العنف المجتمعي يصل إلى أروقة الكنيسة القبطية في مصر

مختصون في علم الاجتماع يرجعون انتشار العنف إلى الأسباب الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية.
السبت 2019/07/06
ما طرأ على المجتمع المصري من إنفلات سلوكي شمل الكنيسة أيضا

يعرف المجتمع القبطي بأنه مسالم ورجال الدين لهم مكانتهم الخاصة التي تصل درجة التقديس، لكن عندما يصل الأمر إلى حد قتل قس داخل كنيسة من أجل السرقة أو لخلافات مالية فإن ذلك يدق ناقوس خطر جديد ويلفت إلى ظاهرة مجتمعية مزدوجة، إذ أن الأقباط جزء من المجتمع المصري يتأثرون بالمتغيرات والأوضاع المحيطة شأنهم شأن كل المصريين، من وبينها استشراء العنف داخل المجتمع المصري لدرجة أنه وصل إلى عمق الكنيسة، بل وبين رجال الدين أنفسهم، فأن يقتل راهب قسا وبسبب خلافات مالية هو أمر مستجد.

القاهرة - تسود حالة من الغليان في أوساط المجتمع القبطي في مصر على إثر تكرار حالات عنف وقتل داخل دور العبادة التي حافظت على درجة عالية من السرية لكل ما يدور داخلها. ومؤخّرا، أعادت حادثة اغتيال القس مقار سعد رهاب كنيسة مارمرقس في منطقة شبرا الخيمة بوسط القاهرة، النقاش حول هذه المسألة، التي ظهرت على استحياء عقب مقتل الأنبا إبيفانيوس رئيس دير أبومقار.

وكان الأنبا إبيفانيوس قد قتل نهاية يوليو العام الماضي بعد تعرضه للضرب بآلة حادة على يد راهبين بالدير الواقع بوادي النطرون التابع لمحافظة البحيرة في شمال مصر. وقالت السلطات إن التحقيقات توصلت إلى أن السبب وراء حادثة القتل “وجود خلافات عقائدية ومالية بسبب أموال التبرعات التي ترد إلى الدير وكيفية التصرف فيها”.

إذا كان التحجج بالطابع السياسي الذي اكتست به حادثة اغتيال الأنبا إبيفانيوس وراء حالة التكتم وعدم الإفراط في تحليل دلالات الحادث واستقراء تداعياته على الجماعة القبطية بشكل خاص وعموم المصريين بشكل عام، فإن أسباب حادث مقتل الراهب مقار سعد فجرت جدلا آخر وفي اتجاهات متعددة، تصب في تعزيز موقف تيار مدنية المجتمع القبطي وحجب القداسة عن رجال الدين وتقليص الدور المتعاظم للكنيسة في المجتمع.

وزاد العنف بشكل لافت في المجتمع المصري ككل ويرجع مختصون في علم الاجتماع انتشار هذه الظاهرة إلى الأسباب الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية. وتزيد النزاعات الطائفية من تنامي الشعور بازدراء الآخر ما ينتج عنه تنامي العنف وتضاعف مخاطره.

واللافت أن الصدام لم يقف عند الإشكاليات اللاهوتية بين التيارات المختلفة، كما هو معتاد بين أفراد الطائفة الواحدة، وإنما بات الصراع على نفوذ وثروات وعلاقات معقدة دافعا رئيسيا للقتل. فالحادثان حاصرتهما خلافات مالية وطمع في تكديس الثروة أو الحصول عليها عنوة ممن يكدسها.

تسبب الخلاف على المال في اغتيال القس سعد مقار داخل كنيسته على يد خادم الكنيسة المدني، الذي قال إنه اختلف مع القس بسبب عدم التزامه بوعد قطعه بمساعدته في تزويج بناته التسع وتطور الأمر لينتهي بمقتل القس.

تكديس الأموال

من الصعوبة فصل ما يجري داخل الكنيسة المصرية عن المجتمع
من الصعوبة فصل ما يجري داخل الكنيسة المصرية عن المجتمع

تداول البعض فكرة سيطرة “المال الشايب” على بعض رجال الدين، والمقصود به تكديس الأموال من جانب البعض إلى أن يشيبان معا، بينما هناك آخرون يزدادون فقرا ويتحول الأمر إلى جرائم عنف وقتل.

وتنشر الجرائم لأسباب مادية كثيرا في المجتمع المصري بشكل عام. والغريب أن تصل تلك الجرائم إلى دور العبادة المسيحية، بعد أن ظلت لقرون طويلة تشبه التنظيمات السرية لا يعرف عنها أحد شيئا، باستثناء أنها مؤسسة مستقرة ومعروفة بانكفاء الأقباط على أنفسهم وحماية خصوصيتهم.

فتح حب المال أو الحاجة إليه أبواب تلك العزلة على مصراعيها، وكشف عن عنف مستتر وصل لحد القتل لأول مرة داخل دور العبادة المسيحية.

