العنف اللفظي أسلوب حياة في مصر

يرى خبراء اجتماع أن غياب المحاسبة والقدوة الحسنة في أكثر القطاعات المعنية بتعزيز السلوكيات والتربية السليمة، جعل استخدام العنف اللفظي أسهل وسيلة للانتقام من الآخرين.
السبت 2018/04/21
فقدان لغة الحوار

القاهرة – ظل الباحث المصري وجدي عبدالقادر بجامعة الزقازيق، بدلتا مصر، يحضر لرسالة ماجستير حول تجديد الفكر الديني عاما كاملا، ويوم مناقشة الرسالة بحضور عائلته وأصدقائه، الأحد الماضي، حضر مختار جمعة وزير الأوقاف وعدد من الأكاديميين، وفوجئ الحضور بالوزير يهين الباحث قائلا: “أنت جاهل وحمار، هذه ليست رسالة، بل جهل وتخلف”.

كان أكثر المصريين في اليوم ذاته، يترقبون قرار مجلس النواب برفع الحصانة عن النائب مرتضى منصور الذي يتخذ من السب بألفاظ بذيئة، سلاحا لمواجهة خصومه، حتى رفض البرلمان للمرة الخامسة رفع الحصانة عنه لمحاسبته قضائيا.

يمكن البناء على الحالتين، وزير الأوقاف كرجل دين من مهامه ترسيخ الأخلاق، ومرتضى منصور كنائب برلماني معني بتوجيه دفة الأمور إلى الأصلح. كلاهما يفترض فيه القدوة، لأن العنف اللفظي يكاد يصبح ظاهرة، بدليل أنه لا فرق في استخدامه بين مواطن ومسؤول. ردة الفعل الغاضبة من المجتمع على موقف وزير الأوقاف من الباحث، أو تجاهل البرلمان محاسبة النائب، عكست وجود رفض مجتمعي لأن يكون العنف اللفظي سمة دارجة في المجتمع.

ولا تخلو مشادة بين مصريين دون أن يستخدم أطرافها ألفاظ بذيئة، سواء كان ذلك بين الطلاب والمعلمين في المدرسة، أو بعض الأزواج أو حتى الآباء وأبنائهم، فضلا عما تحويه الدراما من ألفاظ من هذه العينة.

ويبرر القائمون على العمل الدرامي في مصر تضمين ألفاظ بذيئة في بعض المشاهد، على أنه انعكاس للواقع المجتمعي، الأمر الذي كان محظورا في السينما والدراما حتى حقبة الثمانينات من القرن الماضي، وكانت المدارس تشرع في فصل الطلاب مستخدمي هذه الألفاظ، وتغاضت عن ذلك حاليا.

تقول إيمان محمود، طالبة بكلية الحقوق جامعة القاهرة، لـ”العرب” إنها أصبحت تسمع يوميا المئات من الألفاظ البذيئة داخل الحرم الجامعي حتىأثناء حواراتهم العادية،  “إنها أصبحت عند البعض أسلوب حياة”.

وأضافت “أتذكر عندما تعرضت صديقة للتحرش، وطالبت المتحرش أن يكون محترما، فانهال عليها بألفاظ بذيئة تمس سمعتها وشرفها، لأنه يدرك تأثير العنف اللفظي عليها أكثر من الضرب، وإذا تقدمت ببلاغ ضده للنيابة، لن تستطيع إثبات ذلك، وهذا سبب انتشار الظاهرة”.

ويرى خبراء اجتماع، أن غياب المحاسبة والقدوة الحسنة في أكثر القطاعات المعنية بتعزيز السلوكيات والتربية السليمة، جعل استخدام العنف اللفظي أسهل وسيلة للانتقام من الآخرين، باعتبار أنها أشد قسوة من الضرب، ولا تعرض صاحبها للعقاب ويصعب إثباتها، بعكس الاعتداء الجسدي.

الأزمة تكمن في اعتقاد البعض، أن لغة التجريح والسخرية والسب بأبشع العبارات تعبير عن القوة

وأضاف هؤلاء، أن ضعف الشبكة الاجتماعية، عكس الترابط الأسري والمجتمعي في الماضي، وتحول الشخص إلى الانعزال، تدفعه ليواجه مشكلاته وحيدا، جعل أكثر الناس يفقدون لغة الحوار ويستبدلونها بالعنف اللفظي. وقالت سهير منصور، أستاذة علم الاجتماع بجامعة عين شمس في القاهرة، إن “الحديث عن تحول العنف اللفظي إلى سمة مجتمعية قد لا يحتاج إلى شواهد، فالألفاظ البذيئة أصبحت دارجة ومرتبطة بلغة المسؤول والمذيع والمعلم والأب، بمعنى أن القدوة غابت، فغاب معها صون الكلام”.

وأشارت، لـ”العرب” إلى أن الأزمة تكمن في أن أكثر الفئات في المجتمع المصري، تعتبر التمرد على التقاليد والأعراف وعدم الالتزام بالسلوكيات والألفاظ الحميدة، نوعا من الحداثة، وعكس ذلك يعني استمرار التخلف والضعف أمام تحرر باقي الفئات.

وأوضحت أن الأزمة تكمن في اعتقاد البعض، أن لغة التجريح والسخرية والسب بأبشع العبارات تعبير عن القوة، ما جعل هذه العدوى تنتقل إلى سلوكيات الفئة المحافظة، فتقابل ذلك بالمثل، وأصبح بعض الآباء الجدد يربون أبناءهم على العدوانية اللفظية، وكيل لمن يسبهم بمكيالين.

رحاب لطفي، قاهرية عاشت في أميركا وقررت العودة إلى مصر ، رأت أن عدم الاستقرار الأسري والمجتمعي للأفراد، يجعلهم عدوانيين، فالمجتمع الذي عاش فترة صراع سياسي وعدم استقرار تترسب بداخله الخشونة واستخدام العبارات القاسية.

وقالت، لـ”العرب”، إن مجتمعات البلدان المستقرة تحمل كلمات مواطنيها لطفا بعيدا عن العدوان اللفظي، بالتالي فالأجواء العامة، ووجود القدوة الحسنة، وفرض سلطة القانون، تنعكس على سلوكيات المواطنين. وتدعم هذا الرأي، صافيناز المغازي استشارية العلاقات الأسرية بمركز البحوث الاجتماعية، بتأكيدها أن التحولات الاجتماعية التي شهدها المجتمع المصري مؤخرا في غياب المحاسبة وتدني المستوى الثقافي والأخلاقي، جعل العنف اللفظي أحد سمات التعامل بين الأفراد.

ولفتت في حديثها لـ”العرب”، إلى أن القضاء على الظاهرة يتطلب إعادة دور المدارس في التربية، وتغيير أساليب عقاب الآباء لأبنائهم، وإبعاد أصحاب الألسنة المنفلتة عن صدارة المشهد، وتخصيص عقوبة للسب بألفاظ بذيئة.

20