلام الدولية فشلت في منع عمليات التطهير العرقي التي وقعت ضد المدنيين المسلمين في الجزء الغربي من جمهورية أفريقيا الوسطى. وكي تتم حماية المجتمعات المسلمة المتبقية يتعين على قوات حفظ السلام كسر سيطرة مليشيات “أنتي بالاكا” المسيحية ووضع قوات كافية في البلدات التي يتعرض فيها المسلمون للتهديد.

وقال جوان مارينر، من كبار المستشارين في برنامج مواجهة الأزمات بمنظمة العفو الدولية: “إن مليشيات “أنتي بالاكا” تقوم بهجمات عنيفة في محاولة لتطهير جمهورية أفريقيا الوسطى عرقيا من المسلمين”. والنتيجة هي هجرة المسلمين بأعداد لم يشهدها تاريخ البلاد.


صمت المجتمع الدولي

مقاتل ميليشيا «أنتي بالاكا». وكلمة «بالاكا» تعني المنجل بلغة السانغو. وتقول بعض المصادر إنها تعني أيضا «الذي لا يقهر»، ويزعمون أنهم يكتسبون هذه القوة من التعويذات التي تتدلى من رقاب معظم الأعضاء


انتقدت منظمة العفو الدولية برودة رد المجتمع الدولي على هذه الأزمة، وأشارت إلى أن قوات حفظ السلام الدولية امتنعت عن التصدي لمليشيات “أنتي بالاكا” وكانت بطيئة في حماية الأقلية المسلمة التي تتعرض للتهديد.

وقالت دوناتيلا ريفيرا، من كبار المستشارين في برنامج مواجهة الأزمات بمنظمة العفو الدولية: “لقد فشلت قوات حفظ السلام في وقف العنف، وسكتت عن استخدامه في بعض الحالات، وذلك بالسماح لمليشيات “أنتي بالاكا” التي ترتكب الانتهاكات بملء فراغ السلطة الذي أحدثه رحيل قوات “سيليكا”.

وتلقت منظمة العفو الدولية في الأسابيع الأخيرة مئة شهادة مباشرة حول وقوع هجمات واسعة النطاق من قبل مليشيات أنتي بالاكا ضد المدنيين المسلمين في بلدات “بوالي” و”بويالي” و”بوسمبيلي” و”بوسمبتيلي ” و”باورو” الواقعة في شمال غرب جمهورية أفريقيا الوسطى. وفشلت القوات الدولية في الانتشار في تلك البلدات، مما ترك المجتمعات المدنية فيها بلا حماية.

ووقع الهجوم الأشد فتكا الذي وثَّقته منظمة العفو الدولية في 18 يناير في “بوسمبتيلي”، حيث قُتل ما لا يقل عن 100 مسلم. وكان من بين القتلى نساء ومسنون، بينهم إمام مسجد في السبعينات من العمر. وطلبا للنجاة من الهجمات المميتة التي شنتها مليشيات “أنتي بالاكا”، فرَّ السكان المسلمون جميعا من بلدات وقرى عديدة، بينما لجأ العدد القليل الذي بقي منهم في بلدات أخرى إلى الكنائس والمساجد وما حولها.

ما يجري في أفريقيا الوسطى ضدّ الأقلية المسلمة، محاولة لإيجاد واقع جديد على الأرض الاستراتيجية والغنية بالثروات الطبيعية في ظلّ عودة الاهتمام بالتمركز في القارة الأفريقية وظهور قوى جديدة صاعدة تبحث بدورها عن موطئ قدم في مناجم الذهب والمعادن وغيرها من الثروات التي تزخر بها القارة الغنية – الفقيرة، فبلد مثل أفريقيا الوسطى غني جدا بثرواته (الماس والذهب واليورانيوم)، ومع ذلك فشعبه من أفقر خمسة شعوب في العالم.

6