العنف المدرسي يخلق جيلا خانعا للقوي متسلطا على الضعيف

يعيق العنف في المدارس قابلية المدرسة لتحقيق أهدافها وغاياتها، وللعنف ضدّ الأطفال جوانب سلبية وضارة لاحترام الذات مستقبلا، فهو ببساطة يخلق جيلا جبانا يخاف من السلطة الأعلى طالما استطاعت معاقبته، ويخالف القوانين إذا ما تأكد أنه بمنأى من العقاب. ‏
السبت 2018/02/24
التوازن النفسي عماد العملية التربوية

تونس - “حاسبني بجلده” أو “اسلخ جلده”، كانت هاتان الجملتان مفتاحا في عملية التعليم والتعلّم في تونس قبل سنوات. كان الولي يحضر إلى المدرسة في ما ندر، ليقول إحدى هاتين العبارتين للمعلم بإصرار وثقة وسط دهشة التلميذ وخوفه.

كان “سيدي” المعلّم يسمع تلك التعليمات، فيختلف فهمها لدى المربين، فمنهم من يظن أنّها “ضوء أخضر” ليفعل بالتلميذ ما يشاء، ومنهم من يقدرها على أساس أن الولي لديه ثقة كبيرة فيه.

لم تكن شدّة “سيدي المعلّم” على التلاميذ بغاية قتل روح الإبداع فيهم أو كبت توقهم إلى شخصية راقية؛ بل هي ضرورة تربوية يلجأ إليها عندما يصبح الفعل التعليمي عبثا، وفق أحد المعلمين المتقاعدين.

لكن هادي (33 عاما) الذي يعمل نادلا في مقهى يقول “لقد ضربت ‘بمسعودة’ (وصف يطلق على العصا التي يستعملها المعلم لتأديب التلاميذ) على اليد اليمنى واليسرى، وجرى الدّم من أنفي بلكمة يسارية، وكسرت رجلي بركلة مقصيّة، كلّ ذلك داخل القسم، وما كان من أبي إلا أن يقول عند سماعه بالحوادث: مازال لم يسلخ جلدك بعدُ”. ويستأنف هادي “لقد هربت من المدرسة ولم أعد أبدا، كانا يريداني (أبي ومعلمي) قتلي، أكيد”.

بالمقابل يقول أسعد (ولي) “التربية تقتضي من المربّي أن يقوم بأعمال تحقق الانضباط أثناء سير الدّرس، لا بأس من بعض الصفعات والضربات”.

تختلف الآراء حول قضية الضرب في المؤسسات التربوية، وعلى الرغم من أن أغلب وزارات التربية والتعليم في الدول العربية تمنع استعمال العنف بجميع أنواعه فإن التأديب الجسدي عادة سارية في مجتمعاتنا. إذ لا يزال المئات من المعلمين يعاقبون التلاميذ بأشكال قاسية.

تنشر على وسائل الاتصال الاجتماعي بين الفينة والأخرى صور أو مقاطع فيديو قاسية حول تعنيف التلاميذ من معلميهم. لعل آخرها مقطع فيديو مسرب من مركز لمعالجة أطفال التوحد في تونس حيث أجبر الصغار على تناول قيئهم وضربوا على رؤوسهم.

وقد أقام بعض أولياء أمور التلاميذ الموجودين في المركز الدنيا وسخّرت بلاتوهات إعلامية لمناقشة القضية التي أصبحت قضية رأي عام في تونس. وقامت السلطات باعتقال صاحبة المركز والعاملات فيه إلى حين استكمال التحقيقات.

 وسائل التواصل  الاجتماعي ساهمت في فضح العنف المسلط على التلاميذ في المؤسسات التربوية

ما هو العنف المدرسي

يعرّف العنف المدرسي بأنه سلوك يتّسم بالعدوانية الظاهرة أو المقنّعة في المدرسة، ويترتّب عنه أذى بدني أو نفسي أو جنسي على التلميذ.

