العنف ضد النساء ينقل الإعلاميين إلى ساحات القضاء اللبناني

تغيب المعالجة الإعلامية الموضوعية لظاهرة العنف ضد المرأة في وسائل الإعلام اللبناني، ليتم استخدامها كوسيلة للمنافسة بين القنوات الفضائية، وتصفية الحسابات المهنية، حتى وصلت إلى أروقة القضاء اللبناني.
الأربعاء 2015/06/17
سيرين عبد النور أحد الوجوه التي تبنت حملات لا للعنف ضد المرأة في برامجها

بيروت- أصبح العنف ضد المرأة الموضوع الأكثر إثارة في وسائل الإعلام اللبنانية، بعد تفاقم الظاهرة، وتسابق الإعلاميين على كشف تفاصيل حوادث جرت وتجري كل يوم خلف الأبواب الموصدة في المجتمع اللبناني.

لكن الأمور خرجت عن مسارها الطبيعي لتتجاوز التغطية الصحفية إلى نقاشات حادة بين الصحفيين والإعلاميين، ولكل طريقته في الهجوم على الآخر عبر منبره الإعلامي، ودفاعه عن أسلوب معالجته للقضية وصوابه المهني، راشقا الوسيلة الأخرى باتهامات متعددة من قبل استغلال القضية والتحريض على العنف، وضياع حقوق المرأة، خاصة في ظل استخدام القنوات الفضائية كساحة لتصفية الحسابات السياسية والشخصية بين الأطراف المتعددة.

وانتقل السجال إلى أروقة المحاكم بعد أن استدعى مكتب مكافحة جرائم المعلوماتية مراسلة ومعدة برامج في محطتي “الجديد” و“OTV” الصحفية حياة مرشاد للمثول أمامه إثر شكوى مقدمة من الإعلامي طوني خليفة على خلفية تعليقات على مواقع التواصل الاجتماعي، تناولت فيها مواقفه من خلال عدة إطلالات إعلامية حول موضوع العنف ضد النساء، ومنها قضية شريط الفيديو الذي تداولته وسائل الإعلام اللبنانية لرجل يعتدي على زوجته بالضرب بالقرب من أحد المراكز التجارية، والذي ظهر عبر اتصال هاتفي مع خليفة في برنامجه 1544 مبررا فعلته.

كما أثار خليفة جدلا واسعا على مواقع التواصل الاجتماعي، بعد أن شن هجوما حادا في برنامج “مذيع العرب”، على الجمعيات الناشطة في مجال الدفاع عن حقوق المرأة واستخدام وسائل الإعلام من أجل الشهرة والمكاسب المادية على حساب القضية الأساسية وهي العنف ضد المرأة، وبلهجة شديدة العدائية، اعتبر أن هذه الجمعيات ووسائل الإعلام التي تستضيفها متواطئة وطالب بألا يكون هناك شعار “العنف ضد المرأة”، ولكن أن يكون الشعار “لا للعنف فقط”. رافضا مقولة أن المجتمع العربي مجتمع ذكوري.

وهو ما انتقده العديد من المتابعين والإعلاميين حتى ضمن البرنامج نفسه، وليس فقط الناشطة مرشاد التي امتنعت أول أمس، وللمرة الثانيةّ، عن المثول أمام “مكتب مكافحة جرائم المعلوماتية وحماية الملكية الفكرية” للتحقيق معها في ما يتعلق بشكوى القدح والذم المقدمة من الإعلامي خليفة، حول مضمون تدوينات وتعليقات لمرشاد في مواقع التواصل.

القضية جددت معاناة الصحفيين واستياءهم من قوانين الإعلام وحرية التعبير في لبنان

هذه القضية جددت معاناة الصحفيين واستياءهم من قوانين الإعلام وحرية التعبير في لبنان، والتي مازال التداول فيها لم يثمر عن أي نتيجة في البرلمان اللبناني، وقالوا إن هذه القوانين القديمة وغير الصالحة للوقت الراهن تفتح الباب باستمرار للانتهاكات ضد حرية الصحافة.

حيث وكلت مرشاد محامية، لنقل الملف من مكتب جرائم المعلوماتية إلى جهة قضائية أخرى “صالحة للنظر في القضية”. غير أن المدعي العام في جبل لبنان، كلود كرم، رفض هذا الأمر، متذرعا بأن مرشاد لا تحمل بطاقة نقابة الصحافة.

