العنف ضد المسنين، إلى متى تجاهله

معالجة هذه الظاهرة تبدأ من الاعتراف بوجودها وإدانتها اجتماعيا والحديث عنها بشكل علني وتشجيع ضحاياها على الخروج من عزلتهم وطلب المساعدة
الخميس 2018/05/24
الإهمال شكل من أشكال العنف

قبل وفاة والدي بأيام قليلة لاحظنا وجود خدش صغير على وجهه، وبسؤالنا السيدة المكلفة برعايته عن سبب الخدش أخبرتنا أنه جرح نفسه عن غير قصد عندما كان يقاوم التدليك الطبيعي، والحقيقة أننا لم نصدق هذه الرواية أبدا، وظل إحساس بالشك والذنب يلاحقنا إلى يومنا هذا من أنه قد يكون تعرض لنوع من العنف أثناء تغيبنا. وكان في أيامه الأخيرة قد فقد القدرة على الكلام أو التواصل. هذه الحادثة رغم غموضها تسببت في الكثير من الألم والإزعاج لكل أفراد العائلة ولا تزال.

نتحدث غالبا عن العنف الأُسَري، أو العنف ضد المرأة والطفل، لكن من النادر جدا أن نتعرض إلى نوع آخر من العنف المنتشر في بيوتنا وتحت أسقفنا، وهو العنف ضد كبار السن الذي يصعب تحديد حجمه ومدى انتشاره في ظل انعدام الدراسات والبحوث والإحصائيات، إلا أنه يظهر من حين لآخر في شكل جرائم  تتناقلها الصحف والمجلات أو شكاوى وبلاغات متفرقة ترفع أمام الشرطة والقضاء.

العنف ضد كبار السن هو العنف الموجه لمن هم فوق سن 65 عاما، أي الفئة الهشة التي تكون في حالة الاعتماد الجزئي أو التام على غيرها، ويأتي في شكل أفعال وممارسات تسيء إلى كبار السن نفسيا وجسديا، أو في شكل إهمال مسؤولية الاعتناء بهم وتقديم المساعدة التي يحتاجونها.

 كما يمكن أن يأخذ شكل الابتزاز واستغلال ضعفهم وحاجتهم للمساعدة من أجل الضغط عليهم للحصول على أموالهم أو مكتسباتهم، فضلا عن أشكال أخرى  كإهانتهم، أو الحط من شأنهم أو حبسهم في غرف أو ربطهم، أو دفعهم أو قرصهم، أو تجويعهم أو حتى استغلالهم جنسيا.

ولئن ادعى كثيرون بأن هذه الظاهرة غربية بامتياز، نظرا إلى أن ديننا الإسلامي حرم “العقوق” وأوصى بالرحمة واللين مع كبار السن، إلا أن الحقيقة غير ذلك، فكبار السن، سواء الذين يعيشون داخل أسرهم أو في مراكز الرعاية والاستشفاء، يتعرضون لأصناف عديدة من العنف اللفظي والجسدي، تحديدا بسبب سكوت المجتمع عن هذا النوع من العنف وغياب الرقابة والمتابعة الدقيقة لهذه الظاهرة.

أغلب ضحايا هذا النوع من العنف يجدون صعوبة كبيرة في الحديث عنه أو إخبار الآخرين بما يلاقونه من شركائهم أو أبنائهم أو المسؤولين عن رعايتهم من ممارسات وسلوكيات مسيئة، ويعود ذلك إما لشعورهم بالخجل والعار وإما خوفا من عقوبة ورد فعل المعتدي مما يزيد الأمر سوءا، وإما بسبب عدم الرغبة في تعريض المعتدي، وهو في الغالب طرف من أفراد العائلة، للملاحقة القانونية. وفي المقابل يزداد ضحايا هذا النوع من العنف مع الوقت انعزالا وسكوتا وكآبة قد تؤدي إلى ملازمة الفراش وعدم مغادرته حتى بلوغ النهاية.

معالجة هذه الظاهرة تبدأ من الاعتراف بوجودها وإدانتها اجتماعيا والحديث عنها بشكل علني وتشجيع ضحاياها على الخروج من عزلتهم وطلب المساعدة. بعض المؤسسات وضعت أرقاما سرية يمكن الاتصال بها من دون الإدلاء بالاسم لطلب المساعدة.

إيجاد المنظمات، سواء المدنية أو الرسمية التي تهتم بمقاومة العنف ضد كبار السن ورصد الحالات وتوفير التقارير والإحصائيات وتنظيم الحملات التوعوية يعتبر أيضا مطلبا رئيسا وملحا.

 كما أن توعية العاملين في القطاع الصحي بضرورة الانتباه للكدمات والآثار الموجودة على أجسام كبار السن والتعامل معها بجدية والإبلاغ عنها من شأنها أن تساعد في الحد من هذه الظاهرة المسكوت عنها.

كما هو شأن أبنائنا الذين نستقبلهم برقة ووداعة ونجهز لهم العش الدافىء، نرغب أيضا، وقبل ذلك، أن يغادرنا آباؤنا وكبارنا وهم آمنون مطمئنون، يحظون بالعناية والاهتمام، وهو مطلب أساسي يجب أن تتكاتف جهود كثيرة من أجله، حتى لا تملأ الخدوش قلوبنا وذاكرتنا.

21