وثمة ثلاثة أنواع من العنف: العنف الجسدي، كالضرب، الصفع، شد الشعر، الدفع، القرص…

ويتمثل النوع الثاني في العنف النفسي (أو المعنوي) مثل الإهانة، الإذلال، السخرية من التلميذ أمام الرفاق، نعته بصفات مؤذية، احتجازه في الصف،  مخاطبته بقسوة، انتقاده باستمرار، التمييز بين طفل وآخر، البرودة العاطفية في التعاطي معه، عدم احترامه، عدم تقدير جهوده…

أما الثالث فهو العنف الجنسي: ويتدرج من استعمال كلمات ذات دلالة جنسية، إلى الملامسة الشاذة لبعض أجزاء أو أعضاء جسم التلميذ وصولا إلى التحرش.

كما أن مظاهر العنف المدرسي لا تقتصر حصرا على ما سبق ذكره، وإنما قد تشمل أداء الأنشطة في الأبنية غير الملائمة وكذلك في الملاعب والصفوف التي لا تتمتع بالمواصفات المناسبة، وطريقة إجراء الامتحانات، والوسائل التعليمية، والخدمات المدرسية، ووزن الحقيبة المدرسية.

يقول أخصائيون إن هناك أطفالا أكثر عرضة للوقوع ضحايا لأعمال العنف المدرسي، منهم: الطفل ذو الطباع الصعبة أو الكثير الحركة الذي يصعب ضبطه. أو ذلك الذي ينحرف بنموّه عن النمو الطبيعي، أو المصاب بإعاقة تعليمية.

وما يسبب العنف هنا ليست الإصابة بحد ذاتها، وإنما خيبة أمل المعلم من توقعاته وتباعد الصورة المتمناة للتلميذ عن الصورة الواقعية له.

يقول مجدي الجوهري، الخبير القانوني، إن الضرب في المدارس ممنوع وفقا لحقوق الإنسان ووثيقة حقوق الطفل التي تمنع تعرّض الطفل للإيذاء البدني أو التوبيخ، مشيرا إلى أن التعليم لا يعاني فقط من أزمة المناهج، وإنما تمتد الأزمة إلى عقلية المدرس الذي يجهل كيفية التعامل مع الطفل وفقا لحقوقه الخاصة في ظل انعدام التدريب على التعامل مع الأطفال وفقا لمبدأ حمايتهم من التعرض للإيذاء.

وتطالب اتفاقية حقوق الطفل الدول الأعضاء باتخاذ جميع الإجراءات اللازمة لضمان إدارة النظام في المدارس على نحو يتوافق مع هذه الاتفاقية.

وتبين تقارير المبادرة العالمية لإنهاء كافة أشكال العقاب الجسدي أن 102 دولة حظرت استخدام العقاب الجسدي في المدارس، ولكن الالتزام بتنفيذ هذا القرار يتراوح من بلد إلى آخر. كما بينت أن أكثر من 70 بالمئة من الأطفال يتعرضون للإساءة اللفظية من أولياء الأمور والمعلمين والإداريين في المدارس.

وتمنع معظم وزارات التربية في الدول العربية التعنيف الجسدي في المدارس.

ففي لبنان مثلا، تحظر المادة 186 المعدلة من قانون العقوبات على المعلمين استعمال الضرب لتأديب الأطفال، وتحصر ضروب التأديب غير العنيفة لدى الآباء والأمهات، شرط أن لا يتركوا أثرا على صحتهم الجسدية والنفسية.

وفي السعودية، منعت وزارة التربية والتعليم العقاب البدني في مدارس التعليم الرسمية عام 2000. وكذلك في مصر والجزائر والإمارات وغيرها من الدول العربية.

وقد نصت تعليمات الانضباط الطلابي في المدارس في الأردن على أنه ينبغي للمدرسة عدم اللجوء إلى العقاب البدني والنفسي والعاطفي بأي صورة من الصور.

آثار الضرب

قال حسين السويدي، الخبير السياسي، إن المعاملة السيئة للطالب في المدارس، تخلق جيلا جبانا يخاف من السلطة الأعلى طالما استطاعت معاقبته، ويخالف القوانين إذا ما تأكد أنه بمنأى من العقاب. ‏

وقد أثبتت الدراسات أن استخدام العنف بأشكاله المختلفة قد سبب توترات عصبية وأمراضا في النطق وفي التفكير ويحمل كثيرا من التلاميذ على الانطوائية ومن ثم التسرب من المدرسة، في وقت تعاني فيه المنطقة العربية من تراجع مستويات التعليم وانتشار الأمية.