وكتبت مرشاد، الجمعة الماضي، في صفحتها على “فيسبوك” قائلة “بعد عمل لأكثر من 6 سنوات في الصحافة وبمؤسسات إعلامية منها صوت الشعب وقناة OTV، المدعي العام في جبل لبنان يتذرع بعدم حملي بطاقة من نقابة الصحافة، التي بالمناسبة غالبية الصحفيين في لبنان غير منتسبين إلى جسمها المهترئ، للإصرار على امتثالي أمام مكتب مكافحة جرائم المعلوماتية، خلافا للقانون وللحريات، وتحت طائلة تسطير بلاغ بحث وتحرّ بحقي”. وفيما كان مقررا أن تمتثل مرشاد الإثنين، أمام المكتب للتحقيق في الشكوى المذكورة، إلا أنها عادت وأعلنت أنها رفضت هذا الأمر، كونها “صحفية ومواطنة لديها قناعة بعدم قانونية وشرعية التحقيق معها كمجرمة أمام هذا المكتب”.

وفي تدوينة على “فيسبوك” قالت مرشاد “عادت محاميتي منار زعيتر وأبرزت وكالتها معبّرة عن رفضي المثول، وتمّت مخابرة المدعي العام على هذا الأساس، الذي أشار ببيان كامل هويتي وختم التحقيق طالبا إعادة الملف له لتحويله إلى الجهة القضائية المختصة. إذن استطعنا تخطي المعركة الأولى والانتصار لقناعاتنا في هذا الإطار، وذلك بفضل دعم كل شخص وقف إلى جانبي وناصر قضيتي”.

حياة مرشاد: كصحفية ومواطنة لدي قناعة بعدم قانونية وشرعية التحقيق

ونظّم ناشطون وقفة تضامنية مع مرشاد، الإثنين، لتقديم “الدعم المطلق لمرشاد، في وجه الفكر الرجعي والذكوري الذي يحاول إسكات صوتها النسوي المناضل”، على ما أعلن المنظمون في نصّ الدعوة، إلى جانب إعلانهم عن رفضهم “قرار المدعي العام الكيدي وغير القانوني مثول مرشاد أمام مكتب جرائم المعلوماتية”.

إضافة إلى “رفض سياسة القمع والترهيب عبر استدعاء الصحفيين للتحقيق أمام المكتب، رغم استقرار الاجتهاد القضائي ورأي محكمة المطبوعات سابقا بعدم مثول الصحفيين أمام هذا المكتب، بل أمام السلطة القضائية المباشرة”.

بدورها أكدت مؤسسة “مهارات” الصحفية على وجوب حماية حرية التعبير على الإنترنت بنفس المنطق، الذي ينطبق فيه مبدأ الحماية على أشكال التعبير الأخرى، لا سيما المطبوعات الصحفية.

كما شجبت “مهارات” كل أشكال المضايقة للصحفيين والناشطين على مواقع التواصل الاجتماعي عبر استدعائهم لتحقيق في مكتب مكافحة الجرائم المعلوماتية، الذي يتبع لقسم المباحث الجنائية الخاصة، ويدخل في صلب اختصاص هذا القسم مكافحة الجرائم الماسة بأمن الدولة، الجرائم المالية، تبييض الأموال، جرائم السرقات الدولية، مكافحة الإرهاب، والجرائم الهامة.

وشددت “مهارات” على مبدأ حرية الرأي والتعبير وحرية نقد مواقف الشخصيات العامة وسلوكياتهم في المسائل التي تهم الرأي العام، لا سيما القضايا المرتبطة بالعنف ضد النساء، وخصوصا المقاربات الإعلامية التي من شأنها تبرير أعمال العنف والترويج لمنطق الإفلات من العقاب.

وكانت مرشاد أطلقت سابقا حملة بعنوان “مش بالتسليع … منتجك ببيع!” الإلكترونية التي تهدف إلى رفض تسليع المرأة في الإعلام والإعلان. كما تسعى من خلالها إلى كسر الـصورة النمطية لاستغـلال الـمرأة فـي الإعـلام.

18