العنف عند الأطفال

الأحد 2015/11/15

يُعتبر تفاقم التعامل العنفي بين الأطفال والمراهقين ظاهرة خطيرة تهدد سلامة الجيل الجديد الذي يُفترض به أن يكون حجر الأساس لبناء وطن أساس مبادئه العدالة والكرامة والحرية والرحمة أيضا.

وقد تناول العديد من الباحثين وعلماء الاجتماع تنامي ظاهرة العنف عند الأطفال خاصة منذ بداية ثورات الربيع العربي حيث انتقلت المعارك والجرائم والمجازر إلى البيوت، وغالبا ما كان معظم الأطفال يشاهدون هذا العنف الذي يتراكم في لا وعيهم (وفي لاوعي الكبار أيضا) كما عبر عنه ببراعة عالم الاجتماع مصطفى حجازي في كتابه القيم “حصار الثقافة بين القنوات الفضائية والدعوات الأصولية”، إذ بيّن أن الإنسان ولو أراد واعيا وبإرادته أن لا يتأثر بالعنف الذي يشاهده فإن ثمة ظاهرة في الطب النفسي تُسمى التراكم العنفي، وفيها يتراكم هذا العنف في لاشعور المُتفرج ويُصبح عنيفا رغما عنه.

وتتخذ هذه الظاهرة أبعادا خطيرة عند الأطفال والمراهقين لأنهم لا يملكون وسائل دفاع عن أنفسهم ولا خبرات حياتية وتجارب تمكنهم من مقاومة الآثار السلبية والكارثية لهذا العنف، وللأسف فإن الأطفال دوما هم المتضرر الأكبر من الحروب والعقد النفسية التي تتركها مشاهد المجازر والعنف التي تترك في نفوسهم البريئة عقدا لا تزول مدى الحياة. ومن خلال عملي كطبيبة عيون في مستشفى حكومي صعقتني في السنوات الخمس الأخيرة أشكال من العنف عند الأطفال، فقد كنت شاهدة على حالة طفل في العاشرة من عمره تعرض للضرب المبرح بالعصيّ من قبل زملائه في الصف مما أدى إلى تمزق إحدى كليتيه وأصبح يتبول دما! وتبين بعد التحقيق مع المعتدين على الطفل المسكين أن زملاءه الذين ضربوه بتلك الطريقة قلدوا إحدى المشاهد في ألعاب الأطفال أو التي تُسمى تجاوزا ألعاب أطفال.

وقد أمكنني أن أطّلع عبر مقاهي الإنترنيت التي تضم أجهزة لألعاب الأطفال أن أشاهد أفلام رعب حقيقية على هيئة أفلام كرتون، كأن تجد رجلا ينتزع حنجرة رجل آخر ثم يتفجر الدم نهرا من عنق الضحية، وحين غضبت على الطفل الذي يلعب منتشيا بهذا الإجرام (حتى لو كانت الشخصيات دمى) ضحك ساخرا مني وقال لي: أنظري يمكنني أن أغيّر لون الدم إلى أصفر أو أخضر فاختاري!

للأسف يبدو أن للعنف جاذبية شيطانية، إذ أعرف الكثير من الأطفال والمراهقين المدمنين على الأفلام التي قوامها العنف، وكنت شاهدة على حالة فتاة في الثالثة عشرة من عمرها تشكو من آلام حادة في بطنها لم يُعرف سببها، ثم تبين بعد دراسة مستفيضة لحياتها واهتماماتها أنها مُدمنة على مشاهدة أفلام العنف المتخصصة بها بعض الفضائيات، ولم تستطع أن تشرح لي لماذا هي مولعه بهذه الأفلام الإجرامية وكذلك أفلام مصاصي الدماء أيضا وغيرها، خذلتها اللغة ولم تعرف كيف تُعبر عن عبوديتها للعنف وهي عبودية حقا لأنها عاجزة عن التخلص منها.

وكلنا نلاحظ ظاهرة التفنن في أفلام العنف وبعضها يموّه بأفلام الخيال العلمي، لكنها أفلام ترتكز على تقديس القوة كقيمة مطلقة في الحياة مهما كانت تلك القوة، وهي غالبا شريرة تسفك الدماء وتقتل الأبرياء وتبيد وتستعمل السواطير والسكاكين وأنماطا عديدة من الأسلحة الفتاكة، كما لو أن هناك عملية ممنهجة لترسيخ الإدمان العنفي عند الناشئة. ولتحويل الأطفال إلى مسوخ شريرة تلجأ للعنف الوحشي لدى أقل استثارة حتى لو كان الضحية أخا أو أختا أو صديقا. تُرى ما الغاية من تصميم أفلام وألعاب للأطفال عنيفة عنفا وحشيا لدرجة تحاكي ما نشاهده في الواقع من أفظع الجرائم كقطع الرؤوس والأطراف؟

ما الغاية أن تُصمّم لعب أطفال تفرش على أرصفة اللاذقية وغيرها من المدن السورية وهي عبارة عن بواريد بحجم البارودة العادية وتكاد تطابق البارودة التي يحملها الجندي، ومؤخرا شاهدت دمى عبارة عن براميل متفجرة من مختلف الألوان وكذلك دبابات مموهة متقنة الصنع كما لو أنها دبابة حقيقية!

ما الغاية من صناعة هكذا ألعاب شيطانية وتحريضية كما لو أنها تهيئة لهؤلاء الأطفال المساكين بأن تتحول ألعاب البلاستيك هذه بعد سنوات قليلة إلى أدوات قتال فتاكة حقيقية، كمن يعطيهم لقاحا ليس ضد العنف بل ليحرض العنف لديهم، والطفل المسكين ضحية ألاعيب الشيطان والأهل عاجزون عن مقاومة هذا المد المدروس والذي يكلف الملايين من أجل التلاعب بعقول أطفالهم.

كم صار منظرا مألوفا أن ترى أمّا أو أبّا يمسك بيد طفله وهو يحمل بندقية بلاستيك ستتحول إلى بندقية حقيقية بعد سنوات كما يأمل من صنعها، ولطالما شهدت معارك بين صبية في الحارة وقد انقسموا إلى جيش حر وجيش النظام وكانوا يقتلون بعضهم ويرتمون أرضا وهم يمثّلون ما يشاهدونه على الفضائيات.

إن علاقة الطفل بالدمى ليست علاقة سطحية وبسيطة فهي تدخل في صميم شخصيته، ما أجمل ولع الطفلة بدميتها حين تمثل دور الأم، منمّية مشاعر العطف والحنان والمحبة.

وفي مقال مهم قرأته لعالمة نفسانية أميركية هي إيدا لوشان بيّنت فيه أن علماء النفس غالبا ما يصممون ألعاب الأطفال أو يشاركون في تصميمها، فعلماء النفس اللإنسانيون الذين يقبضون من الشركات الكبرى مبالغ خيالية كي يصمموا ألعابا قوامها الشر والعنف وتغذية النزعة العنفية والإجرامية عند الأطفال، هم تماما كالأطباء النفسانيين الذين كان يلجأ إليهم المحققون في سجن غوانتانامو وغيره من السجون ليدرسوا نفسية المُعتقل ليس بهدف مساعدته والرأفة به بل ليُقدموا للجلاد المعلومات الحقيقية حول نقاط ضعف كل سجين، فهذا يخاف الكلاب والآخر يخاف الماء، وآخر يخشى الظلام والأقبية..

21