العنف المقدس

السبت 2015/01/31

تميل مجتمعاتنا بصورة عامة إلى تبني العنف ليس كمقولة فحسب بل كأسلوب حياة، فتجد ثقافتنا تزخر بمفردات العنف وأحيانا تباهي به، كأحد “منتجاتها الحضارية”. العنف هو أحد الوجوه الأساسية لثقافتنا، تلك الثقافة تقريبا التي ولدت كسائر الثقافات الأخرى من السيف والدم، لكن يبقى السؤال: لماذا لم نستطع تطهير معتقداتنا وأفكارنا وبالتالي سلوكياتنا أسوة بالكثير من شعوب العالم؟

من أين ينبع العنف؟ وكيف يتفاقم؟ وكيف يصير عارا،عارنا العربي، الذي يطاردنا في مطارات العالم؟ من أين تستمدّ الشخصية العدوانية عدوانيتها؟ ببساطة، الجواب من الثقافة، من الأفكار التي يتمّ تداولها منذ مئات السنين، من “البطولات” التي تمجد السيف، في حين قلما نجد ما يمجد الفكر والعقل.

الأمثلة لا تحصى، بدءا من النصوص الدينية، التي تمثل المراجع الأولى لمعتقداتنا، والخزان الأساسي الذي يتحرّك فيه لاوعينا الجمعي، إلى أسطح الذات التي يتراكم عليها غبار العنف ومفرداته، لكن مع ذلك يبقى السؤال: ما الفائدة من كل ذلك العناء، كأن تعيش في صحراء آملا أن تتطهر من الغبار؟ إن في ذلك نوعا من العبث الذي يبدو جليا، ذلك يشبه تماما أن تعيش في أكبر بؤرة للعنف في العالم، ما يسمى “الشرق الأوسط”، بغض النظر عن الأصل السياسي لهذه التسمية.

العنف في كل مكان، في النص المقدّس، في الموروث الشعبي وسير الأولين، أيضا الأمثلة كثيرة على ذلك، في الأدب، الأدب القديم على وجه الخصوص.

ثم فكرة حضور “العدو” في ثقافتنا، في كل مراحل تاريخنا، بدءا من أعداء الدين (أعداء الله) إلى أعداء الوطن (أعداء النظام). العدو دائما يتربّص بنا، وما فكرة “الشيطان” إلا تمثيل رمزي لفكرة العدو.

حتى في الدراما، الشخص “البطل” هو دائما من يمتلك القوة الجسدية، بغض النظر عن الجوانب الأخرى لشخصيته. حتى في مدارسنا غالبا ما ارتبطت ذاكرتنا، بفكرة العقوبة والخوف، فلا تكاد تخلو حياتنا من فكرة الخوف. إنها منظومة كبيرة، حلقة تتحرّك داخلها الشخصية العربية منذ ولادتها. لكن ماذا حين يكون العنف “مقدّسا” ومدعوما بالنصوص وبالفتاوى الدينية، كيف ننجو نحن وكيف ينجو أطفالنا، من التاريخ الذي يجثم فوق أنفاس حاضرنا الدموي؟ العنف في الحياة اليومية، في المدارس، على مائدة الطعام، في غرفة النوم، العنف على الشاشات، العنف متواصل وهو “بطل” حياتنا اليومي.


شاعر وكاتب من سوريا

17