وأخطر ما يمكن رصده في الخلفيات هو التحول الواضح في طبيعة ودور رجل الدين القبطي، ونزوله من درجة القداسة إلى مرحلة التحكم في أقوات الناس، سواء كانوا من خدم الكنيسة أو من أتباعها المخلصين.

وأفضى هذا النوع من الحوادث إلى نقاش آخر لا يقل أهمية حول الوضع الشاذ لخدم الكنائس والعمال المدنيين في الأديرة وغيرها من دور العبادة المسيحية الذين ظلوا لعقود طويلة يعملون دون رقابة أو عناية أو حتى متابعة رسمية من الدولة، التي اعتبرت الكنائس حرما خاصة بالمجتمع القبطي تسيطر عليه الكنيسة فقط.

ودفع هذا الأمر البعض من الأقباط لفتح الملف المسكوت عنه المتعلق بتسوية أوضاع العمال المدنيين الذين لا يتمتعون بمظلة تأمينية، مثل كل العمال في مختلف الوظائف الحكومية بما فيها المساجد نفسها، كما أنه لا تسري عليهم القرارات الحكومية الخاصة بالحد الأدنى للرواتب، وإقرار علاوات منتظمة لا تكون مرتبطة برضا الراهب عنهم، والحصول على حقهم في التأمين الطبي، مثل بقية العمال والموظفين في الدولة.

ولّدت الحوادث الفردية صدمة عنيفة وانقسامات لم يشهدها أقباط مصر من قبل، طالت رجال الدين، وكانت مدخلا للحديث عما يدور داخل الجماعة المسيحية، وكيف يصل البعض من رجال الدين إلى صورة رمادية ملطخة بالدماء والعداوة والقسوة والعنف.

أكد الباحث القبطي سامي وليم أن هذا النوع من العنف دخيل على الروحانية المسيحية. فالكنيسة بالنسبة للأقباط ليست فقط مكانا للعبادة، بل هي سكن للروح وطريق الملكوت (الجنة) على الأرض، وليس مطروحا في المخيلة أن تتسلل الجريمة إلى رجالها أو أن ترتوي أرضها بدماء القساوسة على أيدي الرعايا.

يدلل على ذلك أن المستشرقين الأجانب وجدوا في سمات المجتمع القبطي الفريدة مادة دسمة للكتابة عنه، ومنها كتاب المستشرق الأميركي إدوارد واكين “ألونلي مينوريتي” (أقلية وحيدة) عام 1963، ونقل فيه صورة أقباط مصر في منتصف القرن الماضي بدقة.

وأكد إحصاء حكومي أجري على المدانين والمحكومين بالسجن في مصر أن الجريمة في المجتمع القبطي كانت شبه معدومة في ذلك الوقت.

اختلفت الصورة اليوم، فالتقلبات العنيفة بين الكاهن والرعية أحدثت خلَلا في القيم وانعدمت الثقة بينهم، ولم يعد غريبا وجود أسماء قبطية في أخبار الحوادث.

تقول سامية الساعاتي أستاذة علم الاجتماع، في تحليلها لتحول العنف إلى قتل في دور العبادة المسيحية بما يمثله ذلك من انحدار نوعي داخل المجتمع القبطي، إن التغيرات التي طرأت على الشخصية المصرية في العقود الأخيرة سببها “التحوّلات الجذرية التي طرأت على بنية المجتمع ككل وجعلتها أكثر سلبية وعدوانية”.

من الصعوبة فصل ما يجري داخل الكنيسة المصرية عن المجتمع، فهي إحدى مؤسساته ويطالها ما يطال كل أفراده من تغييرات وانفلات سلوكي.

وتضيف الساعاتي، لـ”العرب”، أنه في السنوات الأخيرة أصبح صعبا فرض الانضباط على أفراد المجتمع الذين يلجأون للحصول على حقوقهم بلغة القوة وغاب احترام الآخر وانعكس الخطاب المليء بالصراعات على الشخصية فأصبحت أكثر عنفا وفردية.

ويؤكد ميشيل حنا، وهو محاسب قبطي، أن جرائم القتل داخل جدران الكنيسة لن تتوقف وسيحدث الكثير منها ما لم تتغير منظومة “المال الشايب” الذي يكدسه صاحبه ولا يصرف منه، وهو ما ظهرت معالمه على بعض المسؤولين عن دور العبادة وأصبح مستفزا للرعية.

ويشرح حنا، لـ”العرب”، أن هناك رجال دين يعتبرون شراء الأراضي والعقارات وإنشاء المنتجعات دليلا على نجاح خدمتهم الكنسية، وزعموا أنها تجلب أموالا لخدمة رعايا الكنيسة.

المدنس والمقدس

تغيرت الصورة النمطية عن رجال الدين
الصورة النمطية عن رجال الدين تغيرت

حان الوقت ليفرز الجسم المجتمعي القبطي إصلاحات هيكلية لمقاومة حجم الفساد الذي استشرى في جسد الكنيسة وإعادة التوازن المفقود للعلاقة بين رجال الدين وعموم الأقباط.

يؤدي ما يحدث داخل المجتمع القبطي لتغير مفهوم القداسة ويجعل الناس يعيدون التفكير في أن القداسة المطلقة وهم اخترعه الحاكم ورجال الدين للسيطرة على عقول المجتمعات.