وقالت الدكتورة سميرة الغامدي أخصائية علم النفس في مجال الإساءة ضد المرأة والطفل ورئيسة جمعية حماية الأسرة السعودية “ليس هناك أي مبرر لضرب الطلاب، هناك برامج عقاب وجزاء وبرامج للتعديل السلوكي، والضرب في المدارس له آثار سلبية في تكوين شخصية الطالب، منها خوفه من المدرسة والقلق المستمر وانفصام الشخصية والميل إلى العزلة والعزوف عن التحصيل العلمي”.

وأعربت الغامدي عن أسفها من عدم وجود قوانين تردع المعلمين الذين يمارسون العقاب الجسدي، مضيفة أن ذلك ينمّ عن تراجع مستوى المعلم الذي ينتهج هذا الأسلوب بدلا من اعتماده على أسلوب التوجيه والإرشاد.

وبرر المعلم احمد الجبري الذي يدرس في إحدى مدارس صنعاء استخدام المدرس الضرب غير المبرح، قائلا إن “المعلم يضطرّ في بعض الأحيان إلى ضرب الطالب المسيء، والذي تفشل كل محاولات إصلاحه أو دمجه في الصف ليكون متفوقا أسوة بزملائه الطلاب”.

نفسية هشة
نفسية هشة

تدوير العنف

ترصد هيئات متخصصة في دول عربية بقلق تناميا ملحوظا لظاهرة اعتداء التلاميذ على أساتذتهم.

لقد فقَدَ مراد (42 عاما) حماسة التّدريس التي بدأ بها مشواره المهني منذ أن اعتدى عليه أحد تلاميذه بالضرب في ساحة المدرسة الثانوية التي يعمل فيها انتقاما لرفته إياه لمدة ثلاثة أيام بسبب سلوكه في الفصل.

حالات الاعتداء على المدرسين خاصة في المعاهد الثانوية تعددت في السنوات الأخيرة ما دفع هيئات غير حكومية إلى قرع جرس الإنذار للتحذير من خطورة هذه “الظاهرة” الجديدة في البلاد.

وفي المغرب مثلا، حسب إحصائيات صادرة عن مؤسسات حكومية أصبحت ظاهرة العنف في تزايد مستمر، كما بينت هذه الإحصائيات أن حالات العنف وصلت إلى تعرض معلم كل شهر للعنف في المدرسة، حيث سجلت تسع حالات خلال الموسم الدراسي في كل سنة، مما يدل على تحول كبير داخل المنظومة التربوية المغربية.

وبرأي طارق بن الحاج محمد الباحث التونسي في علم الاجتماع التربوي فإن استفحال ظاهرة عنف التلاميذ ضد أساتذتهم مرده تغيّر القيم التربوية لدى شباب اليوم و”قلة انضباطهم للتشريعات وتقاليد المؤسسات التربوية” بل و”استخفافهم بالعقوبات داخل المدرسة إلى حدّ التباهي بالتعرّض لها واعتبارها نوعا من المغامرة والبطولة”.

وقال الباحث الاجتماعي إن شريحة كبرى من الشباب يعتقدون أنّ المدرسة “لم تعد تمثل السبيل لتحقيق الحراك الاجتماعي وضمان المستقبل الآمن ولم تعد تستجيب لطموحاتهم وتطلعاتهم ذات السقف العالي” وأن علاقتهم بالمعرفة وبالمواد الدراسية أصبحت “علاقة منفعية تقتصر على اعتماد المعلومات للنجاح في الامتحان” لافتا إلى أن “هذا التصور يسيء إلى المربي وصورته ومكانته ويجعله محل استخفاف قد يصل إلى حد التعنيف”.

يقول الطبيب والأخصائي النفساني المغربي أبوبكر حركات إن ظاهرة العنف أصبحت تتفشى بشكل غير مسبوق في المدارس المغربية، ما يدل على “تغير القيم الثقافية في المغرب”.

ويرى الأخصائي المغربي أن المدرسة المغربية فقدت جزءا من دورها التربوي والثقافي، معللا ذلك بالقول “أصبحنا نعيش اليوم بقيم مادية، الأمر الذي أدى إلى تراجع الأدوار التي كانت تقوم بها المدرسة المغربية في تنشئة الأجيال الصالحة”. وبرأي حركات “أصبح المدرس لا يتوفر على أيّ قيمة داخل الحجرات الدراسية”.

وتقول بثينة عبدالرؤوف الخبيرة التربوية في مصر، إن العنف بين تلاميذ المدارس ليس وليد اللحظة، فهو منتشر منذ زمن، ونتاج طبيعي لغياب دور كل من الأسرة والمدرسة معا، فالنشأة الاجتماعية الخاطئة هي السبب الرئيسي وراء تحول الأطفال ليكون أكثر عنفا، كما أن لجوء بعض المعلمين لوسائل غير تربوية في التعامل يضاعف معدلات العنف.

وأوضحت لـ”العرب” أن المواقف التي يشاهدها الطفل في البيت مثل المشاجرات بين الأهل وإهانة الأم لأبنائها أحيانا تنعكس بصورة سلبية على شخصيته، وتترتب على ذلك بعض الآثار السيئة، مثل تدني الثقة بالنفس والسلوك العدواني في المدرسة.

وأكدت الخبيرة التربوية المصرية، أنه من أجل الحد من ظاهرة العنف المدرسي، يجب نشر ثقافة التسامح ونبذ العنف بين الأطفال، والعمل على التربية الصحيحة، وتتبنى المدرسة عقد ندوات ودورات تعليمية للتلاميذ وأسرهم لزيادة المعرفة، فضلا عن التشديد على المعلمين بعدم اللجوء إلى أسلوب العقاب البدني.

وأشارت سامية خضر صالح أستاذ علم الاجتماع بكلية التربية جامعة عين شمس في القاهرة، يجب وضع استراتيجية في مواجهة العنف بين تلاميذ المدرسة، من خلال خطة تدخل سريعة، وبرنامج عمل يتمّ إعداده على مدى سنوات لأن التلاميذ هم المستقبل.

وأضافت لـ”العرب”، أن ما يحدث في بعض المدارس الآن يخلق بيئة تعليمية فاشلة، وعلى المعنيين بالتعليم في الدول العربية تغيير طريقة تناولهم لتلك الأزمة لتعود المدرسة ملاذا آمنا للشباب وحاضنة لتقديم أجيال جديدة سوية وواعدة.

واقترحت صالح لتقليل هذه الظاهرة يجب أن يتم نشر ثقافة الإنصات وتعميم الرغبة في التعلم من خلال وسائل حضارية وجذابة، وتعميق التواصل والمناقشة بين التلاميذ أنفسهم ومع الأساتذة أيضا تحت سقف يرسخ لقيمتي التسامح والود.

وكشف الطفل محمود عماد، عمره 9 سنوات ويدرس في إحدى المدارس الخاصة بالقاهرة، أنه أحيانا يتعامل بعنف مع زملائه ليشعرهم أنه قوي وليس صغيرا، وليمنع أي طفل آخر من إيذائه، وإذا لم يظهر “العين الحمراء” على حدّ قوله فمن السهل أن يضيع حقه.

وعندما سألته “العرب” عن موقف معلميه وكيف يتعاملون مع عنفه، قال هم يعرفون أن والدي مسؤول كبير في الدولة، وأقصى ما يفعلونه هو إبلاغه عما بدر مني، وفي النهاية تتم تسوية الموضوع بطريقة ودية مع أسرة الطفل الذي ضربته.

وهنا قالت سامية خضر، إن تمييز الأطفال الزائد عن الحدّ يغرس داخلهم شعورا دائما بالأنا والإحساس بالتفوق والتميّز المادي، ما يجعلهم يتعاملون بغطرسة مع غيرهم، لذلك فالأسرة قبل المدرسة يقع عليها الدور المهم في التنشئة السوية، فإذا كان الطفل يمارس كل هذه العدوانية في سن مبكّرة، سوف تكون المسألة أخطر عندما يكبر.

أما بثينة عبدالرؤوف، فقالت العملية تكاملية بين الأسرة والمدرسة، ومن خلال مشاهداتها العملية رأت نماذج غريبة بين التلاميذ، حيث يعتبرون العنف رمزا لتجاوز مرحلة الطفولة. وهي تنصح دائما أن يقوم الأخصائي الاجتماعي في المدرسة بدوره في التقويم الداخلي والتواصل مع أسر هؤلاء الأطفال، لمنع تفاقم الأمر.

20