ظهر ذلك جليا في انطلاق دعوات قوية إلى الأغنياء الأقباط وأصحاب العطايا والمنح لمساعدة الفقراء بشكل مباشر، وأن يقتصر دور الكنيسة على مد هؤلاء المتبرعين ببيانات من يحتاجون المساعدة، لأن من الأفضل لهم التعامل المباشر مع البسطاء دون وساطة، حيث تنتقل التبرعات عبر الكنيسة ورجالها.

يقول ماجد عاطف، الناشط القبطي، “تلك المطالبات تمثل خطورة على تماسك المجتمع ووضع الكنيسة المميز، ومؤشرا على وجود أزمة تحتاج لتدخل عاجل، ولن تصلح معها المسكنات والرهانات على الوقت بحجة أن النسيان كفيل بتسكين الوضع″.

ما يحدث الآن من جرائم قتل وانتحار واتهامات تطال الكل هو تجسيد لفكرة نزع القداسة عن الرهبان لأنهم أصحاب نفوس بشرية، تختلف وتتعارض مصالحها، وقد ينقلب الخلاف إلى صراع يفضي إلى جرائم. وتغيرت الصورة النمطية عن رجال الدين، وأنهم يرتدون ثيابا بسيطة ويأكلون طعاما أبسط، في تكريس فعلي لحياة الزهد.

ويذكر الكتاب المقدس أن الكهنة ورجال الدين المسيحي هم وكلاء الرب في أمور الدعوة والرعاية وكافة شؤون الكنيسة ويوصى الأثرياء بضرورة العناية بالفقراء والمحتاجين.

واستنكر مصدر كنسي المقولة المتوارثة “أن وكلاء الله لا بد أن يرتفع ويزدهر مستواهم الاجتماعي والمادي والمعيشي، وأن بيت الكاهن لا بد أن يكون أحسن بيت في البلد”.

وأشار المصدر، لـ”العرب”، إلى أن ثقافة الحجر سادت وتغلبت على الاهتمام بالبشر، شارحا أن أموال التبرعات أنفقتها بعض الكنائس على البهرجة تحت ذريعة ضرورة أن يكون بيت الرب الأكثر فخامة.

من الضروري أن يدرك الأب الكاهن أن العطايا ليست من جيبه الشخصي وإنما من مال الكنيسة، والأهم أن تتجسد فيه روح الأبوة وجبر الخواطر، فلا يجب الضغط على نفسية الخدم ذوي التعليم البسيط وإشعارهم بالدونية، وألا يتم استخدامهم لطلبات شخصية، كما يجب عدم تركهم للتسول لأن ذلك تشويه لدور الكنيسة.

وطالب المصدر من واقع خبرته بتغيير أسلوب الإدارة تماما وفصل إدارة الكنيسة عن الآباء للحفاظ على ما تبقى من احترام لهم في المجتمع القبطي.

يمكن القول إن بداية مرحلة هيمنة الكنيسة على حياة أتباعها بشكل شبه كامل تمت صياغة أفكارها في عهد بابا الأقباط الراحل شنودة الثالث، حيث قام ببسط سيطرته ونفوذه على الكنيسة.

مؤشرات المحنة

توسيع دور الكنيسة في حياة أتباعها
توسيع دور الكنيسة في حياة أتباعها

باتت الكنيسة مقصدا للأقباط الفقراء للحصول على إعانات منتظمة، كما استطاعت الكنيسة بالتنسيق مع رجال أعمال أقباط تخصيص نسبة من الوظائف في مشروعاتهم لأبناء الطائفة ما ضاعف من هيبة الكهنة، لكنه في نفس الوقت كان بمثابة أول مسمار في نعش قداسة رجل الدين في المجتمع القبطي.

وكانت لسياسة وأفكار البابا شنودة مميزات عديدة لأتباع الطائفة الأرثوذكسية، لكنها لم تخل من تبعات أدت إلى ما يحدث اليوم من جرائم وتجاوز كهنة لطبيعة أدوارهم الدينية.

وساهم توسيع دور الكنيسة في حياة أتباعها وتزايد اعتمادهم عليها اقتصاديا واجتماعيا في تحول الكثير من الكهنة عن حياة الزهد، بعدما اختلط الديني بالدنيوي. وأصبحت المناصب الدينية تكسب صاحبها نفوذا، فضلا عن المغانم الاقتصادية الهائلة التي بات بعض الكهنة يحصدونها ويتحكمون في توزيعها حسب تقديرهم لطاعة الأتباع.

وقالت مصادر كنسية، لـ”العرب”، إن البابا الحالي تواضروس جاد في محاربة الفساد الذي بدأ يضرب حياة بعض الكهنة، وطالب بإجراء تحقيق كنسي في مقتل الكاهن حتى لا تتكرر تلك الحوادث، وقبلها اتخذ عدة قرارات مهمة عقب مقتل الأنبا إبيفانيوس منها حظر التعامل المالي على أي راهب.

20